
“أمك؟” “أمي بالتبني.”
حكت له عن الست الوحيدة اللي ربتها بعد وفاة أهلها. اسمها الحاجة فاطمة. موجودة في دار رعاية في مصر الجديدة، ومصاريفها الشهرية بعد التأمين والمساعدة حوالي أربعة آلاف جنيه. نورهان ما اتأخرتش عن دفعهم يوم واحد. ثلاث سنين كاملة. يوم خمسة من كل شهر. كانت الفلوس بتطلع من إيديها قبل ما تلحق تحس إنها دخلت جيبها.
سألها: “وبتروحي لها إمتى؟” “الجمعة.”
“ليه الجمعة؟” “اليوم الوحيد اللي مش بشتغل فيه بالليل.”
ياسين بص لها: “وبتنامي إمتى؟”
نورهان ابتسمت ابتسامة مكسورة: “في المواصلات.”
الكلمة وقعت عليه كأنها صفعة. “يعني إيه؟”
“في الطريق وأنا راجعة من المغسلة.”
“وبتنامي كام ساعة في اليوم؟” نورهان رفعت كتفها: “مش بحسب.”
ياسين سكت. كل إجابة كانت بتكشف مصيبة أكبر. بص لإيديها. ثم للورقة. ثم لوشها. وسأل: “الدكتورة شافت إيدك؟” هزت راسها: “مفيش فلوس.”
الجزء الثاني
في الساعة تلاتة إلا عشرة، كان ياسين بيتصل بدكتورة ريم الشاذلي، واحدة من أشهر أطباء العظام والأعصاب في القاهرة. وصلت بعد أقل من ساعة. ولما شافت إيدي نورهان، ملامحها اتغيرت.
بدأت تفك الشريط اللاصق بحذر. نورهان كانت بتكتم ألمها. الدكتورة فحصت كل إصبع. حاولت تخليها تقفل إيديها. لكنها ما قدرتش.
قالت: “من إمتى؟”
نورهان قالت: “من شهر خمسة.”
الدكتورة رفعت عينيها: “من شهر خمسة وإنتي بتشتغلي؟”
“أيوه.”
ريم بصت لياسين. ثم قالت: “دي مش مجرد التهابات.” سكتت لحظة: “عندها التهاب شديد في أوتار اليدين، ومعاه ضغط وتلف في بعض الأعصاب.”
ياسين قال: “والحل؟” “توقف شغل فورًا.”
نورهان قالت بسرعة: “مينفعش.”
الدكتورة بصت لها: “لو كملتي بالشكل ده، الضرر ممكن يبقى دائم.”
نورهان سكتت: “ولو وقفتي؟” “مع العلاج والجبائر والعلاج الطبيعي، ممكن إيدك ترجع بنسبة كبيرة جدًا.”
“قد إيه؟” “ست شهور على الأقل.”
نورهان هزت راسها: “مينفعش.”
ياسين سأل: “ليه؟” رجعت تحكي عن أمها بالتبني. عن دار الرعاية. عن المصاريف. عن طلبات المساعدة الحكومية اللي اترفضت بسبب ورقة ناقصة. وعن طلب تاني اترفض لأنه اتقدم بعد الميعاد بثلاث أيام، رغم إن الخطاب نفسه وصل لها متأخر. وفي النهاية قالت: “لو ما دفعتش، هيخرجوا أمي.”
ثم بصت للدكتورة وقالت: “أنا مش هقدر أقعد ست شهور.”
ياسين كان ساكت. وبعدين قال: “من النهارده هتبطلي الشغل.” نورهان بصت له: “إيه؟”
“هتبطلي هنا، وهتبطلي في المغسلة.”
“بس…” “مرتبك هيتدفع كامل.”
نورهان هزت راسها: “عن طريق مين؟” “المرتبات.”
وشها اتغير: “يبقى هيتخصم.” “كام؟” “أغلبه.”
ياسين قال: “أنا هضاعف مرتبك.” ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة: “وهما هيضاعفوا الخصم.”
سكت: “هديكي عشرة أضعاف.”
“وهياخدوا عشرة أضعاف.” بصت له لأول مرة في عينه. وقالت: “إنت مش هتنقذني بالفلوس.”
سكت ياسين: “لو عايز تنقذني بجد…” رفعت إيديها المصابة قدامه: “…خلصني من الدين.”
كانت أول مرة حد يتكلم مع ياسين المنشاوي بالطريقة دي. لا خوف. ولا طمع. ولا محاولة للتقرب. فقط طلب واحد. العدل.
قال: “هسدده.” نورهان هزت راسها: “لا.”
رفع حاجبه: “ليه؟”
“أنا مش محتاجة صدقة.”
“مش صدقة.” “لو سددتهولي، هفضل مدينة ليك.”
ثم قالت: “أنا اشتغلت هنا سنة وشهرين. عايزة آخد حقي بس.”
ياسين فضل باصص لها: “مش عايزة زيادة.” “ولا جنيه.” “عايزة مرتبي اللي استحقه.”
صمت طويل مر بينهم. وبعدين قال: “تمام.” ثم التفت للدكتورة: “من النهارده مفيش شغل.”
وقالت نورهان: “أجي بكرة الساعة كام؟” رد ياسين: “مش هتيجي.”
نورهان بصت له باستغراب: “بس الشغل…” “مفيش شغل لحد ما الدكتورة تقول إن إيدك خفت.”
كانت الإجابة بالنسبة لها أصعب من أي أمر. لأنها لأول مرة حد بيطلب منها تتوقف عن العمل.
وبعد ما طلعت نورهان، ياسين فضل واقف في البدروم. أخرج مفردات مرتبها. ثم اتصل بمدبرة البيت، مدام فتحية. قال: “مين اللي عيّن نورهان؟”
سكتت المرأة طويلًا. ثم قالت: “أنا لأ.”
“مين؟” “الأستاذ حمدي الشناوي.”
انقطعت المكالمة. ياسين فضل واقف مكانه. حمدي الشناوي. رجل ثق فيه خمسة عشر سنة. الرجل اللي كان قاعد جنبُه في كل اجتماعاته. الرجل اللي كان ماسك حسابات الموظفين. والرجل اللي كان مسؤول عن ملفات القروض والمرتبات.
في الساعة سبعة الصبح، بعت ياسين رسالة واحدة لاثناشر راجل. “الساعة تسعة. السفرة الكبيرة.”
في عشر سنين، ياسين ما بعتش رسالة بالشكل ده غير أربع مرات. وكل مرة كانت معناها حاجة واحدة: حرب.
الساعة تمانية وخمسين دقيقة، كانت عربيات الرجالة بتدخل القصر واحدة ورا التانية. دخل محمود الديب. دخل شريف القناوي. ودخل حمدي الشناوي في الآخر. زي عادته. وقعد على يمين ياسين مباشرة. نفس الكرسي اللي قعد عليه خمسة عشر سنة.
لكن ياسين ما قعدش. قال: “هاتوا نورهان.”
واحد من الرجالة بص للتاني. وسأل: “نورهان مين؟” ولا واحد عرف.
بعد دقائق، دخلت نورهان. كانت لابسة نفس هدوم الشغل. وإيديها متثبتة بالجبائر. وقفت عند الباب وعينيها في الأرض. قال ياسين: “تعالي هنا.”
مشت ببطء: “ارفعي إيدك.” ترددت. ثم رفعت يديها.
ياسين قال: “وريهم.” فتحت كفيها. ظهرت التشققات والجروح والآثار اللي سابها العمل الطويل.
الغرفة كلها سكتت. الرجالة دول شافوا الموت قبل كده. وشافوا الدم. وشافوا ناس بتنهار. لكن إيدين نورهان عملوا فيهم حاجة مختلفة. لأن كل واحد فيهم كان فاكر إيديه قبل ما تبقى إيدين راجل قاسي. واحد اشتغل في ورشة وهو صغير. واحد حمل شكاير طول عمره. وواحد كان عامل قبل ما يدخل عالم ياسين. كانوا عارفين معنى إن جسم الإنسان يدفع تمن لقمة العيش.
محمود الديب نزل بعينيه. وبعدين غطى وشه بإيده. حاول يخبي دموعه.
ياسين قال: “في بيتي.” سكت: “سنة وشهرين.” بص للرجالة واحد واحد: “ولا واحد فيكم يعرف اسمها.” ثم قال: “وأنا كمان… ما كنتش أعرف.”




