منوعات

بصّت على طبقه بجوع حكايات شروق خالد

حاولت تمشي من غير ما حد ياخد باله… لكن زعيم  المكسور لمح بنتها الصغيرة وهي بتبص بجوع على طبقه!

السكينة خبطت في الطبق قبل حتى ما يقرر يتكلم.

ما كانش ناوي يقول حاجة.

الرجالة اللي زيه ما بيوقفوش غرباء، وما بيجروش ورا أم بتحاول تسحب بنتها من مكان دافي وترجع بيها للبرد.

لكن حاجة في نظرة البنت الصغيرة للأكل اللي قدامه  جواه حاجة كان فاكر إنها ماتت من سنين.

ما كانتش نظرة فضول.

ولا كانت مجرد نظرة طفلة جعانة.

كانت نظرة بنت مكسوفة من جوعها.

قال كلمة واحدة.

كلمة واحدة بس.

والست اللي كانت واقفة عند باب المطعم اتجمدت مكانها، كأنها سمعت لغة كانت عارفاها زمان… وبعدين نسيتها.

واللي محدش كان يعرفه الليلة دي…

لا الأم اللي كانت بتشد بنتها من إيدها ناحية البرد، ولا الطفلة اللي كانت عندها كرامة أكبر من سنها، ولا حتى الراجل اللي لابس البدلة الفخمة واللي افتكر إنه بس بيقدم لهم عشا…

إن اللحظة دي بعد شهور قليلة هتخليه ماسك مسدس في إيده، وواقف قدام خيانة عمرها عشرين سنة، وهيكتشف إن أقرب شخص ليه هو اللي كان بيجهز نهايته من زمان.

لكن الليلة دي…

كل ده ما كانش حصل لسه.

كان فيه بس بنت صغيرة جعانة…

وأم بتحاول تحافظ على كرامتها…

ورجل ما يعرفش إن طبق الأكل اللي قدامه هيغيّر حياته كلها.

كان المطر وقف من حوالي ساعة قبل المغرب.

والقاهرة كانت لسه بتلمع من أثر الميه، الشوارع منورة بانعكاس أعمدة النور على الأسفلت، والهواء البارد داخل بين العمارات.

في شارع هادي في الزمالك، كان فيه مطعم راقي بعيد عن دوشة العربيات.

نور أصفر دافي خارج من الشبابيك.

وصوت بيانو هادي بيتسلل بين الترابيزات.

في آخر المطعم، جنب الشباك، كان قاعد عمر المنشاوي.

تمنية وتلاتين سنة.

لابس بدلة سودا غالية، وساعته معدن لامعة في إيده.

وشه هادي بشكل يخوف.

مافيش دبلة في إيده.

والموبايل مش موجود على الترابيزة.

قدامه طبق ستيك كامل ما لمسوش، وكوباية مشروب قدامه بقالها نص ساعة.

النادل جه له مرتين.

“كل حاجة تمام يا فندم؟”

عمر اكتفى بهزة بسيطة من راسه.

كان معناها:

“سيبني.”

ما كانش بيفكر في الأكل.

كان بيفكر في اسمين موجودين في جيب بدلته.

واحد لازم يقابله قبل الفجر.

والتاني…

كان لازم يعرف إذا كان لسه يقدر يثق فيه ولا لأ.

مد إيده .

رفعها.

وبعدين حطها تاني.

وفي اللحظة دي شافها.

بنت صغيرة، ست سنين بالكثير، واقفة نصها جوه المطعم ونصها عند الباب.

لابسة جاكيت قديم أكبر من مقاسها، وشعرها مربوط بتوكة صغيرة، ووشها شاحب.

كانت أمها واقفة جنبها.

ست شابة، يمكن في أواخر العشرينات، ملامح التعب باينة على وشها.

كانت بتحاول تسحب بنتها برا.

“يلا يا حبيبتي… هنروح البيت.”

البنت خدت خطوة.

وبعدين وقفت.

لفت وشها.

عينيها دخلت المطعم.

عدت على البيانو.

وعلى الترابيزات.

وبعدين وقفت عند طبق عمر.

عينيها ثبتت عليه.

ما بصتش للناس.

ولا للديكور.

ولا حتى للحلويات.

بصت للحمة.

للبطاطس.

للعيش الدافي اللي جنب الطبق.

عمر لاحظ.

البنت ما كانتش بتبص كأنها عايزة تجرب أكلة غريبة.

كانت بتبص كأنها بتحلم.

لكن أول ما حست إنه شافها…

وشها احمر.

نزلت عينيها بسرعة.

وشدت جاكيت أمها.

الأم فهمت.

قربت منها وهمست:

“معلش يا نور… لما نوصل البيت ماما هتعملك حاجة.”

البنت هزت راسها.

“أنا مش جعانة.”

لكن صوتها كان بيقول العكس.

عمر قضى سنين وسط ناس بتكدب.

وعرف الجوع.

وعرف الخوف.

وعرف الذل.

وكان عارف إن أسوأ حاجة ممكن تحصل للإنسان…

إنه يجوع لدرجة يخجل من إنه يقول أنا جعان.

حط السكينة على الطبق.

الصوت الصغير قطع موسيقى البيانو.

وبص ناحية الباب.

وقال:

“استني.”

الأم اتجمدت.

بصت له.

عمر أشار للترابيزة.

“ما تمشيش.”

الأم ضمت بنتها أكتر.

“حضرتك؟”

“أنا طلبت أكل كتير.”

بص للطبق.

“ومش هاكله.”

الأم فهمت قصده.

هزت راسها بسرعة.

“لا، شكرًا.”

عمر قال بهدوء:

“أنا ما عرضتش صدقة.”

سكت لحظة.

“عرضت عشا.”

الأم فضلت واقفة.

“إحنا ما بناخدش حاجة من حد.”

عمر بص للبنت.

كانت لسه باصة للأرض.

وقال:

“يبقى اعتبريها دعوة.”

الأم سكتت.

بصت لبنتها.

وبعدين بصت للطبق.

واضح إن قلبها  مع كرامتها.

وبعد لحظات طويلة قالت:

“بس… المرة دي.”

عمر أشار للكرسي.

“اتفضلي.”

مشيت ناحية الترابيزة ببطء.

البنت قعدت.

وأول ما الطبق اتحط قدامها، مسكت الشوكة بإيد صغيرة.

بصت لأمها الأول.

الأم هزت راسها.

“كلي.”

البنت بدأت تاكل.

في الأول بسرعة.

وبعدين وقفت فجأة.

كأنها افتكرت إنها لازم تبان مؤدبة.

عمر قال:

“كلي براحتك.”

البنت بصت له.

“حضرتك مش هتزعقلي؟”

عمر اتفاجئ.

“ليه أزعقلك؟”

“علشان… باكل كتير.”

لأول مرة من وقت طويل…

حس عمر إن قلبه اتوجع.

قال:

“الأكل اللي قدامك ده معمول علشان يتاكل.”

البنت ابتسمت.

ابتسامة صغيرة.

لكنها كانت كفاية تغير حاجة في المكان كله.

الأم قالت:

“أنا آسفة لو سببنالَك إزعاج.”

“اسمك إيه؟”

ترددت.

“مريم.”

“والبنت؟”

“نور.”

عمر هز راسه.

“اسم جميل.”

مريم بصت له بحذر.

“إحنا هنمشي بعد الأكل.”

“براحتك.”

سكت لحظة.

وبعدين قال:

“بس قبل ما تمشوا، محتاج أسألك سؤال.”

مريم اتوترت.

“اتفضل.”

“إنتِ ليه كنتِ هتمشي من غير ما بنتك تاكل؟”

نزلت عينيها.

“مافيش.”

عمر عرف إنها بتكدب.

لكن ما ضغطش عليها.

قال:

“تمام.”

وبص لنور.

كانت بتاكل في هدوء.

لكن فجأة…

موبايل عمر اهتز في جيبه.

طلعه.

بص للشاشة.

رسالة واحدة.

من رقم مجهول.

“الست اللي قاعدة قدامك مش ضحية… اسألها عن جوزها.”

ملامح عمر اتغيرت.

رفع عينه لمريم.

كانت ساكتة.

لكن في اللحظة اللي شافت فيها ملامحه…

وشها شحب.

عمر حط الموبايل على الترابيزة.

وقال بهدوء:

“جوزك فين؟”

إيد مريم وقفت.

الشوكة وقعت من إيدها.

ونور بصت لأمها.

“بابا؟”

مريم ما ردتش.

عمر كرر:

“جوزك فين؟”

مريم بلعت ريقها.

وقالت بصوت مرتعش:

عمر ضيق عينيه.

“إمتى؟”

“من سنتين.”

“مات إزاي؟”

مريم قامت فجأة.

“إحنا لازم نمشي.”

عمر مد إيده ومنعها.

“استني.”

مريم بصت له بخوف.

“قلتلك لازم نمشي.”

عمر قال:

“الرسالة اللي وصلتلي قالت إنك مش مجرد ست جعانة دخلت مطعم.”

وشها ابيض.

“إنت… إنت تعرف مين أنا؟”

“لأ.”

سكت لحظة.

“بس واضح إن حد عايزني أعرف.”

مريم شدت إيد بنتها.

“نور، قومي.”

نور بصت لطبق الأكل.

وبعدين لأمها.

كانت لسه جعانة.

عمر شاف النظرة.

وقال:

“خليها تكمل.”

مريم هزت راسها.

“ما ينفعش.”

“ليه؟”

مريم قربت منه، وصوتها بقى همس:

“علشان لو الناس اللي بتدور علينا عرفت إننا هنا… مش هيسيبونا نخرج.”

عمر ما رمش.

“مين الناس؟”

مريم بصت حواليها.

وبعدين قالت:

“الناس اللي قتلوا أبو نور.”

ساد الصمت.

عمر لأول مرة بص للبنت بشكل مختلف.

وبعدين بص لمريم.

“جوزك ما ماتش في حادث، صح؟”

دموعها لمعت.

“لأ.”

“مين قتله؟”

مريم هزت راسها.

“لو قلتلك… هيموت ناس تانية.”

عمر مال للأمام.

صوته بقى بارد.

“إنتِ قاعدة قدام الراجل اللي طول عمره الناس بتخاف حتى تنطق اسمه.”

مريم بصت له.

“وأنا مش خايفة منك.”

“ليه؟”

قالت:

“علشان أنا شوفت الخوف الحقيقي.”

سكت عمر.

الجملة لمسته في مكان محدش قدر يوصله قبل كده.

وقبل ما يرد…

باب المطعم اتفتح.

دخل أربعة رجالة.

كلهم لابسين أسود.

واحد منهم بص ناحية عمر.

والتاني بص ناحية مريم.

وبعدين قال:

“هي هنا.”

عمر وقف.

وكل المطعم سكت.

مد إيده داخل بدلته.

وطلع .

حط إيده على كتف نور.

وقال لمريم من غير ما يبصلها:

“من اللحظة دي… محدش هيقرب منك ولا من بنتك.”

مريم همست:

“إنت ما تعرفش إحنا جرّيناك لإيه.”

عمر بص لها.

وعينيه بقت جامدة.

“لأ.”

ثم ابتسم ابتسامة باردة.

“بس أنا هعرف.”

وكانت دي أول ليلة…

اللي فيها عمر المنشاوي قرر يحمي امرأة غريبة وطفلة جعانة.

من غير ما يعرف إن المرأة دي…

كانت تحمل السر الوحيد القادر على إسقاط إمبراطوريته كلها.

وإن الرجل الذي

زوجها…

كان أقرب شخص لعمر.

وكان يراقبه من داخل المطعم نفسه.

حكايات شروق خالد

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى