روايات وقصص

شبح في جراج المستشفى ج1 حكايات شروق خالد

البلطجي المحروم محاصرها في جراج العمارة — ومايعرفش إن «الكبير» كان شايف كل حاجة من فوق

إيد «سيد» عصبت على دراعي بفتونة، لدرجة إن الميدالية بالمفاتيح طارت من إيدي ورنت على الخرسانة. كان فاكر إن جراج المستشفى في الوقت ده مابيدخلوش دبان وش. بس اللي ماكنش يعمل حسابه، إن الراجل اللي حاطط إيده على المستشفى كلها ومستثمر فيها، كان واقف في البلكونة فوق ومثبت عينيه عليه وهو ملحس جنب عربيتي بقاله تلاتة وأربعين دقيقة.

الساعة كانت إحدى عشر وتلت بالليل، يوم الخميس. الدور الخامس تحت الأرض في مستشفى «مار جرجس» العام كان ريحته تراب مكتوم، وزيت مكن، مع شوية مطر تلج كانت القاهرة بترميهم بالورب من وقت العشا.

أنا كنت صحيان بقالي سبعتاشر ساعة كاملين. تلاتاشر ساعة منهم واقفة على طرافي مش حاسة برجلي. شرابي اليمين كان مبلول مية، عشان قلة مية عند حالة في أوضة ٤٠٤ اتقلبت مني على الساعة تسعة، وماكلفترش نفسي أغيره.. أصل الحكيمة لما بتفوت الساعة عشرة في الشفت، بتنسى حاجة اسمها دلع وراحة.

كل اللي كنت طمعانة فيه.. أرَكّب مفتاحي في العربية. آخد دش يفك جسمي. وأناملي يجي تمان ساعات لو الدنيا حنت عليا وطلعت بني آدمة.

بدل كل ده.. سمعت حشرجة صوته جاية من ورا عامود خرسانة.

«مريم..»

سمّرت مكاني. مش مزاجي.. جسمي هو اللي عرف صوت «سيد» قبل ما عقلي يجمع هو مين ده.

طلع لضوء اللمبة الفلورسنت وهو لابس الجاكيت الرصاصي اللي كنت جايباهوله في عيد ميلاده من سنتين. دقنه مطفية ومشعثة. شعره مبلول من المطر. وعينيه فيها لمعة شر مش طبيعية.

صباعي اتشنج على ريموت العربية في إيدي.

«أنت دخلت هنا إزاي؟» جراج التمريض ده بوابته الإلكترونية بالكارنيه.

بص بعينيه ناحية السلم. «واحد طالع وفتحلي الباب.»

«وده مش رد على سؤالك.. أنت جاي تعمل إيه هنا؟»

«عايز خمس دقائق أتكلم.»

«لا يا سيد.»

«يا مريم أفهمي..»

«قولتلك لا.»

رجعت خطوة لورا. فطس خطوة لقدام. المسافة بين باب عربيتي والعمود الخرساني حستها ضاقت فجأة زي ما نكون مزنوقين في حارة.

«سيد.. أنا عملت فيك بلاغ في القسم.»

«عارف.»

الكلمة قطعت نفسي. البلاغ ده أنا ماكَمّلتش تمن أيام عاملاه في النيابة، ومافتحتش بوقي قدامه بكلمة.

«طالما عارف.. تبقى عارف إنك مالكش خطوة هنا ومش جراءتك توقفك عندي.»

«لسه ماطلعش المحضر ولا المحكمة أدت حظر.» بوز بوقه بضحكة سخيفة. «وأنتِ طبعاً ظبطتي العمل قبل ما ألحق أفتح بوقي وأفهم الناس.»

«أفهمهم إيه؟»

«أنك قلبتِ الطاولة عليا، وكرّهتي الطوب الأرض فيا قبل ما أقول كلمة حق واحدة.»

طلعت التليفون من جيبي. وشه اتغير في ثانية.

«إياكِ!»

«أنادي للأمن يرموك بره.»

«نزلي التليفون ده بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبك.»

«ده مكان شغلي يا سيد!»

«بقولك نزلي الزفت ده من إيدك!»

صوته فضّل واطي ومعنعن.. وده اللي رعبني أكتر من لو كان جعر بالصوت.

سيد طول عمره معلم في إزاي يمارس قلة أدبه ووساخته في الخباثة، عشان الناس تفتكرها حنية وعشم!

الفتونة ومسكة المعصم كانت بتتحول لـ: «جرى إيه يا بنتي، بلاش دراما وتكبير موضوع!». والأمر العافية كان بيبقى: «أنا بحاول ألم اللي اتكسر بيننا!». والتلات مكالمات بتوع الساعة اتنين بالليل كانوا: «أصلك وحشاني ومش عارف أنام». ولما يطبلي فجأة تحت البيت في أوقات غريبة كانت: «كنت معدي في المنطقة بالصدفة».

كل خط أحمر أحطه، كان بيقلبه عليا ويطلعني أنا المفترية اللي بتبلى عليه!

دست على زرار الاستغاثة السريع في أبلكيشن أمن المستشفى.

سيد تهجم عليا في ثانية. إيده المليانة قبضت على دراعي من فوق. مفاتيح العربية طارت من إيدي ورنت في الأرض رنة خضتني.

«ابعد عني!»

«اسمعيني بس وبلاش جنان!»

مسكته زادت وعروق إيده نطت.

«أقولك سيب!»

«بقالك شهرين بتهربي مني وتتفاديني زي الحرامية!»

«عشان اتفارقنا خلاص!»

«أنتِ اللي قررتِ مع نفسك!»

«أيوه أنا!»

«العشرة وسنتين الخطوبة مابينتهوش بكلمة منك!»

ضهركت في الصاج بتاع عربيتي.. ما بقاش في جحر أستخبى فيه.

سيد حط كفه التاني على سقف العربية فوق دماغي على طول.

ما ضربنيش.. بس زنقني. طول عمره مقاس خطواته بالملي.. يعصرك ويحبسك، بس يقف على بعد شعرة عشان لو حد بص من بعيد يفتكرها قعدة عتاب عادية!

قال وهو حاطط عينيه في عيني: «أنا بحبك يا مريم.»

معدتي قلبت عليا.

«لا يا سيد.. ما بتحبنيش.»

وشه اتشنج.

«أنتِ مش هتعلميني إيه اللي جوه قلبي!»

«أنا مابقولكش أنت حاسس بإيه..» بلعت ريقي بالعافية وحاولت أخلي صوتي أثبت من ركبي اللي بتخبط في بعضها. «أنا بقولك أنا حاسة بإيه.»

«أنتِ خايفة؟»

«أيوه.. خايفة.»

الكلمة صدمته. وصدمتني أنا كمان. بقالي أسابيع عمالة أوزن كلامي بالبقال، خايفة أتهم، خايفة أستفزه، خايفة يقولوا عليا بمثل أو ببالغ.

بس في اللحظة دي.. بين صاج عربيتي وإيده اللي حابسة دراعي، تعبت من كتر ما بحميه وبجمل شكله على حساب نفسي.

«أنا خايفة منك يا سيد.. ومستحقراك.»

سيد تنح ثانية. الكلمة نزلت عليه زي المية الساقعة، بس بدل ما يفوق، عينيه حمرت والشر الخفي اللي كان مداريه طفح على وشه.

«مستحقرتاني؟ أنا يا مريم؟ بعد كل اللي عملته عشانك؟»

قبضته على دراعي زادت لدرجة حسيت إن العظم هيتكسر تحت إيده. كنت بصرخ بجسمي كله بس الشفايف مش قادرة تطلع صوت أعلى من الخشخشة.

وفجأة.. صوت خطوة جزمة جلد ثقيلة ورزينة يرن في الجراج كله. مش خطوة جري ولا استعجال، خطوة حد صاحب مكان، حد ماشي واثق إن الأرض دي بتاعته.

«سيب إيدك من عليها.»

الصوت جه من ورا سيد، هادي، عميق، وفي نبرة أمر تقطع النفس.

سيد اتخض، التفت لورا وهو لسه ماسكني: «أنت مين يا جدع أنت؟ خليك في حالك وبلاش تدخل بين الراجل وخطيبته!»

من بين الضلمة، طلع راجل في أوائل الأربعينات. طقم بدلة كحلي متفصل بالملي، من غير كرافتة، والقميص الفاتح مفتوح منه أول زرارين. وشه حاد زي الموس، وعينيه رمادي باردة زي الحديد.

كان ماسك في إيده سيجارة طالعة منها خيط دخان رفيع، وفي الإيد التانية.. تلفونه الشاشة بتاعته منورة على كاميرات المراقبة لايف.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى