
نظر سليم إليّ وقال: “لوحة التحكم الرئيسية لا يملك صلاحيتها إلا ثلاثة أشخاص فقط في هذا القصر.” هنا أدركتُ أن الخائن ليس مجرد متسلل من الخارج، بل شخص يعيش بيننا، يحمل مفاتيح القصر ويعرف كل تفاصيله، والأهم من ذلك أنه يعرف حساسية ياسين القاتلة.
ساد صمت ثقيل في غرفة المراقبة، ولم يقطعه سوى صوت أنفاس سليم المتسارعة. تراجعتُ خطوة إلى الخلف، فالأسماء الثلاثة التي تملك صلاحية لوحة التحكم كان من بينها اسم واحد ينبض بالخوف في صدري: “رعد”، شقيق سليم الأصغر والمسؤول الأول عن المنظومة الأمنية للقصر. أما الاسمان الآخران فكانا ممدوح رئيس الأمن، والمهندس طارق المسؤول عن شبكة الشبكات والاتصالات.
حدج سليم الثلاثة بنظرات كفيلة بإحراق المكان، ثم التفت إليّ بصوت خفيض: “مريم.. هل رأيتِ رعد أو طارق قريباً من المطبخ الخارجي قبل أن تصعدي للطابق العلوي؟” ترددتُ، فالشهادة في هذا القصر قد تكلف المرء حياته، لكنني تذكرتُ عينَي ياسين الصغير والموت الذي كان يتربص به.
قلتُ بنبرة متقطعة: “المهندس طارق كان يراجع الإضاءة في الحديقة الخلفية.. أما الأستاذ رعد، فقد رأيته يخرج من ممر الخدمة قبل بداية الحفل بربع ساعة فقط، وكان يحمل حقيبة جلدية صغيرة.” اتسعت عينا ممدوح، بينما تجمد وجه سليم تماماً. رعد لم يكن مجرد أخ، بل كان السند الوحيد لسليم بعد وفاة والديهما، والشخص الذي اؤتمن على حماية العائلة بأكملها.
لم ينطق سليم بكلمة واحدة. أخرج هاتفه واستدعى نائبه الخاص، ثم أمر بصوت صلب كالحديد: “احضروا رعد إلى مكتبي فوراً.. ودون أن يشعر أحد من الضيوف المتبقين أو العاملين.”
عندما وصلنا إلى المكتب، كان رعد يقف هناك، يبدو عليه التوتر رغم محاولته الاصطناع بالهدوء. قال سليم وهو يتقدم نحوه بخطوات بطيئة: “أخي الصغير.. العلبة الفضية التي كانت في يدك في المطبخ الخارجي.. أين هي الآن؟” تغير لون وجه رعد، وتراجع خطوة للورا: “سليم.. أنت تصدق كلام طفلة في الثالثة من عمرها؟” أجابه سليم بهدوء مرعب وهو يضع مسدسه على الطاولة: “الطفلة لم تقل إنك أنت من وضع المادة.. هي قالت فقط إنها رأت علبة فضية. كيف عرفتَ أنت أمر العلبة الفضية إن لم تكن هناك؟”
وقع رعد في الفخ الذي نصبه له سليم بذكاء. تداعت وقفته، وظهرت اللعثمة في كلامه: “هم هددوني بهاجر وابني يا سليم! لم أكن أريد أن يحدث له مكروه.. قالوا لي إنها مجرد مادة تسبب وعكة بسيطة لنقله إلى المستشفى لكي يتمكنوا من مساومتك على أوراق الصفقة الأخيرة!”
سقطت الدمعة الأولى من عين سليم، لكنها لم تكن دمعة ضعف، بل كانت وداعاً لأخيه. نزل سليم إلى مستوى عينَي رعد وقال بصوت مرعص: “لقد كاد ابنك أن يؤذي ابني.. واليوم، فقدتَ أخاك إلى الأبد.” أومأ سليم لرئيس الأمن ليقتاد رعد بعيداً عن القصر في صمت تام، ثم التفت إليّ. كان ينظر إليّ بامتنان لم أره في عينيه طوال ست سنوات من خدمتي في هذا المكان.
قال بنبرة دافئة: “مريم.. ابتداءً من الغد، لن تكوني أنتِ وليلي في جناح العاملين. مكان أنقاذ عائلتي سيكون دائماً في الطابق العلوي معنا.”
مرت الأشهر سريعة، وتحول الجناح العالي في الطابق العلوي إلى بيتنا الجديد. لم تعد ليلي مجرد طفلة لمديرة المنزل، بل أصبحت الأخت والصديقة الأقرب لياسين، والركن الدافئ الذي يعيد الضحكة إلى القصر بعد تلك الليلة المظلمة.
أما سليم باشا، فقد تغير كثيراً. الصرامة والبرود اللذان هابَهما الجميع لسنوات ذابا أمام براءة ليلي ووجودنا بالقرب منه. في إحدى الأمسيات الهادئة، ونحن نجلس في الحديقة المطلة على بحيرة القصر بينما كان الصغيران يلعبان في المدى، التفت إليّ سليم ونظر في عينيّ بصدق لم أعهده من قبل.
قال بصوت هادئ يحمل كل المشاعر التي طالما حاول إخفاءها: “مريم.. في الليلة التي أنقذت فيها ليلي حياة ياسين، كنتُ أظن أنني أدين لها بحياتي، لكن مع الوقت أدركتُ أنكما معاً أرجعتما الروح لهذا البيت ولي أنا شخصياً. أنا لا أريدكما هنا كضيوف أو كمن أنقذوا ابني.. أريد أن نكون عائلة واحدة حقيقية.”
لم تكن كلمات سليم مجرد مشاعر عابرة، بل كانت بداية لفصل جديد تماماً في حياتنا. وفي حفل عائلي دافئ اقتصر على الأقرباء والمقربين، أعلن سليم زواجنا، ليتحول الخوف القديم والتهديد الذي كان يحيط بالقصر إلى أمان مطلق وسعادة لم أكن أتجرأ على الحلم بها. جلس ياسين وليلي إلى جوارنا يضحكان ويخططان لعيد الميلاد القادم، بينما كان سليم يمسك بيدي ينظر إلى المستقبل بابتسامة وثقة، وقد أغلقت صفحات الغدر والماضي للأبد.
تمت.
صغيرة هزت عرش الباشا
حكايات شروق خالد




