
أول ما عطية اتسحب برة الحارة ورجالة سليم رموه برة السيدة كلها، الشارع رجع فيه الصوت ببطء، بس الهيبة اللي سابها سليم في الهواء كانت تقيلة.. حد يقدر يقطع النفس.
سليم لف ضهره ومش أخد ثانية زيادة في الشارع، طلع على فيلته بخطوات ثابته، ونظرة عينيه كانت بتقول إن الموضة لسة مخلصتش.
فوق في المطبخ، أميرة كانت لسة واقفة ورا الشباك، إيديها على قلبها اللي كان بيدق زي الطبلة. دموعها مش وقفت، بس طعمها اتغير.. مابقاش طعم الرعب والقلة، بقى طعم الاندهاش. لأول مرة في حياتها، تشوف حد بياخد حقها من غير ما يطلب منها ثمن، ولا يكسر نفسها.
الباب اتفتح بالراحة، ودخل سليم.
أميرة اتخضت وربعت إيديها ورا ضهرها بسرعة، ونزلت رأسها في الأرض وهي بترتعش:
— “سـ.. سليم بيه.. أنا..”
سليم مشي لحد ما وقف قدامها، بس المرة دي مكنش فيه القسوة اللي كانت في الشارع. كان واقف بهدية وهيبة تريح القلب. بص لإيديها المستخبية وقال بنبرة هادية بس ملهاش مراجعة:
— “طلعي إيديكي يا أميرة.”
طلعت إيديها ببطء شديد، والكدمات الزرقاء كانت باينة في نور المطبخ.
سليم بص للإيدين، وبعدين رفع عينه لوشها المكسور:
— “عطية مش هيقربلك تاني.. ولا هو ولا عشرة زيه. الحارة دي بطولها بعرضها بقيت أرض محرمة عليه. ومن النهارة، أنتِ مش شغال في البيت ده وبس.. أنتِ أمانة المنشاوي. واللي يفكر يمس شعرة منك، يبقى بيلعب برأسه.”
أميرة شفايفها اترعشت، والصوت خرج منها بالعافية وسط شهقاتها:
— “أنا.. أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه يا بيه.. أنا طول عمري محدش واقف جنبي.. كنت فاكرة إني هموت تحت إيده وماحدش حاسس بيا..”
— “طول ما أنتِ تحت سقفي، مفيش حد يقدر يكسرك.”
سليم قالها وهو بيلتفت لأم أحمد اللي كانت واقفة عند الباب وعينيها مدمعة:
— “أم أحمد.. تأخدي أميرة للدكتور دلوقت، وتجيبي لها كل العلاج اللي تحتاجه. ومرتبها يتضاعف من الشهر ده.. وفلوس عمتها في البلد هتوصل لها كل أول شهر بعيد عن أي حد.”
أم أحمد هزت رأسها بالرضا:
— “أمرك يا سليم بيه.. في ميزان حسناتك يا رب.”
سليم بص لأميرة أخر بصة، وقال بصوت واطي بس ثابت:
— “ارفعي رأسك يا أميرة.. في بيتي، مفيش بني آدم بيمشي وطاطي رأسه.”
سابهم وخرج، ورجع لمكتبه. قعد على كرسيه الجلد، ورفع كباية القهوة اللي كانت سقعت.. بس لأول مرة من الصبح، الابتسامة الخفيفة ظهرت على وش سليم المنشاوي.
ومن اليوم ده، حارة السيدة كلها بقت عارفة إن أميرة الخادمة مش مجرد ست شغال في بيت المنشاوي.. دي بقت “خط أحمر”، والسر اللي كان مستخبي تحت أكمامها، بقى هو السبب اللي خلى المنطقة كلها تعرف إن سليم المنشاوي مالوش كبير في الحق.
حكايات شروق خالد
مرت ستة أشهر على اليوم اللي اتغيرت فيه حياة أميرة في بيت المنشاوي.
البيت اللي كانت بتدخله وهي حاسة إنها خيال مآتة خايفة من خيالها، بقى هو الأمان الوحيد اللي عرفته في حياتها. الكدمات اللي كانت على معاصمها اختفت تماماً، وعينها اللي كانت دايماً مطأطأة في الأرض بقت مليانة نور وأمل. عطية اختفى من المنطقة ومحدش بقى يجرؤ حتى ينطق اسمه، وفلوس عمتها بقت بتوصل لها كل أول شهر مع راجل من رجالة سليم يضمن إنها توصل ليدها كاملة.
في صباح يوم جديد من أيام السيدة زينب، كانت أميرة واقفة في جنينة الفيلا بتسقي الورود، وشكلها اتغير تماماً؛ لبسها مظبوط، وشها مرتاح، وابتسامتها الخفيفة ما بتفارقهاش.
خرج سليم المنشاوي للمصنعة الصبح، ومشي في الجنينة بخطواته التقيلة والهادية. أول ما أميرة شافته، وقفت وعادت خطوة لورا بحترام، بس المرة دي رفعت عينها فيه بثقة وابتسمت:
— “صباح الخير يا سليم بيه.. القهوة جاهزة على مكتب حضرتك.”
سليم وقف لحظة، بص لإيديها اللي مش شايلة أي أثر للماضي، وبعدين بص لوشها وقال بنبرة دافية وهي بتطلع منه بصعوبة:
— “صباح النور يا أميرة.. العاملين في المطبخ بيقولوا إنك مسكتي الشغل كله ورتبتيه بطريقة ممتازة.”
— “ده أقل حاجة أعملها في البيت اللي رد لي روحي يا بيه.. أنا عمري ما هنسى فضلك عليا.”
سليم هز راسه بالرفض وقال بصلابة وحنية في نفس الوقت:
— “مافيش فضل يا أميرة.. ده كان حقك، والحق مابيتنسيش. المهم إنك فاكرة كلامي؟”
أميرة ابتسمت وقالت بثبات:
— “فاكرة يا بيه.. في بيت المنشاوي، مفيش بني آدم بيمشي وطاطي رأسه.”
سليم ابتسم ابتسامة صغيرة — نادرة لما حد يشوفها عليه — ومشي ناحية عربيته وهو مرتاح البال.
أميرة وقفت تبص لضهره وهو ماشي، وحست لأول مرة في حياتها بامتنان ملهوش حدود. البنت اللي كانت فاكرة إن مالهاش قيمة ولا ضهر في الدنيا، اكتشفت إن ربنا بعت لها الحماية في أكتر وقت كانت محتاجة فيه إن حد يحس بيها.
وعاش كل اللي في بيت المنشاوي والمنطقة كلها عارفين إن الأمان مش مجرد كلمة، إنما هو راجل زي سليم المنشاوي.. وست قدرت ترفع رأسها وتعيش بكرامتها من جديد.
(تمت)
كبير الحارة والخدامة
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




