عام

سر الفستان الأزرق حكايات شروق خالد

فلوسها تفضل فلوسها.

الورشة ملكها.

محدش يراقبها.

محدش يختار هدومها.

ومحدش يعاملها كأنها جزء من ممتلكاته.

وقبل ما تمضي العقد، بصت له في عينه وقالت:

«أنا مش حاجة اشتريتها يا سليم.»

رد بهدوء:

«عارف.»

لكن بعد الجواز، حصلت حاجة ما كانش متوقعها.

هو بدأ يحب وجودها.

مش حب صريح.

لسه ما اعترفش حتى لنفسه.

لكن وجودها في البيت بقى له معنى.

لما يرجع متأخر، يلاقي النور في المطبخ مفتوح.

لما ينسى ياكل، يلاقي طبق متغطى.

ولما يكون ساكت زيادة عن اللزوم، تسأله:

«إنت كويس؟»

مش لأنها خايفة منه.

لكن لأنها مهتمة.

وفي مرة، رجع البيت لقاها بتصلح جاكت قديم.

سألها:

«إنتِ لسه محتفظة بالجاكت ده؟»

قالت:

«ده بتاع أبويا.»

«مقطوع.»

ابتسمت.

«عشان كده بحبه.»

سليم استغرب.

«بتحبي الحاجة المقطوعة؟»

«بحب الحاجة اللي عاشت.»

الجملة فضلت في دماغه.

وعشان كده لما لاحظ هدومها القديمة، عمل أغبى حاجة ممكن يعملها.

بدل دولابها كله.

لما رجعت البيت، فتحت غرفة الملابس، واتصدمت.

«هدومي فين؟»

قال:

«نقلتهم.»

«فين؟»

«المخزن.»

بصت للهدوم الجديدة.

«إنت اشتريتلي كل ده؟»

«أيوه.»

«ليه؟»

«هدومك قديمة.»

رفعت عينيها له.

«هدومي مش محتاجة تتغير يا سليم.»

«أنا بس كنت عايز أجيب لك حاجة أحسن.»

سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

«إنت شايفني محتاجة تتصلح؟»

سليم اتجمد.

«لأ.»

«أمال ليه ما سألتنيش؟»

ولأول مرة، سليم المنشاوي اكتشف إن الفلوس مش دايمًا بتحل المشكلة.

اعتذر.

ورجع معظم الهدوم.

بعدها بقى يختار حاجاته بناءً على كلامها.

الفستان الأخضر لأنها قالت مرة إن اللون بيخلي عينيها أهدى.

الفستان النبيتي لأنها وقفت قدامه خمس دقايق في واجهة محل.

الفستان الأزرق لأنها قالت إنها بتحب الألوان اللي “ما بتطلبش اهتمام”.

كل فستان كان رسالة.

لكن إيمي كانت بترجعهم كل مرة.

والنهارده، سليم قرر يعرف السبب.

مش عن طريق السؤال.

لكن بطريقته.

الساعة كانت قربت من تسعة بالليل لما خرج من الشركة.

قال لمروان:

«هات العربية.»

«حضرتك رايح البيت؟»

«لأ.»

«فين؟»

سليم بص من الشباك.

«ورشة إيمي.»

لما وصل، المكان كان مقفول.

سليم بص للساعة.

تسعة وعشرة.

إيمي عمرها ما بتقفل بدري.

اتصل بها.

الموبايل رن.

مرة.

اتنين.

تلاتة.

ولا رد.

سليم حس بحاجة غلط.

دخل الحارس اللي كان واقف بعيد وقال:

«مدام إيمي خرجت من هنا من ساعة تقريبًا.»

«راحت فين؟»

«ما أعرفش.»

سليم سكت.

وبعدين لمح حاجة على الأرض.

موبايل إيمي.

مكسور.

الدم تجمد في عروقه.

انحنى ورفعه.

الشاشة كانت مهشمة.

وعليها إشعار رسالة واحدة.

رقم مجهول.

فتح الرسالة.

وكان مكتوب:

“لو عايز تعرف ليه مراتك بترجع كل حاجة، تعالى لوحدك.”

سليم رفع عينه.

مروان قال:

«فيه إيه؟»

سليم قفل الموبايل في إيده.

«إيمي اختفت.»

وفي نفس اللحظة، وصلته رسالة تانية.

صورة.

إيمي قاعدة قدام مراية.

وشها شاحب.

وقدامها صور لستات كتير.

كل واحدة كانت واقفة جنب سليم في مناسبة مختلفة.

وتحت الصورة جملة واحدة:

“إحنا ما بنحاولش نقتل مراتك يا سليم…”

وبعد ثواني وصلت الرسالة التانية:

“إحنا بنخليها تكره نفسها.”

سليم فضل ساكت.

ولأول مرة من سنين…

الغضب اللي في عينه كان مخيف حتى لمروان.

لكن قبل ما يطلب تتبع الرقم، وصل فيديو.

فتح الفيديو.

ظهرت إيمي.

كانت قاعدة في أوضة غريبة.

قدامها مراية كبيرة.

وصوت ست كان بيقول:

«بصي لنفسك كويس يا إيمي.»

إيمي كانت بتبص للأرض.

«أنا مش عايزة.»

«لازم تبصي.»

«ليه؟»

ضحكة باردة.

«عشان تفهمي إن سليم ممكن يسيبك في أي لحظة.»

إيمي رفعت عينها للمراية.

والست كملت:

«كل فستان بيجيبه لك بيأكد إنك مش شبه الستات اللي حواليه.»

إيمي همست:

«بس هو بيقولي إني جميلة.»

«عشان شفقان عليكِ.»

إيمي بدأت تبكي.

سليم وقف الفيديو.

إيده كانت بتترعش.

مروان سأله:

«نعمل إيه؟»

سليم رفع عينه.

«هنرجعها.»

«واللي ورا ده؟»

سليم بص للموبايل.

«هخليهم يتمنوا إنهم ما لمسوش شعرة منها.»

وفي اللحظة دي، رن موبايله.

رقم خاص.

رد.

صوت ست قال بهدوء:

«لو عايز مراتك ترجع حية…»

سليم قاطعها:

«قولي مكانها.»

ضحكت.

«الموضوع مش عن مكانها يا سليم.»

سكتت لحظة.

ثم قالت:

«الموضوع عن اللي هي عارفاه عنك.»

سليم عقد حاجبيه.

«إيمي ما تعرفش حاجة.»

جاء الرد:

«دي مش المشكلة.»

«أمال إيه؟»

«المشكلة إن إحنا خليناها تصدق إنك أنت السبب في كل اللي حصل لها.»

ثم أغلقت الخط.

وفي نفس الثانية، وصلت رسالة أخيرة على هاتف سليم.

“اسأل مراتك عن الفستان الأزرق.”

سليم ثبت عينه على الشاشة.

الفستان الأزرق.

الفستان الخامس.

الفستان اللي إيمي رجعته من غير ما تفتحه حتى.

ولأول مرة، بدأ سليم يشك إن الفساتين ما كانتش مجرد فساتين.

كانت رسائل.

لكن السؤال الأخطر كان:

مين كان بيستخدمها عشان يوصل له؟

وإيه السر اللي إيمي نفسها ما تعرفش إنها شايلته؟

وفي مكان بعيد…

كانت إيمي قاعدة قدام المراية، بينما فانوس صغير بينور الأوضة.

اقتربت منها نفس الست وقالت:

«آخر فرصة يا إيمي.»

رفعت إيمي عينيها وهي بتعيط.

«فرصة لإيه؟»

الست ابتسمت.

«تقنعي جوزك إنك بتكرهي نفسك…»

ثم حطت قدامها ظرف أسود.

«أو نخليه يعرف الحقيقة.»

إيمي فتحت الظرف.

وأول ما شافت الورقة اللي جواه…

وشها اتغير.

لأن أول سطر كان:

“سليم المنشاوي لم يتزوجك صدفة.”

وتحت السطر…

كان اسم أبوها مكتوبًا بخط واضح. :::

#حكايات_شروق_خالد

فتحت إيمي الورقة بإيد بتترعش.

أول سطر كان واضح قدام عينيها:

«سليم المنشاوي لم يتزوجك صدفة.»

فضلت تقرأ الجملة كذا مرة، كأن عقلها بيرفض يستوعبها.

نزلت عينيها للسطر اللي بعدها.

«قبل سبعة وعشرين سنة، كان والدك، شريف، هو الرجل الوحيد اللي وقف في طريق عائلة المنشاوي.»

إيمي شهقت.

«بابا؟»

الست اللي واقفة وراها قالت ببرود:

«كمّلي.»

إيمي قلبت الورقة.

وكان فيه صورة قديمة.

صورة لرجل شاب واقف جنب عربية قديمة، وملامحه شبه والدها بشكل ما ينفعش يتفسر.

تحت الصورة كان مكتوب:

«شريف شريف… شاهد على  التي بنت إمبراطورية المنشاوي.»

إيمي حسّت إن الأرض بتتحرك تحتها.

«إنتِ كدابة.»

«ليه؟»

«بابا كان خياط.»

الست ضحكت.

«ده اللي كان عايزك تصدقيه.»

إيمي هزت راسها بعنف.

«بابا مات من غير ما يقولي حاجة.»

«لأنه كان خايف.»

«خايف من مين؟»

الست قربت من ودنها وهمست:

«من أبو سليم.»

إيمي تجمدت.

في نفس اللحظة، انتقل المشهد لسليم.

كان واقف في الجراج تحت برج المنشاوي، والمطر لسه نازل.

مروان قدامه ومعاه ثلاثة رجال.

قال مروان:

«لقينا مصدر الرقم.»

سليم رفع عينه.

«فين؟»

«الإشارة بتتنقل كل دقيقة.»

«يعني؟»

«يعني اللي عامل كده عارف إننا بنتتبعه.»

سليم شد على فكه.

«وإيمي؟»

مروان سكت.

«اتكلم.»

«وصلنا لفيديو جديد.»

مد له التابلت.

فتح سليم الفيديو.

إيمي ظهرت وهي قاعدة على كرسي.

لكن المرة دي ما كانتش بتبكي.

كانت بتبص قدامها بخوف.

والصوت النسائي قال:

«قولي لسليم اللي حصل لأبوكي.»

إيمي همست:

«أنا مش عارفة.»

«قولي.»

«مش عارفة!»

الصوت ارتفع:

«إنتِ عارفة.»

إيمي قامت فجأة.

«لو عندك حاجة قوليها لي!»

ظهر طرف رجل في الفيديو.

حذاء أسود.

صوت رجل لأول مرة:

«لسه فاكرة ليلة  أبوكي؟»

إيمي وقفت مكانها.

«كان عندي سبع سنين.»

«ومع ذلك فاكرة.»

«فاكرة إيه؟»

الرجل قال:

«فاكرة العربية السودا اللي وقفت قدام البيت.»

إيمي بدأت تتنفس بسرعة.

«أنا…»

«وفاكرة الراجل اللي نزل منها.»

سليم قرب التابلت من وشه.

الرجل كمل:

«وفاكرة إنه قال لأبوكي: آخر فرصة.»

إيمي حطت إيدها على دماغها.

«لأ…»

«قولي مين كان الراجل.»

«مش فاكرة.»

«اسمه كان سليم.»

سليم اتجمد.

مروان بص له.

إيمي في الفيديو شهقت.

«سليم؟»

الرجل ضحك.

«أيوه.»

الفيديو اتقفل.

سليم فضل ساكت.

مروان قال بحذر:

«حضرتك كنت تعرف والدها؟»

«لأ.»

«ولا والد حضرتك كان يعرفه؟»

سليم ما ردش.

لأنه فجأة افتكر حاجة.

حاجة عمره ما ربطها بإيمي.

قبل وفاة والده بشهر واحد، كان أبوه بيستقبل راجل غريب في مكتبه.

وسليم وقتها كان عنده سبعة عشر سنة.

دخل المكتب بالصدفة.

وشاف الراجل.

شريف.

والده كان بيصرخ فيه:

«لو اتكلمت، بنتك هتدفع التمن.»

سليم الصغير وقف ورا الباب يسمع.

لكنه ما فهمش.

وفي اليوم التالي، والده منعه من دخول المكتب تمامًا.

بعدها بأسابيع…

شريف اختفى.

وسليم نسي الموضوع.

أو حاول ينساه.

قال بصوت منخفض:

«مروان.»

«أيوه؟»

«هات كل الملفات القديمة الخاصة بوالدي.»

«من السنين دي؟»

«كلها.»

«حتى الملفات المقفولة؟»

سليم بص له.

«خصوصًا المقفولة.»

وفي مكان آخر، كانت إيمي بتقلب في الأوراق.

وفجأة لقت صورة تانية.

صورة لها وهي طفلة.

كانت واقفة جنب والدها.

وخلفهم رجل.

إيمي قربت الصورة من عينيها.

ثم شهقت.

«ده…»

الست قالت:

«أيوه.»

إيمي رفعت عينيها.

«ده سليم؟»

«لأ.»

إيمي اتوترت.

«أمال مين؟»

الست ابتسمت.

«أخو سليم.»

سكتت إيمي.

«سليم ما عندوش أخ.»

«كان عنده.»

الست حطت صورة تانية قدامها.

«أخوه مات من سبعة وعشرين سنة.»

إيمي بصت للصورة.

ثم رجعت تبص للست.

«إنتِ مين؟»

لأول مرة، ابتسامتها اختفت.

وقالت:

«أنا مراته.»

إيمي اتسعت عينيها.

«مرات مين؟»

الست ردت:

«مرات أخوه.»

ثم فتحت درج صغير وطلعت منه ملف.

رمته قدام إيمي.

«والراجل اللي سليم فاكر إنه مات… عايش.»

إيمي ما قدرتش تتكلم.

«إنتِ بتقولي إيه؟»

«بقول إن سليم اتجوزك عشان يوصلك للحقيقة.»

«لا.»

«وإنه من البداية كان عارف إن أبوكي أخفى دليل ضد عيلته.»

«لا! سليم ما يعرفش.»

«يبقى اسأليه.»

الست قربت منها.

«اسأليه عن الفستان الأزرق.»

إيمي بصت لها.

«ليه الفستان الأزرق؟»

الست قالت:

«لأن أبوكي خبّى الدليل في مكان محدش عمره فكر يدور فيه.»

ثم همست:

«داخل بطانة فستان.»

إيمي فتحت عينيها.

ست فساتين.

ست فساتين رجعوا لسليم.

لكن واحد منهم…

كان الأزرق.

وهي ما كانتش حتى فتحته.

في نفس اللحظة، سليم كان في مكتبه القديم، يقلب في ملفات والده.

مروان وقف جنبه.

«لقيت حاجة.»

سليم رفع عينه.

مروان حط ملف بني قديم قدامه.

«اسم شريف موجود هنا.»

فتح سليم الملف.

أول صفحة كانت تقريرًا سريًا.

وتحت اسم شريف جملة:

«الشاهد الوحيد على عملية تهريب الأموال التي تمت ليلة اختفاء محمود المنشاوي.»

سليم قلب الصفحة.

وكانت الصدمة.

صورة شريف.

وبجانبه صورة امرأة.

سليم عرف المرأة فورًا.

كانت والدة إيمي.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الصفحة.

اسم الطفل:

«إيمي شريف.»

وتحته:

«الطفلة تملك المفتاح دون أن تعرف.»

سليم وقف فجأة.

«مروان.»

«أيوه.»

«اتصل بالورشة.»

«حاضر.»

«وخلي رجالتنا يفتشوا كل حاجة تخص إيمي.»

مروان سأله:

«حتى الفساتين؟»

سليم سكت.

وبعدين قال:

«خصوصًا الفساتين.»

وفجأة…

رن هاتفه.

رقم خاص.

رد.

الصوت اللي سمعه هذه المرة كان صوت رجل.

«مساء الخير يا سليم.»

سليم قبض إيده.

«إيمي فين؟»

«قريبة.»

«لو لمستها—»

ضحكة قصيرة قطعته.

«إنت لسه فاكر إننا عايزين نقتلها؟»

«إنت عايز إيه؟»

«عايزك تفتكر.»

«أفتكر إيه؟»

الصوت قال بهدوء:

«أخوك.»

سليم تجمد.

«إنت مين؟»

«الشخص الوحيد اللي يعرف إن أخوك ما ماتش.»

وبعدها أضاف:

«والشخص الوحيد اللي يعرف إيه اللي حصل ليلة موت أبو إيمي.»

الخط اتقفل.

سليم ظل واقفًا مكانه.

ثم فتح درج مكتبه بسرعة.

أخرج صورة قديمة لأخيه.

كان عمره عشرين سنة.

وهو واقف بجانب والده.

لكن خلف الصورة…

كان هناك شيء لم يره سليم من قبل.

جملة مكتوبة بخط والده:

«لو حصل لي حاجة، ما تثقش في أخوك.»

سليم حس بقشعريرة تسري في جسده.

لأن الجملة كانت ناقصة.

وفي أسفلها، تحت طبقة قديمة من الحبر، ظهرت كلمة واحدة بالكاد تُقرأ:

«…إلا لو رجع.»

رفع سليم عينيه.

وفي نفس اللحظة وصلته صورة جديدة على هاتفه.

إيمي.

لكنها لم تكن وحدها.

كان يقف خلفها رجل.

رجل في الخمسينات.

ملامحه تشبه ملامح سليم بشكل مخيف.

وتحت الصورة رسالة:

«قولنا لك إن أخوك عايش.»

ثم وصلت رسالة ثانية:

«بس ما قلناش لك إنه هو اللي اختار إيمي عروسة ليك.»

سليم قرأها مرة.

ثم مرة ثانية.

وبدأ لأول مرة يشك في كل شيء.

حتى في اللحظة التي وقع فيها عقد زواجه من إيمي.

لأن السؤال لم يعد:

مين خطف إيمي؟

السؤال بقى:

مين اللي خطط لجوازهم من البداية؟

حكايات شروق خالد

إيمي فضلت ماسكة الورقة، ومش قادرة ترفع عينيها عن اسم أبوها.

«سليم ما اتجوزنيش صدفة…»

قالتها بصوت مكسور.

الست ردت بهدوء:

«أخيرًا بدأتي تفهمي.»

إيمي رفعت عينيها بعصبية.

«لو إنتِ فاكرة إنك هتخليني أكره جوزي بكلمتين، تبقي غلطانة.»

الست ابتسمت.

«أنا مش محتاجة أخليكي تكرهيه.»

«أمال عايزة إيه؟»

«عايزاكي تشكي فيه.»

إيمي سكتت.

«لأن الشك أخطر من الكراهية.»

وفجأة دوّى صوت خبطة قوية من بره الأوضة.

الست لفت بسرعة.

«إيه ده؟»

إيمي استغلت اللحظة، وخطفت الملف وجريت ناحية الباب.

لكن الست لحقتها ومسكَت ذراعها.

«سيبيه!»

«إنتِ مش فاهمة حاجة!»

إيمي صرخت:

«سيبيني!»

وفي اللحظة دي، انفتح الباب بعنف.

رجلين دخلوا.

واحد منهم قال:

«خلاص يا مدام.»

الست بصت لهم بغضب.

«اتأخرتوا.»

لكن قبل ما تكمل…

إيمي ضربت أحدهم بالملف على وشه، وجريت ناحية الممر.

كانت بتجري بكل قوتها.

سمعت خطوات وراها.

«امسكوها!»

نزلت السلم وهي بتترعش.

وصلت لباب حديد.

مقفول.

لفت بسرعة.

الرجالة كانوا قربوا.

وفجأة سمعت صوت مألوف جدًا:

«إيمي!»

رفعت عينيها.

سليم.

واقف في آخر الممر.

وجهه كان مليان غضب وخوف.

«سليم!»

جريت عليه.

لكنه أول ما وصل لها، وقف قدامها كأنه بيحميها بجسمه.

الرجالة اتراجعوا.

مروان ظهر من وراه ومعاه رجال الأمن.

خلال ثواني، المكان اتقلب.

واحد منهم حاول يهرب.

مروان مسكه.

أما سليم فكان كل تركيزه على إيمي.

«إنتِ كويسة؟»

إيمي ما ردتش.

فضلت باصة له.

وبعدين قالت:

«إنت كنت تعرف أبويا؟»

سليم اتجمد.

السؤال كان أقوى من أي رصاصة.

«إيمي…»

«جاوبني.»

«أنا ما كنتش أعرفه.»

«كداب.»

سليم قرب منها.

«بصيلي.»

«إنت كنت تعرفه؟»

«عرفت اسمه من ملفات أبويا الليلة دي.»

«بس الورقة بتقول إنك اتجوزتني عشان توصلي لحاجة عند أبويا.»

سليم سكت.

إيمي ضحكت بمرارة.

«كنت عارفة.»

«لأ.»

«أمال ليه سكت؟»

«لأني لسه مش فاهم الحقيقة.»

«وأنا؟ أنا كنت إيه بالنسبة لك؟»

سليم اتوجع.

«إنتِ مراتي.»

«ده مش رد.»

سليم قرب خطوة.

«في الأول؟ كنت اتفاق.»

إيمي بصت له كأن الكلمة ضربتها.

«وفي الآخر؟»

سليم ما قدرش يتكلم.

لأن الإجابة كانت واضحة في عينيه.

إيمي دموعها نزلت.

«كنت عارفة إن فيه حاجة غلط.»

«إيمي—»

«كل فستان كنت بتجيبهولي كنت بحس إنك بتحاول تعمل مني واحدة تانية.»

«أنا كنت بحاول أفرحك.»

«وأنا كنت برجعهم عشان كنت خايفة.»

«خايفة مني؟»

هزت راسها.

«لأ.»

سكتت.

«خايفة من نفسي.»

سليم بص لها بحيرة.

إيمي فتحت الملف.

«قالولي إن الفستان الأزرق فيه دليل.»

سليم أخذ نفسًا عميقًا.

«فين الفستان؟»

«في البيت.»

«هنروح.»

لكن مروان اقترب منهم.

«سليم بيه.»

سليم لف له.

«لقينا الست.»

«فين؟»

«اختفت.»

«إزاي؟»

«كان فيه مخرج خلفي.»

سليم شد فكه.

ثم سأل:

«والراجل؟»

مروان بص له.

«قال اسم واحد قبل ما يسكت.»

«مين؟»

مروان تردد.

«محمود المنشاوي.»

سليم تجمد.

إيمي بصت له.

«مين محمود؟»

سليم قال بصوت منخفض:

«أخويا.»

وفي اللحظة دي، سمعوا صوت تصفيق بطيء من آخر الممر.

الكل لف.

رجل خرج من الظلام.

شعره أسود بدأ يشيب.

ملامحه كانت نسخة أكبر من ملامح سليم.

إيمي شهقت.

سليم ثبت مكانه.

الرجل ابتسم.

«وحشتني يا أخويا.»

مروان رفع سلاحه.

لكن سليم رفع إيده.

«ما تطلقش.»

محمود ابتسم.

«لسه زي ما أنت.»

سليم بص له بصدمة.

«إنت عايش.»

«من سبعة وعشرين سنة.»

«ليه؟»

«لأن أبوك حاول يقتلني.»

«كداب.»

«اسأله.»

«أبويا مات.»

محمود ضحك.

«مات؟»

ثم أخرج صورة قديمة من جيبه.

مدها لسليم.

«بص ورا الصورة.»

سليم أخذها.

قلبها.

وكان مكتوبًا:

«محمود لم يمت. شريف أنقذه.»

سليم رفع عينيه ببطء.

محمود قال:

«أبوك كان عايز يقتلني عشان كنت عارف الحقيقة.»

«أي حقيقة؟»

محمود بص لإيمي.

«الحقيقة اللي أبوها مات عشان يخبيها.»

إيمي قالت:

«إيه الحقيقة؟»

محمود رد:

«أبوكي ما كانش مجرد خياط.»

«كان إيه؟»

«كان شريك في أول شركة للمنشاوي.»

سليم اتصدم.

«مستحيل.»

«والشركة دي ما كانتش شركة نقل.»

سكت محمود.

ثم قال:

«كانت واجهة لغسيل أموال.»

إيمي غطت فمها.

«وبابا؟»

«أبوكي اكتشف إن والد سليم كان بيستخدم الشركة لتحويل ملايين الجنيهات لحسابات خارج مصر.»

سليم قال:

«وليه ما بلغش؟»

«بلغ.»

«مين؟»

«الشرطة.»

سكت محمود لحظة.

«لكن قبل ما يسلم المستندات… اختفى.»

إيمي بدأت تبكي.

«مات بسببي؟»

محمود هز رأسه.

«لأ.»

ثم نظر لسليم.

«مات عشان حماني.»

سليم قرب منه.

«إنت اللي كنت بتبعت الفساتين؟»

محمود ابتسم.

«أنا كنت بحاول أوصلك.»

«ليه إيمي؟»

«لأنك ما كنتش هتسمعني لو جيت لك مباشرة.»

سليم غضب.

«فخطفْت مراتي؟»

«أنا ما خطفتهاش.»

«أمال مين؟»

محمود سكت.

وفجأة، رن هاتف مروان.

رد.

وبعد ثواني، تغير وجهه.

«سليم بيه… عندنا مصيبة.»

«إيه؟»

«الست اللي هربت… ظهرت على كاميرات برج المنشاوي.»

سليم عقد حاجبيه.

«إزاي؟»

مروان ابتلع ريقه.

«دخلت البرج من عشر دقايق.»

سليم بص ناحية محمود.

محمود قال بهدوء:

«مش هي.»

«أمال مين؟»

محمود رد:

«الست اللي بتدوروا عليها… مش هي العقل المدبر.»

ثم اقترب خطوة.

«العقل المدبر جوه بيتك يا سليم.»

إيمي شهقت.

سليم قال:

«مين؟»

محمود ابتسم ابتسامة غامضة.

«الشخص اللي كان بيختار لك الفساتين من أول يوم.»

سليم حس بقلبه بيهبط.

لأنه فجأة افتكر.

هو لم يكن هو من اختار الفساتين الستة وحده.

كل مرة كان يرسل صورة الفستان لمروان…

مروان كان يقول له:

«الاختيار ده مناسب جدًا لمدام إيمي.»

سليم بص لمروان.

مروان اتجمد.

«إنت…»

سليم قال ببطء:

«مين كان بيوصلك بالصور؟»

مروان ما ردش.

سليم قرب منه.

«مروان.»

مروان أخيرًا رفع عينه.

وقال:

«ياسر فؤاد.»

محامي سليم.

الرجل الذي اقترح عليه الزواج من إيمي من البداية.

وفي اللحظة نفسها…

انطفأت أنوار برج المنشاوي بالكامل.

حكايات شروق خالد

انطفأت أنوار برج المنشاوي بالكامل.

صرخة إيمي خرجت من غير ما تحس:

«سليم!»

في ثانية، أمسك سليم بإيدها وسحبها وراه.

«محدش يتحرك!»

صوت مروان جاء من الظلام:

«الطوارئ اشتغلت.»

لكن قبل ما تشتغل الإضاءة الاحتياطية، دوّى صوت طلقة.

إيمي شهقت.

سليم جذبها لصدره.

«إنتِ اتصابتي؟»

«لأ.»

«متأكدة؟»

«أيوه.»

اشتغلت الإضاءة الحمراء الخافتة.

والكل بص ناحية المكان اللي خرجت منه الرصاصة.

مروان كان واقفًا، وفي إيده سلاح.

لكن محمود لم يكن موجودًا.

سليم صرخ:

«محمود!»

لا رد.

ثم لمح ورقة على الأرض.

انحنى والتقطها.

كان مكتوبًا عليها:

«لو عايز تعرف الحقيقة، افتح الفستان الأزرق.»

سليم بص لإيمي.

«هنروح البيت.»

إيمي هزت رأسها.

«أنا جاية معاك.»

«إيمي، الموضوع خطر.»

«أنا طول عمري عايشة جوه نص الحقيقة. المرة دي هعرف كلها.»

سليم سكت.

ثم أمسك يدها.

«يبقى ما تبعديش عني.»

بعد أقل من نصف ساعة، كانوا داخل قصر المنشاوي.

سليم دخل غرفة الملابس بنفسه.

فتح الدولاب.

الفستان الأزرق كان موجودًا.

إيمي قربت منه.

«ده هو.»

سليم أخذه ووضعه على الطاولة.

فتش البطانة.

لا شيء.

قلبه.

لا شيء.

ثم تذكرت إيمي كلام محمود.

«الحاجة اللي عاشت.»

سليم بص لها.

«إيه؟»

«بابا كان بيقول الجملة دي دايمًا.»

إيمي لمست طرف الفستان.

«كان بيحب يصلح الحاجات القديمة.»

بدأت تتحسس الخياطة الداخلية.

وفجأة توقفت.

«هنا.»

سليم قطع الخيط بحذر.

خرج ظرف صغير مخبأ داخل البطانة.

فتحوه.

فيه فلاشة ومفتاح صغير.

سليم حط الفلاشة في اللابتوب.

ظهر تسجيل قديم.

والد إيمي كان جالسًا أمام الكاميرا.

كان وجهه مرهقًا.

وقال:

«لو التسجيل ده وصل لإيمي، يبقى أنا مت.»

إيمي حطت إيدها على فمها.

شريف أكمل:

«إيمي، أبوكي ما كانش مجرم. أنا دخلت شراكة مع عيلة المنشاوي وأنا فاكر إننا بنبني شركة محترمة. لكني اكتشفت الحقيقة متأخر.»

ظهر في الفيديو والد سليم.

«كان بيغسل أموال وبيهدد كل شخص يحاول يخرج من اللعبة.»

ثم ظهرت صورة محمود.

«محمود اكتشف كل شيء قبلي. ولما حاول يهرب، والده أعلن إنه مات.»

سليم كان مصدومًا.

شريف تابع:

«لكن محمود عاش. وأنا ساعدته يهرب.»

ثم قال جملة جعلت سليم يقترب من الشاشة:

«وسليم… ابن أخي ما كانش يعرف أي حاجة.»

إيمي بصت لسليم.

شريف أكمل:

«لو سليم اتجوز بنتي يومًا، ما تظلمهوش. هو مش زي أبوه.»

ثم توقف التسجيل.

ظهر ملف آخر.

وفيه أسماء وحسابات وتحويلات مالية.

الدليل الكامل.

إيمي بدأت تبكي.

«بابا كان بريء.»

سليم مسح دموعها بإيده.

«وأنا هثبت ده.»

لكن فجأة…

جاء صوت تصفيق من خلفهم.

«مبروك.»

استدارا.

كان ياسر فؤاد واقفًا عند الباب.

سليم رفع سلاحه.

«كنت عارف إنك هتيجي.»

ياسر ابتسم.

«كنت عارف إنك هتكتشف.»

«إنت اللي بعت الفساتين.»

«أيوه.»

«وخليت إيمي تكره نفسها.»

«كان لازم تخاف منك.»

إيمي قالت:

«ليه؟»

ياسر بص لها.

«لأنك الوحيدة اللي كان ممكن تخلّي سليم يفتح ملفات أبوه.»

«يعني الجواز…»

«أنا اللي اقترحته.»

سليم ضحك بسخرية.

«لكن إنت غلطت في حاجة.»

ياسر عقد حاجبيه.

«إيه؟»

«إنت افتكرت إني اتجوزتها عشان الصفقة.»

ثم نظر لإيمي.

«وأنا وقعت في حبها.»

لأول مرة، اختفت ابتسامة ياسر.

حاول يرفع سلاحه.

لكن مروان ظهر خلفه.

«انتهت يا أستاذ ياسر.»

بعد دقائق، كانت الشرطة في القصر.

والدليل الذي أخفاه شريف طوال سنوات ظهر للنور.

ياسر اعترف بكل شيء….

اعترف أن والد سليم لم  شريف.

شريف مات بسبب مرضه بعد سنوات من الاختباء.

وكان محمود هو الذي ظل يحميه ويحمي إيمي من بعيد.

أما الفساتين الستة؟

لم تكن مجرد فساتين.

كل فستان كان يحمل خيطًا صغيرًا من خيوط المؤامرة، وياسر كان يراقب رد فعل إيمي عليها ليعرف هل بدأت تشك أم لا.

بعد شهور، تغير كل شيء.

سليم خرج من التحقيقات بريئًا من كل الاتهامات.

وتمت إعادة بناء شركاته بعيدًا عن إرث والده.

أما إيمي، فعادت لورشتها.

لكنها لم تعد وحدها.

في أحد الأيام، دخل سليم الورشة ومعه علبة سوداء.

إيمي بصت له.

«إيه دي؟»

حطها قدامها.

«الفستان السابع.»

ضحكت.

«سليم، لو جايب فستان تاني هارجعه.»

«افتحيه الأول.»

فتحت العلبة.

كان فستانًا بسيطًا، أبيض، بتفاصيل زرقاء صغيرة.

إيمي لمسته.

«جميل.»

سليم ابتسم.

«مش لازم تلبسيه.»

«أمال جايبه ليه؟»

«عشان لو عجبك، يبقى اختيارك.»

رفعت عينيها له.

«وأنا؟»

«إنتِ مش محتاجة فستان يغيرك.»

اقترب منها.

«أنا حبيت الست اللي كانت بترجع الفساتين.»

ضحكت وهي تمسح دمعة نزلت من عينها.

«حتى وأنا عصبتك؟»

«خصوصًا وقتها.»

«ولو رجعته؟»

سليم ابتسم.

«هرجعه للمحل.»

«بجد؟»

«بجد.»

سكتت لحظة.

ثم قالت:

«خلاص… مش هرجعه.»

سليم اتفاجئ.

«ليه؟»

إيمي ابتسمت.

«عشان المرة دي أنا اللي اخترته.»

وبعدها بأيام، علّقت إيمي الفستان الأزرق القديم في واجهة ورشتها.

وتحت الفستان كتبت:

«بعض الأشياء لا تعود قيمتها لأنها جديدة… بل لأنها نجت.»

وفي ليلة هادئة، وقف سليم أمام الواجهة، وإيمي بجانبه.

قال لها:

«لو رجع بي الزمن، كنت هتوافقي تتجوزيني؟»

بصت له وضحكت.

«لو سألتني الأول.»

«وكنت هتوافقي؟»

«يمكن.»

«يمكن؟»

قربت منه وقالت:

«دلوقتي؟ أيوه.»

ابتسم سليم.

وأمسك يدها.

ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن هناك سر بينهما.

ولا فستان يخفي رسالة.

ولا ماضٍ يطاردهما.

فقط رجل اكتشف أن أغلى شيء في حياته لم يكن جزءًا من إمبراطوريته…

وإنما المرأة التي رفضت أن تكون شيئًا يملكه.

النهاية

سر الفستان الأزرق

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى