خدامة السرايا اللي قلبت عرش المنشاوي» ج2 حكايات شروق خالد

اتفتحت أبواب السرايا بهدوء، ودخل منها رجال كثيرون، لابسون أسود، وكل واحد فيهم ماسك عصا.
مريم شدت ليلى لحضنها.
سليم وقف قدامهم رغم إن جسمه لسه ضعيف من التعب.
النقيب حمدي رفع يده وقال:
— محدش يتحرك!
لكن الجد ضحك.
— متتعبش نفسك يا حمدي… الرجالة دي مش جاية تحاربكم.
سليم بص له.
— أمال جاية تعمل إيه؟
الجد رفع عصايته وأشار ناحية مريم.
— جاية تاخدها.
مريم اتجمدت.
— أنا؟
— أيوه.
سليم وقف قدامها فورًا.
— محدش هيلمسها.
الجد ابتسم.
— إنت لسه فاكر إنك صاحب القرار؟
— القرار قراري من اللحظة اللي فتحت فيها عيني.
رجب بص لأخوه وقال:
— سليم… اسمعني. الموضوع أكبر مننا.
— لأ يا رجب. الموضوع بقى بسيط.
بص للجد.
— عايزين مريم؟ لازم تعدوا عليا الأول.
الجد ضحك.
— زي أبوك بالضبط.
الجملة دي خلت سليم يتغير.
— متجيبش سيرة أبويا.
— أبوك اختفى علشان قال نفس الجملة.
سليم اندفع ناحيته، لكن أمه وقفت بينهم.
— سليم! لأ!
— سيبيني يا أمي!
— لو عملت حاجة دلوقتي، هتخسر كل حاجة.
الجد قال بهدوء:
— اسمع أمك يا سليم.
وفجأة ليلى بدأت تصرخ.
مريم بصت لها.
— ليلى!
البنت كانت ماسكة راسها وبتتكلم بصوت متقطع:
— أنا… فاكرة…
مريم قربت منها.
— فاكرة إيه؟
ليلى بصت للجد بخوف.
— أنا شفت الراجل ده زمان.
الجد اتغيرت ملامحه.
— إنتِ كنتِ صغيرة.
ليلى بدأت تعيط.
— كنت في المستشفى… وأمي كانت بتصرخ… وإنت كنت واقف جنبها.
مريم بصت للجد.
— إنت عملت إيه في أمي؟
الجد ما ردش.
ليلى كملت:
— أمي كانت بتقولك: “خدني أنا وسيب بنتي.”
مريم حست إن الدنيا بتلف بيها.
— بنتي؟
بصت لليلى.
— كانت بتتكلم عن مين؟
ليلى قالت:
— عنك.
الصمت نزل على المكان.
مريم رجعت خطوة.
— إيه؟
أم سليم قربت منها والدموع في عينيها.
— مريم… ليلى مش أختك بالدم.
مريم بصت لها كأنها مش فاهمة.
— أمال مين هي؟
الست أشارت ناحية مريم.
— إنتِ بنت أختي.
مريم شهقت.
— يعني أمي…
— أختي.
ليلى مسحت دموعها وقالت:
— وإنتِ بنت العيلة اللي كانوا بيدوروا عليها.
سليم بص للجد.
— عشان كده كانوا عايزينها؟
الجد هز راسه.
— لأن الدم اللي في عروقها هو مفتاح كل حاجة.
مريم صرخت:
— أي مفتاح؟!
الجد رد:
— مفتاح الأرض… والثروة… والسر اللي أبوك خباه.
سليم قرب منه.
— أبويا خبّى إيه؟
الجد ابتسم.
— مش أبوك.
وبص لمريم.
— أمها.
مريم حسّت إن رجليها مش شايلينها.
في اللحظة دي، النقيب حمدي تلقى مكالمة.
— أيوه؟
سكت.
وشه اتغير.
— إيه؟
سليم سأله:
— في إيه؟
النقيب قفل التليفون وقال:
— المكان اللي كانوا محتجزين فيه رجال كمال اتهاجم.
رجب قال:
— مكان إيه؟
— المكان اللي كانوا فيه.
سليم فهم.
— كمال هرب؟
النقيب هز راسه.
— لأ.
— أمال؟
— كل الموجودين اختفوا… وكمال اختفى.
الجد ابتسم.
— قلتلكم… الحرب بدأت.
فجأة صوت ضجة دوّى في المكان.
الكل اتخض.
رجالة الجد بدأوا يهتفوا.
النقيب حمدي صرخ:
— كله ينزل!
سليم مسك مريم ووقعها على الأرض.
— خليكي واطية!
لكن وسط الفوضى، واحد من الرجالة خطف ليلى.
مريم صرخت:
— ليلى!
جريت وراها.
الرجل سحب ليلى ناحية الباب الخلفي.
سليم لحقه، وضربه في إيده، فوقع من إيده.
لكن قبل ما سليم يلحق ليلى، عربية سوداء اندفعت من قدام السرايا وخطفتها.
مريم صرخت بأعلى صوتها:
— ليلى!
العربية اختفت في الطريق.
سليم وقف للحظة مش قادر يتحرك.
مريم وقعت على الأرض وهي بتعيط.
— أختي…
سليم نزل لمستواها.
— هرجعها.
— هترجعها؟
— أقسم لك.
مريم بصت له.
— حتى لو حصل لك حاجة؟
سليم مسح دموعها بإيده.
— حتى لو آخر نفس فيا.
النقيب حمدي جري ناحيتهم.
— العربية اتصورت من كاميرات الطريق.
سليم وقف.
— نقدر نعرف رايحة فين؟
— أيوه.
طلع النقيب موبايله وفتح الصورة.
— بس في مشكلة.
— إيه؟
— العربية دخلت طريق الجبل.
رجب قال:
— محدش بيدخل الجبل ده.
سليم بص له.
— ليه؟
رجب رد بصوت منخفض:
— لأن هناك المكان اللي أبوك اختفى فيه.
سليم سكت.
وبعدين بص لمريم.
— هنروح.
مريم مسحت دموعها ووقفت.
— وأنا جاية معاك.
— لأ.
— دي أختي.
— مريم، المكان خطر.
— وأنا مش هسيبها لوحدها.
سليم بص في عينيها.
عرف إنها مش هتتراجع.
— تمام.
وفي اللحظة اللي اتحركوا فيها، الجد كان واقف بعيد، بيبصلهم بابتسامة غامضة.
وقبل ما يركب عربيته، قال لرجب:
— خليهم يروحوا.
رجب بص له باستغراب.
— ليه؟
الجد رد:
— لأنهم لو دخلوا الجبل… هيعرفوا الحقيقة الأخيرة.
— وإيه الحقيقة؟
الجد ابتسم.
— إن أبو سليم مش هو اللي اختفى هناك.
رجب اتجمد.
— أمال مين؟
الجد ركب عربيته وقال:
— الرجل اللي لحد النهارده… عايش جوه الجبل.
وانطلقت العربيات ناحية الجبل.
وسليم ومريم ما كانوش يعرفوا إن اللي مستنيهم هناك…
مش مجرد خاطف.
كان شخص قضى سبع سنين بيجهز للحظة دي.
شخص يعرف مريم باسمها الحقيقي.
ويعرف السر اللي حتى أمها خافت تقوله لها.
وفي آخر الطريق، وسط الضباب، ظهرت عربية ليلى متوقفة.
بابها مفتوح.
مفيش حد جواها.
إلا ورقة صغيرة محطوطة على الكرسي.
سليم فتحها.
وكان مكتوب فيها:
“لو عايز أختك تعيش…
هات مريم لوحدها.
ومتجيبش الشرطة.
لأن المرة دي…
اللي هيتأذى مش ليلى.”
مريم بصت للورقة.
وبصوت ثابت رغم دموعها قالت:
— أنا هروح.
سليم مسك إيدها.
— وإنتِ مش هتروحي لوحدك.
وفجأة…
جاء صوت من جهاز اللاسلكي:
— سليم بيه…
— أيوه؟
— في حد بيتصل بيك.
— مين؟
الصوت سكت لحظة.
وبعدين قال:
— بيقول إنه أبوك.
القسم الثاني
الجد فضل واقف مكانه، ولأول مرة الخوف ظهر في عينيه.
— إنتِ فاكرة نفسك تقدري تعملي إيه؟
مريم ردت بصوت هادي:
— أقدر أعمل اللي أمي مقدرتش تعمله.
الجد شد على عصايته.
— أمك كانت ضعيفة.
— لأ.
مريم قربت خطوة.
— أمي كانت بتحمي بنتها.
وبصت لليلى.
— وأنا هحمي أختي.
سليم وقف جنبها.
— وإنت مش هتلمسها.
الجد رفع عصاه ناحية مريم.
لكن قبل ما يعمل أي حاجة، سليم اندفع عليه.
العصا وقعت على الأرض.
رجالة الجد بدأوا يتحركوا، والنقيب حمدي ورجالته وقفوهم.
الدنيا اتحولت لفوضى.
صراخ.
زجاج بيتكسر.



