هربت من بطش رجل… فوقعت في حماية أخطر رجل في مصر حكايات شروق خالد

وصلنا للبيت.
كان قديم، مهجور، والحديقة حواليه مليانة شجر متداخل.
نزل حسن وفتح الباب بمفتاح قديم.
دخلنا.
ريحة التراب والذكريات كانت خانقة.
مشينا لحد أوضة صغيرة في آخر البيت.
حسن وقف قدام دولاب خشب.
طلع من جيبه مفتاح.
فتح الدرج.
وأخرج صندوق معدني.
حطه قدامي.
«ده كان بتاع والدتك.»
إيدي ارتعشت.
فتحت الصندوق.
جواه صور.
خطابات.
وتسجيلات قديمة.
وفي القاع، ظرف مكتوب عليه اسمي.
«ليلى.»
بصيت لحسن.
«ده من أمي؟»
«أيوه.»
فتحت الظرف.
إيدي كانت بتترعش.
طلعت ورقة.
وكان أول سطر:
«لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أحميكي.»
بدأت أقرأ.
«ليلى… لو حد قالك إن موتي كان حادث، ماتصدقيش.»
دموعي نزلت.
«أنا كنت عارفة إنهم هيقتلوني.»
حسن وقف بعيد.
ماقاطعنيش.
كملت:
«الحقيقة مش في الفلوس اللي سرقوها… الحقيقة في الدليل اللي أخفيته.»
رفعت عيني.
«أي دليل؟»
قلبت الصفحة.
«الدليل موجود في المكان اللي بدأت منه الحكاية.»
بصيت لحسن.
«يعني إيه؟»
قال:
«النادي.»
«الأونيكس روم؟»
هز رأسه.
«أيوه.»
قرأنا باقي الرسالة.
كانت والدتي قد اكتشفت إن عيلة الدمنهوري بتستخدم النادي في اجتماعات سرية وتحويلات غير قانونية.
لكنها ما كانتش لوحدها.
كان فيه شخص من عيلة المنصوري متورط.
توقفت عن القراءة.
رفعت عيني لحسن.
«واحد من عيلتك كان معاهم؟»
سكت.
«مين؟»
«عمي.»
«هو لسه عايش؟»
«لأ.»
«مات إزاي؟»
«مات قبل والدتك بشهر.»
سكتنا.
ثم قال:
«لكن قبل موته، اعترف لي إنه خان عيلتي.»
بصيت له.
«يعني الحرب بينكم وبين الدمنهوري بدأت بسببهم؟»
«أيوه.»
«وأمي كانت بتحاول توقفها؟»
«كانت بتحاول تحميك.»
وضعت الرسالة على الطاولة.
«ليه أنا؟»
حسن بص للصورة القديمة.
«لأن والدتك كانت مخبية الدليل الأخير عند شخص واحد.»
«مين؟»
«أبوك.»
اتسعت عيني.
«أبويا؟»
هز رأسه.
«والدك ما اختفاش زي ما قالولك.»
«أمال فين؟»
حسن سكت.
«حسن، فين أبويا؟»
رفع عينه لي.
«آخر مرة شوفته… كان لسه عايش.»
شهقت.
«إنت شوفته؟»
«من خمس سنين.»
«ليه ماقولتش لي؟»
«لأني ماكنتش متأكد إنك آمنة.»
«فينه دلوقتي؟»
قبل ما يرد، رن هاتفه.
نظر للشاشة.
تغيرت ملامحه.
«مين؟»
رد.
سكت ثواني.
ثم قال:
«متأكد؟»
صمت.
«ابعت الموقع.»
قفل الهاتف.
قلت:
«إيه اللي حصل؟»
بص لي.
«لقوا أبوكي.»
قلبي توقف.
«فين؟»
«في مستشفى حكومي في الجيزة.»
وقفت بسرعة.
«لازم نروح له.»
حسن أمسك ذراعي.
«ليلى، اسمعيني.»
«أبويا عايش!»
«هو مش بخير.»
«مش مهم!»
«المكان ممكن يكون فخ.»
«أنا مش هسيبه.»
نظر لي طويلاً.
ثم قال لسالم:
«جهز العربية.»
بعد أقل من خمس دقائق، كنا في الطريق.
لكن قبل ما نوصل المستشفى، وصل لحسن اتصال جديد.
سمعناه يقول:
«اتكلم.»
ثم سكت.
وجهه تحول إلى شيء لم أره من قبل.
قال:
«إيه؟»
صمت.
ثم أغلق الهاتف.
سألته:
«حسن؟»
ما ردش.
«قول لي.»
نظر لي.
وقال:
«المستشفى اتحاصرت.»
قلبي وقع.
«بواسطة مين؟»
قال:
«رجالة الدمنهوري.»
ثم نظر في عيني.
«وفي رسالة وصلتني دلوقتي.»
«إيه هي؟»
أخذ نفسًا عميقًا.
«قالوا إن لو دخلت المستشفى، والدك هيموت.»
سكت لحظة.
ثم أضاف:
«لكنهم مايعرفوش إن عندي طريقة تانية للدخول.»
بصيت له.
«إيه هي؟»
ابتسم لأول مرة، لكن ابتسامته كانت مخيفة
«هنخليهم يفتكروا إننا ماجينا.»
وفي نفس اللحظة، أدركت إن الرجل اللي أنقذني من المطر لم يكن مجرد رجل قوي.
كان أخطر من كل اللي يطاردوني.
وكان مستعدًا أخيرًا يكشف لهم…
ليه اختار يحميني.
الجزء الرابع والأخير
وصلنا المستشفى من المدخل الخلفي، من غير ما أي حد من رجالة الدمنهوري يحس بينا.
حسن كان ماشي قدامي، وسالم ورجاله موزعين في المكان.
وصلنا للأوضة اللي فيها أبويا.
فتح حسن الباب.
وأول ما دخلت، وقفت مكاني.
راجل كبير، وشه شاحب، جسمه ضعيف، وأجهزة كتير متوصلة بيه.
لكن أول ما شافني، عينيه اتملت دموع.
همس:
«ليلى؟»
جريت عليه.
«بابا!»
حضنته وأنا بعيط.
«إنت عايش… ليه سبتني؟»
إيده المرتعشة لمست شعري.
«ماكنتش سايبك… كنت بحميكي.»
«من مين؟»
بص ناحية حسن.
وبعدين قال:
«منهم.»
حسن قرب.
«قول لها كل حاجة.»
أبويا أخذ نفسًا بصعوبة.
«أمك ما ماتتش في حادث.»
دموعي نزلت.
«أنا عارفة.»
«كانت معاها أدلة تدين الدمنهوري… لكن قبل ما تقدر تسلمها للشرطة، عرفوا مكانها.»
«وحصل إيه؟»
«آذوها.»
شهقت.
«وأنا؟»
«أخدتك وهربت بيكي.»
«ليه اختفيت؟»
«لأنهم هددوني بيكي.»
سكت لحظة.
ثم قال:
«كنت فاكر إن لو اختفيت، هسيبوكي تعيشي.»
بصيت لحسن.
«وهو؟»
أبويا ابتسم بحزن.
«حسن كان أصغر من إنه يفهم وقتها، لكنه كان الوحيد من عيلته اللي والدتك وثقت فيه.»
حسن سكت.
«ليه؟»
أبويا قال:
«لأن والدتك كانت عارفة إن حسن مختلف عن عيلته.»
بصيت له.
لأول مرة، شفت في عينيه ألمًا قديمًا.
قبل ما أقدر أتكلم، دوّى صوت رصاص خارج الغرفة.
سالم صرخ:
«دخلوا!»
حسن وقف قدامي فورًا.
«خدي أبوكي واستخبي.»
«وأنت؟»
«هخلص الموضوع.»
مسكت إيده.
«ماتموتش.»
نظر لي للحظة.
وقال:
«وعد.»
خرج.
اشتعلت المواجهة في ممرات المستشفى.
أصوات خطوات.
رصاص.
صراخ.
ثم ظهر طارق عند باب الغرفة.
كان ماسك سلاحه.
ابتسم.
«خلصت الحكاية يا ليلى.»
وقفت قدام أبويا.
«مش هتلمسني.»
ضحك.
«أنتِ فاكرة إن حسن هيقدر يحميكي طول العمر؟»
جاء صوت من خلفه:
«لا.»
طارق لف.
حسن كان واقف.
«أنا مش هحميها طول العمر.»
رفع سلاحه.
«أنا هخلي محدش يحتاج يحاول يقرب منها أصلًا.»
طارق رفع سلاحه.
لكن قبل ما يطلق، سالم ظهر وضربه في إيده.
وقع السلاح.
رجال حسن قبضوا عليه.
أما حسن، فاتجه نحوي.
«إنتِ كويسة؟»
هزيت رأسي.
ثم قلت:
«أيوه.»
في اللحظة دي، دخلت الشرطة.
كنت فاكرة إن حسن هيهرب.
لكنه وقف مكانه.
أحد الضباط قال:
«حسن المنصوري.»
حسن بص له.
«أيوه.»
«عندنا أوامر بالقبض على طارق الدمنهوري، وأفراد من عيلته… لكن أنت كمان مطلوب للتحقيق.»
اتوترت.
حسن بص لي.
ثم مد إيديه للضابط.
«خدني.»
صرخت:
«حسن!»
ابتسم لي.
«أنا وعدتك إني مش هموت.»
«بس…»
«وعدي التاني إني هرجع.»
بعد أسابيع من التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة.
الأدلة اللي كانت مخبيها أمي أسقطت شبكة الدمنهوري.
طارق اعترف بكل حاجة.
وفؤاد الدمنهوري انتهى نفوذه.
أما حسن، فثبت إنه رغم علاقته بعالم الجريمة، لم يشارك في إيذاء أمي، بل كان هو الشخص الذي ساعد في كشف الشبكة.
وبعد شهور…
خرج حسن.
كنت مستنياه قدام باب السجن.
أول ما ظهر، قلبي دق بسرعة.
وقف قدامي.
ماقالش حاجة.
بس بص لي.
قلت:
«اتأخرت.»
ابتسم.
«كان عندي شوية شغل.»
ضحكت وسط دموعي.
«وحشتني.»
سكت.
ثم قال:
«وأنتِ؟»
«أنا إيه؟»
«وحشتك؟»
هزيت رأسي.
«أكتر مما تتخيل.»
اقترب خطوة.
ثم توقف.
نفس الطريقة اللي عملها أول ليلة.
ما لمسنيش.
مد إيده فقط.
«المرة دي، الاختيار ليكي.»
بصيت لإيده.
ثم حطيت إيدي فيها.
شد على إيدي برفق.
وقال:
«من يوم ما لقيتك ورا صندوق الزبالة، وأنا عارف إن حياتي مش هترجع زي الأول.»
ابتسمت.
«وأنا من يوم ما شفتك، كنت فاكرة إنك أخطر رجل قابلته في حياتي.»
«وطلعت؟»
رفعت عيني له.
«طلعت أحن راجل قابلته.»
ضحك للمرة الأولى من قلبه.
وبعد سنة، وقفنا في نفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية.
لكن ماكانش فيه مطر.
ولا خوف.
ولا دم.
كان فيه نور.
وحسن واقف جنبي، ماسك إيدي.
وبص للشارع وقال:
«فاكرة أول مرة لقيتك هنا؟»
ابتسمت.
«إزاي أنسى؟»
قال:
«وقتها كنت فاكر إني أنقذتك.»
سألته:
«وأنت شايف إيه دلوقتي؟»
بص في عيني.
«إنتِ اللي أنقذتيني.»
لأول مرة، ماكانش حسن المنصوري زعيمًا يخشاه الجميع.
كان مجرد رجل وجد المرأة التي جعلته يختار الحياة بدل الحرب.
أما أنا…
فماعدتش البنت اللي اتخبّت ورا صندوق زبالة وهي فاكرة إن الدنيا كلها ضدها.
بقيت الست اللي وقفت قدام ماضيها، عرفت الحقيقة، ونجت.
والرجل اللي بدأ قصتي بجملة:
«أنا مش هلمسك.»
أنهى حكايتي بجملة واحدة:
«أنا مش هسيب إيدك تاني.»
وهكذا انتهت الحرب…
وبدأت حياتنا.




