
وبدأت مشروع خاص بيا.
مشروع بناء.
لكن مختلف.
كنت دايمًا بحب التصميم.
الحلم اللي أبويا وقف ضده وأنا عندي سبعتاشر سنة.
قررت أرجعله.
اشتغلت مع مهندسين معماريين شباب.
عملنا مشاريع صغيرة.
مباني عملية وجميلة.
أماكن فيها روح.
مش مجرد عمارات وخلاص.
في البداية كان الموضوع صعب.
في شهور كنت بخاف إني غلطت.
لكن كل مرة كنت بفكر أرجع…
كنت أفتكر جملة أبويا:
“إنت عامل.”
فأشتغل أكتر.
مش علشان أثبتله إنه غلط.
لكن علشان أثبت لنفسي إني مش لازم أعيش التعريف اللي حد تاني اختارهولي.
بعد سنتين…
مشروعي بقى ناجح.
وبعد تلاتة…
بقينا شركة صغيرة ليها اسم محترم.
وأول مشروع كبير لينا اتعمل له افتتاح.
صحافة.
مستثمرين.
عملاء.
ووسط الناس…
شفت شخص ما توقعتش أشوفه.
أبويا.
كان واقف بعيد.
كبر شوية.
وشكله مرهق.
نادين كانت معاه.
وأمي واقفة جنبهم.
فضلت باصص عليهم.
ثواني طويلة.
وبعدين أبويا قرب.
وقف قدامي.
قال:
— مبروك.
بصيتله.
— شكرًا.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— كنت غلطان.
الجملة دي…
كنت مستنيها سنين.
لكن لما سمعتها…
ماحسيتش إني انتصرت.
حسيت بحزن.
علشان ليه احتاج كل السنين دي علشان يقولها؟
قال بصوت هادي:
— كنت فاكر إن الضغط هيخليك أقوى.
ابتسمت بسخرية خفيفة.
— الضغط بيكسر ناس كتير يا بابا.
هز راسه.
نادين قربت.
كانت مختلفة.
أهدى.
قالت:
— وأنا كمان غلطت في حقك.
بصيتلها.
— عارفة.
ابتسمت بحزن.
— كنت دايمًا فاكرة إنك هتستحمل.
قلت:
— وده كان غلطك.
سكتت.
وبعدين قالت:
— ممكن نبدأ من جديد؟
بصيتلهم.
أمي كانت بتعيط بصمت.
زمان كنت هقول أيوه فورًا.
علشان ده كل اللي كنت بحلم بيه.
لكن أنا اتغيرت.
قلت:
— ممكن نحاول.
نادين رفعت عينيها.
كملت:
— بس مش هرجع عمر القديم.
أبويا قال:
— فاهم.
هزيت راسي.
— كويس.
—
بعدها بمدة…
اتعزمنا على مناسبة عائلية.
وقفت قدام باب البيت القديم.
نفس البيت اللي خرجت منه ليلة عيد الميلاد.
وقتها كنت خارج وأنا حاسس إني خسرت عيلتي.
لكن الحقيقة…
إني كنت بلاقي نفسي.
دخلت.
أمي استقبلتني.
أبويا سلم عليا.
نادين كانت واقفة.
وفي لحظة غريبة…
رفعت كوبايتها.
الكل بص لها.
قلبي شد.
لكنها ابتسمت وقالت:
— نخب لأخويا عمر.
سكت المكان.
نادين كملت:
— الشخص اللي كلنا احتجنا نخسره شوية علشان نفهم قيمته.
بصيتلها.
وبعدين لأبويا.
أبويا رفع كوباية هو كمان.
وقال:
— لابني.
سكت لحظة.
ثم قال:
— اللي أنا فخور بيه.
ما ابتسمتش فورًا.
لكن بعد ثواني…
رفعت كوباية المية اللي في إيدي.
وخبطتها في كوباياتهم.
مش لأن كل حاجة اتنسيت.
ولا لأن كلمة واحدة مسحت سنين.
لكن لأن بعض الجروح بتخف…
لما الناس أخيرًا تتعلم إنها ما تفتحهاش تاني.
وأنا؟
أنا ما بقيتش محتاج أثبت إني مش خيبة أمل.
لأن الحقيقة…
إني ماكنتش خيبة أمل من البداية.
أنا بس كنت واقف في المكان الغلط…
وبحاول أخد تقدير من ناس ماكانوش بيعرفوا يشوفوا غير الصورة اللي رسموها عني.
ولما أخيرًا مشيت…
اكتشفت إن أكبر حاجة ممكن يعملها الإنسان لنفسه…
إنه يبطل يستنى اعتراف من حد بقيمته.
من يوم ما سبت السفرة دي…
حياتي ما بقتش أسهل.
لكن بقت حياتي أنا.
وده…
كان كفاية.
فضلت ساكت.
نادين كانت لسه على الخط.
— عمر؟ إنت سامعني؟
بصيت للعقد اللي قدامي.
قلم في إيدي.
وتحت توقيعي القديم، عشرات الصفحات اللي كنت قريتها زمان بسرعة، وأنا مقتنع إن دي بداية شراكة حقيقية بيني وبين أبويا.
دلوقتي…
كنت بقراها بشكل مختلف.
قلت بهدوء:
— أيوه، سامعك.
نادين شهقت.
— طب رد عليا… إنت سحبت فلوسك ولا لأ؟
ابتسمت.
— ليه السؤال ده مهم أوي؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— بابا بيقول إن في مشكلة في المشروع الجديد.
— مشكلة إيه؟
— عمر، مش وقت هزار.
ضحكت ضحكة خفيفة.
— وأنا مش بهزر.
صوتها بقى متوتر أكتر.
— الفلوس اللي في الصندوق… إنت كنت مسؤول عن جزء كبير منها.
— كنت؟
سكتت.
فكملت:
— أيوه يا نادين، كنت مسؤول.
— يعني إيه؟
قلبت صفحة في العقد.
— يعني من حق أي شريك يسحب مساهمته قبل بدء المرحلة الجديدة لو قدم إخطار رسمي.
الصمت اللي جه بعدها كان طويل.
سمعتها بتاخد نفسها.
— إنت قدمت إخطار؟
بصيت للساعة.
— قدمته من امبارح.
صرخت:
— إيه؟!
حطيت الموبايل بعيد شوية عن ودني.
— وفلوسي؟
— اتنقلت لحسابي.
— عمر، إنت مجنون؟
الجملة دي خلتني أضحك.
— يمكن.
— المشروع هيقع!
— مش مشكلتي.
— ده مشروع بابا!
— وأنا ابنه، مش كده؟
سكتت.
أول مرة في حياتي ما لقيتش رد.
قالت بصوت أهدى:
— طب ليه عملت كده؟
بصيت للشباك.
القاهرة كانت زحمة كعادتها.
عربيات.
كلاكسات.
ناس ماشية.
والدنيا كلها بتتحرك.
قلت:
— علشان أنا تعبت يا نادين.
— من إيه؟
— من إني طول عمري مطلوب مني أدي، ومن حقي إني آخد ولا حاجة.
سكتت.
كملت:
— تعبت من إني أشتغل، وإنتِ تتشكرِي.
— إنت بتغير مني؟
ابتسمت بمرارة.
طبعًا.
ده أسهل تفسير عندها.
قلت:
— لأ. أنا مش بغير منك.
— أمال؟
— أنا بس بطلت أقبل إنكم تقللوا مني.
نادين قالت بسرعة:
— إحنا ما بنقللش منك.
ضحكت.
— بجد؟
سكتت.
فكملت:
— نخب “أكبر خيبة أمل في العيلة” ده كان إيه؟
— عمر، أنا كنت بهزر.
— وأبويا لما قال إني مجرد عامل؟
— دي طريقة كلامه.
— وأمي وهي بتضحك؟
سكتت.
— وكل مرة أنجح فيها وتاخدي إنتِ الفضل؟
— أنا ما طلبتش…
قاطعتها:
— بس ما رفضتيش.
الصمت المرة دي كان أطول.
وبعدين قالت بصوت ضعيف:
— بابا عايز يكلمك.
— مش عايز.
— عمر…
قفلت الخط.
—
بعد أقل من عشر دقايق، أبويا اتصل.
بصيت لاسمه.
زمان، مجرد مكالمة منه كانت كفاية تخليني أسيب أي حاجة في إيدي.
المرة دي…
سيبت الموبايل يرن شوية.
وبعدين رديت.
— ألو.
صوته كان غاضب.
— إنت عملت إيه؟
سندت ضهري على الكرسي.
— مساء الخير يا بابا.
— بلاش تستفزني.
— أنا مش بستفزك.
— سحبت فلوسك من الصندوق؟
— أيوه.
سكت ثانية.
وبعدين صرخ:
— إنت فاهم إنك عملت إيه؟
— فاهم.
— إنت عطلت المشروع كله!
— أنا سحبت فلوسي حسب العقد.
— دي فلوس العيلة!
ابتسمت.
— لأ يا بابا.
سكت.
قلت:
— فلوسي أنا.
— أنا ربيتك!
الجملة دي وقفتني.
زمان كانت هتخليني أحس بالذنب.
لكن دلوقتي…
قلت بهدوء:
— وأنا عمري ما أنكرت ده.
— يبقى ترجع الفلوس فورًا.
— لأ.
— عمر!
— نعم؟
— أنا أبوك.
غمضت عيني للحظة.
وبعدين قلت:
— وأنا ابنك.
سكت.
كملت:
— بس أنا مش عامل عندك علشان تفتكرني لما تحتاجني وتنساني لما النجاح ييجي.
صوته هدي شوية.
— إحنا هنحل الموضوع.
— مافيش موضوع نحلّه.
— إنت زعلان من كلام حصل في عشا؟
ضحكت.
— لا يا بابا.
وبعدين قلت:
— أنا مش زعلان من العشا. العشا بس خلاني أشوف عمري كله بوضوح.
قفلت الخط.
والمرة دي…
ماحسيتش بالذنب.
—
بعدها بساعات، بدأت الحقيقة تظهر.
المشروع الجديد كان معتمد على فلوسي بشكل أكبر مما كنت متخيل.
أبويا كان عامل حسابه إني مش هسحب.
لأن عمر الشناوي دايمًا بيرجع.
مهما اتقاله.
مهما اتجرح.
بيرجع.
لكن المرة دي…
ما رجعتش.
اللي حصل بعد كده كان مفاجأة حتى ليا.
المقاولين اللي كنت أنا بتعامل معاهم بدأوا يتصلوا بيا.
مش علشان أبويا طلب.
علشان هم كانوا عارفين مين اللي كان بيحل مشاكلهم.
واحد منهم قال:
— يا باشمهندس عمر، إحنا مش فاهمين في الشركة إيه اللي بيحصل. من ساعة ما سبت، كل حاجة واقفة.
واحد تاني قال:
— الراجل الجديد مش عارف تفاصيل المشروع.
وأنا؟
كنت بقول نفس الجملة:
— أنا مبقتش شغال هناك.
أول مرة أقولها…
حسيت بخوف.
تاني مرة…
حسيت براحة.
بعد أسبوع، أبويا طلب اجتماع.
وافقت.
مش علشان أرجع.
لكن علشان أسمع.
دخلت مكتبه.
نفس المكتب.
نفس الصور على الحيطان.
صورة نادين.
شهاداتها.
نجاحاتها.
لكن المرة دي…
ماحسيتش إني صغير.
أبويا كان قاعد.
ونادين جنبه.
وأمي موجودة.
قعدت قدامهم.
أبويا قال:
— عايزين نتكلم بهدوء.
هزيت راسي.
— اتفضل.
بصلي فترة.
وبعدين قال:
— رجّع فلوسك للصندوق.
ضحكت.
أمي قالت بسرعة:
— يا عمر، اسمع باباك.
رفعت عيني لها.
— ليه؟
قالت:
— دي مصلحة العيلة.
سألتها:
— وأنا كنت من العيلة إمتى؟
وشها اتغير.
نادين قالت:
— بلاش تكبر الموضوع.
بصيتلها.
— أنا اللي بكبره؟
سكتت.
فتحت ملف كنت واخده معايا.
وحطيته على المكتب.
— دي كل المشاريع اللي اشتغلت عليها آخر خمس سنين.
أبويا بص للورق.
كملت:
— ودي المبالغ اللي وفرتها للشركة.
قلبت ورقة.
— ودي عقود العملاء اللي أنا جبتهم.
ورقة تانية.
— ودي المشاكل اللي أنا حليتها.
وبعدين بصيت لأبويا.
— لو أنا فعلًا مجرد عامل، يبقى ليه الشركة وقفت لما مشيت؟
أبويا ما ردش.
نادين قالت:
— محدش قال إنك مش مهم.
ضحكت.
— لأ؟
رفعت موبايل وفتحت تسجيل.
كان تسجيل من عشا عيد الميلاد.
نادين رفعت الكوباية وقالت:
“نخب لأكبر خيبة أمل في العيلة.”
ضحك.
وبعدين صوت أبويا:
“للتقاليد.”
قفلت التسجيل.
المكان كله سكت.
قلت:
— دي كانت الحقيقة اللي بتقولوهالي طول عمري.
أمي دموعها لمعت.
— إحنا ماقصدناش.
بصيتلها.
— المشكلة إنكم عمركم ما قصدتوا.
سكتوا.
فكملت:
— كل إهانة كانت هزار.
كل تجاهل كان بالغلط.
كل نجاح ليا كان “ده شغلك”.
بس لما احتجتوا فلوسي…
افتكرتوا إني من العيلة.
قمت من الكرسي.
أبويا قال بسرعة:
— استنى.
وقفت.
أول مرة…
هو اللي يطلب مني استنى.
قال:
— إنت عايز إيه؟
لفيت ناحيته.
وفكرت.
زمان كنت عايز اعتذار.
كنت عايز تقدير.
كنت عايز صورة على الحيطة.
كنت عايز أبويا يقول إنه فخور بيا.
لكن الغريب…
إني ما بقيتش محتاج أي حاجة منهم.
قلت:
— ولا حاجة.
ومشيت.
—
الفلوس اللي سحبتها ما صرفتهاش.
استثمرتها.
بس المرة دي…
بطريقتي.
اشتريت قطعة أرض صغيرة في مكان جديد.
وبدأت مشروع خاص بيا.
مشروع بناء.
لكن مختلف.
كنت دايمًا بحب التصميم.
الحلم اللي أبويا وقف ضده وأنا عندي سبعتاشر سنة.
قررت أرجعله.
اشتغلت مع مهندسين معماريين شباب.
عملنا مشاريع صغيرة.
مباني عملية وجميلة.
أماكن فيها روح.
مش مجرد عمارات وخلاص.
في البداية كان الموضوع صعب.
في شهور كنت بخاف إني غلطت.
لكن كل مرة كنت بفكر أرجع…
كنت أفتكر جملة أبويا:
“إنت عامل.”
فأشتغل أكتر.
مش علشان أثبتله إنه غلط.
لكن علشان أثبت لنفسي إني مش لازم أعيش التعريف اللي حد تاني اختارهولي.
بعد سنتين…
مشروعي بقى ناجح.
وبعد تلاتة…
بقينا شركة صغيرة ليها اسم محترم.
وأول مشروع كبير لينا اتعمل له افتتاح.
صحافة.
مستثمرين.
عملاء.
ووسط الناس…
شفت شخص ما توقعتش أشوفه.
أبويا.
كان واقف بعيد.
كبر شوية.
وشكله مرهق.
نادين كانت معاه.
وأمي واقفة جنبهم.
فضلت باصص عليهم.
ثواني طويلة.
وبعدين أبويا قرب.
وقف قدامي.
قال:
— مبروك.
بصيتله.
— شكرًا.
سكت شوية.



