روايات وقصص

كبير الحارة والخدامة حكايات شروق خالد

ما كملتش خمس دقايق وكانت “أم أحمد”، كبيرة شغاليين البيت والست اللي سليم بياخد برأيها من صغره، واقفة قدام المكتب. ست خمسينية وجهها بشوش بس عينيها حادة زي السكينة، فاهمة طباع سليم ورجليه لما تضرب في الأرض من الغضب.
قفل سليم التليفون وبصلها بنظرة خلّت أم أحمد تستعيذ بالله في سرها.
— “أميرة يا أم أحمد.. مين اللي جابها هنا؟ ومين اللي وراها؟”
أم أحمد اتلخبطت لثانية، وفركت إيديها في المريلة:
— “خير يا سليم بيه؟ البت جرت منها حاجة؟ دي غلبانة وفي حالها و—”
— “أنا مأسألتش هي عاملة إيه..” قاطعها سليم بصوت واطي بس يرعب، وهو بيشاور على الكرسي: “أنا بسأل مين اللي وراها؟ البت جسمها متعلم عليه، وماسكة نفسها بالعافية عشان ماتصرخش.. مين اللي بيمد إيده عليها يا أم أحمد؟”
شهقت أم أحمد وحطت إيدها على صدرها:
— “يا مري! حد يمد إيده على أمانة في بيتك يا سليم بيه؟! والله ما أعرف يا بني.. دي جاية عن طريق ابن عمها، جدع اسمه ‘عطية’، شغال في الورش اللي على أول الشارع. جه من شهرين وقال إن أبوه متوفي وهي مالهاش حد، وظروفها صعبة وعايزة أكل عيش.”
سليم وقف، وطوله الهيبة غطى على النور اللي جاي من الشباك. كرر الاسم بنبرة مسجونة بين سنانه:
— “عطية…”
— “أيوه يا بيه.. عطية الكسار. بس هو مالهاش علاقة بيها غير إنه بياخد مرتبها كل آخر شهر يوصله لـ…” سكتت أم أحمد فجأة، وكأنها لسه واخدة بالها من اللي بتقوله.
سليم حط إيده في جيبه وميل براسه:
— “بياخد مرتبها؟ وهي فين من المصاريف دي؟”
— “هي اللي قالتلي يا بيه! قالتلي سبيلي مصروفها يديه لعمتها طريحة الفراش في البلد.. بس أنا…” أم أحمد سكتت وبصت للعرَق اللي طلع على جبهة سليم.
— “جميل أوي.” قالها سليم وهو بيلبس ساعته الدهب التقيلة، ويعدل لياقة قميصه. “عطية بياخد فلوسها، وبيمد إيده عليها، وجايبها شغالة هنا عشان يضمن لقمة طرية على قفاها.. فاكر إن حارة المنشاوي مالهاش كبير.”
— “أنت ناويلو على إيه يا سليم بيه؟ ده عيل صايع ولسانه طويل وفي المنطقة من زمان—”
— “المنطقة دي مافيهاش غير لسان واحد بس هو اللي يتسمع يا أم أحمد.”
خرج سليم من المكتب بخطوات ثابته، ونزل السلم الرخام والدنيا لسه بتتفتح والناس في الشارع بيبدأوا يومهم. رجالته اللي واقفين على باب الفيلا أول ما شافوا وشه بالمنظر ده، وقفوا انتباه وسابوا السجاير من إيديهم.
— “حسن!” نادى سليم على دراعه اليمين.
— “مرك أومرك يا سليم بيه!”
— “عطية الكسار.. تلقطهولي من ورشته، وتجيبه على قهوة العمدة في السيدة.. من غيروشوشة، ومن غير ما حد يحس بحاجة. قدامك عشر دقايق.”
حسن مأسألش ليه ولا عشان إيه، أومأ براسه واختفى هو وتنين معاه في ثواني.
في نفس الوقت، كانت “أميرة” واقفة في المطبخ ورا الفيلا، إيديها بترتعش وهي بتغسل الصحون، والدموع نازلة ساكتة على خدودها. كانت خايفة تكون ضيعت نفسها لما سليم بيه شاف إيدها. كانت عارفة عطية كويس.. عطية اللي مهددها بالبلد وبأختها الصغيرة لو فتحت بقها، عطية اللي مبيفوتش أسبوع غير لما يفرغ غله فيها وياخد قرشينها.
فجأة، دخلت أم أحمد المطبخ، وبصت لأميرة بنظرة كلها حزن ورحمة، وقالت بصوت واطي:
— “اقفلي الحنفية يا أميرة.. وتعالي معايا.”
— “في إيه يا خالة أم أحمد؟ سليم بيه هيرمني برة؟ والله أنا—”
— “سليم بيه مابيرميش حد يا بِنْتي..” مسكت أم أحمد إيدها بالراحة وجرّتها: “سليم بيه نازل يتمنّن على اللي عمل فيكي كده.. تعالي بصي من الشباك الفوقاني.”
على القهوة في قلب الشارع، كان عطية الكسار قاعد بيتطوح ومسحوب من قفاه بوسط رجالة سليم، وترمى على الكرسي قدام سليم المنشاوي اللي كان قاعد حاطط رجل على رجل، وبيقلب معلقة الشاي ببرود يطير العقل.
الشارع كله اتخرس. البياعين قفلوا دكاكينهم بالنص، والناس وقفت على الأرصفة بتفرج في صمت رهيب. محدش بيتدخل لما سليم المنشاوي يوقف حد في نص الحارة.
— “جرى إيه يا سليم بيه؟!” زعق عطية وهو بيحاول يبان شجاع، ورجليه بترتعش: “أنا عملت إيه؟! مسحوب من ورشتي زي الحرامية ليه؟!”
سليم ما يردش. شرب بق شاي، ونزل الكباية على الترابيزة الرخام بالراحة.. وصوت الرنة كان زي صوت ضربة نار في السكوت ده.
وقف سليم، ومشى بخطوات بطيئة لحد ما بقى واقف فوق رأس عطية مباشرة:
— “أنا عندي قانون في الحارة دي يا عطية.. أنت عارفه؟”
— “قـ.. قانون إيه يا بيه؟”
— “الستات في منطقتي أمانة.. واللي يمد إيده على ست، يبقى قطع إيده حلال.”
وش عطية اتمسح منه الدم:
— “أنا ممدتش إيدي على حد! مين اللي تبلى عليا—”
وقبل ما يكمل كلمته، كانت إيد سليم التقيلة نازلة على وشه بطرقعة هزت الشارع كله، رفعت عطية من على الكرسي ورمته على الأسفلت.
الناس شهقت، وعطية حط إيده على بقه اللي جاب دم وهو مرعوب.
سليم نزل لمستواه، ومسكه من زقمه بجلدة إيده القوية، وبص في عينيه بنبرة جمدت الدم في عروق الشارع كله:
— “أميرة شغالتي.. يعني تحت حمايتي. القرش اللي تاخده منها، ترجعه متثمن، والعلامات اللي على إيدها دي.. أنا هعلمها على جثتك حتة حتة لو شفت طيفك جاني هنا تاني. فاهم ولا أفرغ الخزنة في رجلك دلوقت؟”
— “فاهم.. فاهم يا سليم بيه والله فاهم! حرمت!” صرخ عطية وهو بيبكي من الخوف والإهانة قدام المنطقة كلها.
سليم سابه وقام وقَف، ومسح إيده بمنديل قماش ورماه على وش عطية:
— “تغور من المنطقة دي كلها.. وماشوفش وشك في السيدة زينب طول ما أنا عايش. حسن.. خده حطه في أول عربية توك توك ورموه برة الحارة.”
اتسحب عطية كأنه كلب مجرب وسط نظرات الشماتة والذهول من أهل المنطقة اللي أول مرة يسبق لسليم إنه يتدخل بنفسه عشان خادمة شغالته في بيته.
فوق من شباك الفيلا، كانت “أميرة” واقفة وراء الستارة، دموعها نازلة بس المرة دي مش خوف.. المرة دي كانت أول مرة تحس إن ليها ظهر، وإن الرعب اللي عاشت فيه سنين انتهى في كلمة واحدة من سليم المنشاوي.

حكايات شروق خالد

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى