منوعات

اكبر خيبه امل في العيله حكايات شروق خالد

الصمت اللي جه بعدها كان طويل.

سمعتها بتاخد نفسها.

— إنت قدمت إخطار؟

بصيت للساعة.

— قدمته من امبارح.

صرخت:

— إيه؟!

حطيت الموبايل بعيد شوية عن ودني.

— وفلوسي؟

— اتنقلت لحسابي.

— عمر، إنت مجنون؟

الجملة دي خلتني أضحك.

— يمكن.

— المشروع هيقع!

— مش مشكلتي.

— ده مشروع بابا!

— وأنا ابنه، مش كده؟

سكتت.

أول مرة في حياتي ما لقيتش رد.

قالت بصوت أهدى:

— طب ليه عملت كده؟

بصيت للشباك.

القاهرة كانت زحمة كعادتها.

عربيات.

كلاكسات.

ناس ماشية.

والدنيا كلها بتتحرك.

قلت:

— علشان أنا تعبت يا نادين.

— من إيه؟

— من إني طول عمري مطلوب مني أدي، ومن حقي إني آخد ولا حاجة.

سكتت.

كملت:

— تعبت من إني أشتغل، وإنتِ تتشكرِي.

— إنت بتغير مني؟

ابتسمت بمرارة.

طبعًا.

ده أسهل تفسير عندها.

قلت:

— لأ. أنا مش بغير منك.

— أمال؟

— أنا بس بطلت أقبل إنكم تقللوا مني.

نادين قالت بسرعة:

— إحنا ما بنقللش منك.

ضحكت.

— بجد؟

سكتت.

فكملت:

— نخب “أكبر خيبة أمل في العيلة” ده كان إيه؟

— عمر، أنا كنت بهزر.

— وأبويا لما قال إني مجرد عامل؟

— دي طريقة كلامه.

— وأمي وهي بتضحك؟

سكتت.

— وكل مرة أنجح فيها وتاخدي إنتِ الفضل؟

— أنا ما طلبتش…

قاطعتها:

— بس ما رفضتيش.

الصمت المرة دي كان أطول.

وبعدين قالت بصوت ضعيف:

— بابا عايز يكلمك.

— مش عايز.

— عمر…

قفلت الخط.

—

بعد أقل من عشر دقايق، أبويا اتصل.

بصيت لاسمه.

زمان، مجرد مكالمة منه كانت كفاية تخليني أسيب أي حاجة في إيدي.

المرة دي…

سيبت الموبايل يرن شوية.

وبعدين رديت.

— ألو.

صوته كان غاضب.

— إنت عملت إيه؟

سندت ضهري على الكرسي.

— مساء الخير يا بابا.

— بلاش تستفزني.

— أنا مش بستفزك.

— سحبت فلوسك من الصندوق؟

— أيوه.

سكت ثانية.

وبعدين صرخ:

— إنت فاهم إنك عملت إيه؟

— فاهم.

— إنت عطلت المشروع كله!

— أنا سحبت فلوسي حسب العقد.

— دي فلوس العيلة!

ابتسمت.

— لأ يا بابا.

سكت.

قلت:

— فلوسي أنا.

— أنا ربيتك!

الجملة دي وقفتني.

زمان كانت هتخليني أحس بالذنب.

لكن دلوقتي…

قلت بهدوء:

— وأنا عمري ما أنكرت ده.

— يبقى ترجع الفلوس فورًا.

— لأ.

— عمر!

— نعم؟

— أنا أبوك.

غمضت عيني للحظة.

وبعدين قلت:

— وأنا ابنك.

سكت.

كملت:

— بس أنا مش عامل عندك علشان تفتكرني لما تحتاجني وتنساني لما النجاح ييجي.

صوته هدي شوية.

— إحنا هنحل الموضوع.

— مافيش موضوع نحلّه.

— إنت زعلان من كلام حصل في عشا؟

ضحكت.

— لا يا بابا.

وبعدين قلت:

— أنا مش زعلان من العشا. العشا بس خلاني أشوف عمري كله بوضوح.

قفلت الخط.

والمرة دي…

ماحسيتش بالذنب.

—

بعدها بساعات، بدأت الحقيقة تظهر.

المشروع الجديد كان معتمد على فلوسي بشكل أكبر مما كنت متخيل.

أبويا كان عامل حسابه إني مش هسحب.

لأن عمر الشناوي دايمًا بيرجع.

مهما اتقاله.

مهما اتجرح.

بيرجع.

لكن المرة دي…

ما رجعتش.

اللي حصل بعد كده كان مفاجأة حتى ليا.

المقاولين اللي كنت أنا بتعامل معاهم بدأوا يتصلوا بيا.

مش علشان أبويا طلب.

علشان هم كانوا عارفين مين اللي كان بيحل مشاكلهم.

واحد منهم قال:

— يا باشمهندس عمر، إحنا مش فاهمين في الشركة إيه اللي بيحصل. من ساعة ما سبت، كل حاجة واقفة.

واحد تاني قال:

— الراجل الجديد مش عارف تفاصيل المشروع.

وأنا؟

كنت بقول نفس الجملة:

— أنا مبقتش شغال هناك.

أول مرة أقولها…

حسيت بخوف.

تاني مرة…

حسيت براحة.

بعد أسبوع، أبويا طلب اجتماع.

وافقت.

مش علشان أرجع.

لكن علشان أسمع.

دخلت مكتبه.

نفس المكتب.

نفس الصور على الحيطان.

صورة نادين.

شهاداتها.

نجاحاتها.

لكن المرة دي…

ماحسيتش إني صغير.

أبويا كان قاعد.

ونادين جنبه.

وأمي موجودة.

قعدت قدامهم.

أبويا قال:

— عايزين نتكلم بهدوء.

هزيت راسي.

— اتفضل.

بصلي فترة.

وبعدين قال:

— رجّع فلوسك للصندوق.

ضحكت.

أمي قالت بسرعة:

— يا عمر، اسمع باباك.

رفعت عيني لها.

— ليه؟

قالت:

— دي مصلحة العيلة.

سألتها:

— وأنا كنت من العيلة إمتى؟

وشها اتغير.

نادين قالت:

— بلاش تكبر الموضوع.

بصيتلها.

— أنا اللي بكبره؟

سكتت.

فتحت ملف كنت واخده معايا.

وحطيته على المكتب.

— دي كل المشاريع اللي اشتغلت عليها آخر خمس سنين.

أبويا بص للورق.

كملت:

— ودي المبالغ اللي وفرتها للشركة.

قلبت ورقة.

— ودي عقود العملاء اللي أنا جبتهم.

ورقة تانية.

— ودي المشاكل اللي أنا حليتها.

وبعدين بصيت لأبويا.

— لو أنا فعلًا مجرد عامل، يبقى ليه الشركة وقفت لما مشيت؟

أبويا ما ردش.

نادين قالت:

— محدش قال إنك مش مهم.

ضحكت.

— لأ؟

رفعت موبايل وفتحت تسجيل.

كان تسجيل من عشا عيد الميلاد.

نادين رفعت الكوباية وقالت:

“نخب لأكبر خيبة أمل في العيلة.”

ضحك.

وبعدين صوت أبويا:

“للتقاليد.”

قفلت التسجيل.

المكان كله سكت.

قلت:

— دي كانت الحقيقة اللي بتقولوهالي طول عمري.

أمي دموعها لمعت.

— إحنا ماقصدناش.

بصيتلها.

— المشكلة إنكم عمركم ما قصدتوا.

سكتوا.

فكملت:

— كل إهانة كانت هزار.

كل تجاهل كان بالغلط.

كل نجاح ليا كان “ده شغلك”.

بس لما احتجتوا فلوسي…

افتكرتوا إني من العيلة.

قمت من الكرسي.

أبويا قال بسرعة:

— استنى.

وقفت.

أول مرة…

هو اللي يطلب مني استنى.

قال:

— إنت عايز إيه؟

لفيت ناحيته.

وفكرت.

زمان كنت عايز اعتذار.

كنت عايز تقدير.

كنت عايز صورة على الحيطة.

كنت عايز أبويا يقول إنه فخور بيا.

لكن الغريب…

إني ما بقيتش محتاج أي حاجة منهم.

قلت:

— ولا حاجة.

ومشيت.

—

الفلوس اللي سحبتها ما صرفتهاش.

استثمرتها.

بس المرة دي…

بطريقتي.

اشتريت قطعة أرض صغيرة في مكان جديد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى