روايات وقصص

الترابيزة رقم 17#حكايات_شروق_خالد

كنت بقطع الفراخ لبنتي بكل هدوء، لما مدير المطعم وقف جنب ترابيزتنا وقال:
“الناس اللي زيكم مكانهم مش هنا في الجزء ده.”
بنتي اللي عندها تمان سنين رفعت عينها وبصتلي:
“بابا… هو إحنا عملنا حاجة غلط؟”
حافظت على هدوء صوتي وقلت:
“لا يا فريدة.”
وبعدها، مديرة المطعم طلبت الأمن.
كانت فاكرة إن الراجل المرهق اللي لابس جزمة شغل قدامه دقيقتين بالظبط قبل ما يتم طرده برة.
عشان كده بعتّ رسالة واحدة لإدارة الشركة.
اللي ما كانتش تعرفه، إني ما كنتش مجرد زبون عادي.
أنا كنت صاحب الشركة نفسها والمساهم الأكبر فيها.
والرسالة اللي بعتها كانت هتخلي الدقيقتين الجايين أطول دقيقتين في حياتها المهنية كلها.
أنا اسمي طارق.
بعد تلات سنين من وفاة مراتي، المطاعم الفخمة والغالية كانت أخر مكان ممكن أفكر أقضي فيه سهرتي.
بس في يوم الجمعة ده، بنتي “فريدة” جابت درجات نهائية في شهادتها.
وهي اختارت المطعم ده بالذات في القاهرة.
فعشان كده بعد يوم شغل طويل، عدّيت أخدتها وأنا لابس بنطلون جينز، وجزمة شغل، وجاكيت قديم.
ما كلفتش نفسي حتى أغير هدومي.
واتضح إن الموضوع ده كان ليه تأثير كبير.
المطعم ده كان واحد من خمسطاشر مطعم مملوكين لشركتنا للضيافة والمطاعم.
وأنا كنت صاحب حصة الأغلبية والتحكم في الشركة دي.
أغلب الموظفين كانوا يعرفوا اسمي.
بس قليلين جدًا اللي كانوا يعرفوا وشي.
وده كان بقصد مني.
بعد وفاة مراتي، بعدت عن الظهور والمناسبات العامة، وسبت المديرين المحترفين يديروا الشغل اليومي، عشان أفرغ نفسي كليًا لـ “فريدة”.
بس من شهرين، بدأت الإدارة العامة للشركة تستلم شكاوى غريبة عن الفرع ده.
عائلات بيتم نقلهم من أفضّل الترابيزات بحجة إنهم “مش مناسبين للجو العام للمكان”.
ويترات بيتم الضغط عليهم عشان يركزوا بس مع الزباين اللي بيلبسوا غالي ويطلبوا أكل ومشروبات مبالغ في سعرها.
وزباين بيتم التقييم والمعاملة معاهم بناءً على هدومهم قبل حتى ما حد يبص في حجزهم.
عشان كده قررت أزور الفرع ده من غير أي إنذار أو ترتيب مع حد.
أنا وفريدة قعدنا في الترابيزة رقم سبعطاشر.
كان فيه سبع ترابيزات جنبنا فاضيين تمامًا.
كل حاجة كانت ماشية طبيعي، لحد ما المديرة بدأت تلاحظ وجودنا وتركّز معانا.
بحقت في جزمتي.
وبعدين في الجاكيت.
وبعدين في ألوان الشمع بتاعة فريدة اللي كانت مفرودة على الترابيزة.
وفي الآخر، قربت مننا.
“يا فندم، إحنا محتاجين الترابيزة دي.”
بصيت حواليا وقلت:
“عشان إيه؟”
“القسم ده مخصص للزباين المميزين (الـ VIP).”
“بس إحنا حاجزين الترابيزة دي.”
“المشكلة مش في الحجز.”
“لأ أومال المشكلة في إيه؟”
عينها نزلت لبستي ومظهري.
فهمت كل حاجة في نفس اللحظة.
فريدة وقفت تلوين.
المديرة وّطت صوتها وقالت:
“الناس اللي زيكم في العادة بيفضلوا يقعدوا في الصالة الرئيسية جوة وبيكونوا مرتاحين أكتر هناك.”
حطيت الشوكة بالراحة على الترابيزة.
“ناس زينا إزاي يعني؟”
ملامح وشها اتشنجت.
“يا فندم، من فضلك بلاش تصعّب الموضوع.”
فريدة قربت مني وهمست:
“بابا… هو إحنا عملنا حاجة غلط؟”
دي كانت اللحظة اللي طاقاتي وصبري فيها انتهوا تمامًا.
بس ما أظهرتش ده.
أنا اتعلمت من زمان إن أهدى واحد في الأوضة هو أكتر واحد شايف كل حاجة بتحصل بوضوح.
ابتسمت لفريدة وقلت:
“لا يا حبيبتي، أنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط.”
المديرة اتنهدت بضيق:
“تقدروا تخلصوا الحلو بتاعكم، وبعدها محتاجة حضراتكم تتفضلوا تمشوا.”
بصيت على الكارنيه المكتوب فيه اسمها:
“منة… المديرة العامة؟”
“أيوه.”
“وأنتِ بتطلبي من زبون دافع فلوس إنه يمشي لمجرد إن شكله مش عاجبك؟”
“أنا بحافظ على مستوى ومعايير المطعم.”
بصيت حواليا..
ما كانش فيه أي زبون بيشتكي.
محدش كان متضايق غير منة بس.
وبعدين شاورت بإيدها ناحية الباب.
اثنين من أفراد الأمن بدأوا يقربوا ناحيتنا.
منة ابتسمت بثقة وقالت:
“أفتكر كده كلامنا خلص.”
مسكت تلفوني.
هي طبعًا افتكرت إني داخل أكتب شكوى أونلاين.
بس أنا بدال ده، فتحت التطبيق المخصص للإدارة التنفيذية في الشركة وكتبت جملة واحدة:
المطعم. الترابيزة 17. هاتوا ملف التفتيش بتاع النهاردة والموارد البشرية (HR) وتعالوا فورًا.
وقفلت التليفون.
منة شالت إيديها وقالت بثقة:
“قدامك دقيقتين بالظبط.”
بصيت ناحية الباب الرئيسي وقلت:
“وأنتِ كمان.”
ابتسامتها اختفت فورًا.
#حكايات_شروق_خالدقبل ما الدقيقتين يخلصوا، باب المطعم الرئيسي اتفتح ودخل منه راجل بالبدلة شايل شنطة جلد، ووراه رئيس قطاع الموارد البشرية والمحامي الرئيسي للشركة هما الاثنين بينهجوا وبيجروا.
منة أول ما شافتهم اتسد دمها، وشها اصفرّ تماماً وقالت بذهول: “استاذ سامح؟ الأستاذ عبد الله؟ حضراتكم بتعملوا إيه هنا؟!”
ما كملتش الكلمة، وكان الثلاثة واقفين قدام الترابيزة رقم سبعطاشر، وبصوت واحد وطّوا راسهم وقالوا بثبات: “مساء الخير يا طارق بيه.”
منة اتصدمت وقدميها ما بقتش شايلاها، بصتلي بعيون واسعة ومش مصدقة: “طـ… طارق بيه؟!”
مسحت بوقي بالمنديل بكل هدوء وقلت للمحامي: “أستاذ عبد الله، المديرة هنا كانت بتقول إن اللبس بتاعي مش عاجبها، وإن وجودي أنا وبنتي بيقلل من مستوى المكان.”
المحامي فتح الشنطة وطلع ملف كامل ورماه على الترابيزة قدامها وقال بجدية وصرامة: “منة… إحنا جايين ومستنيين الموقف ده بالذات. الملف ده فيه 11 شكوى رسمية في خلال الشهرين اللي فاتوا من زباين اتعاملتي معاهم بنفس الأسلوب وطردتيهم عشان مظهرهم مش عاجبِك، غير تجاوزات تانية في أسلوب الإدارة.”
منة بدأت تترعش وتتكلم بتلجلج: “أنا… أنا كنت بحافظ على اسم المكان بس.. والله ما كنت اعرف إن حضرتك صاحب الشركة!”
بصيت لها بحدّة وقلت بصوت واطي بس يرعب: “المشكلة مش إنك ما عرفتيش إني صاحب الشركة… المشكلة إنك افتكرتيني زبون عادي بسيط، وقررتي تتعاملي معاه بقلة أدب وتبلي. المطاعم دي اتفتحت عشان تفرح الناس وتخدمهم، مش عشان أشكال زيِّك تتكبر عليهم.”
سامح بتاع الـ HR طلع الورق فوراً وقال: “منة… أنتِ مطرودة فوراً من دقيقة واحدة، وبدون أي مستحقات أو مكافآت، وفيه تحقيق مفتوح لمعرفة كل التجاوزات المالية والإدارية اللي عملتيها.”
فرد الأمن اللي كانوا وافقين عشان يطردوني، لفّوا فوراً ومسكوا منة من ذراعها وأخدوها لبرة المطعم وسط ذهول كل الويترات والزباين اللي بدأوا يسقفوا لما فهموا اللي حصل.
بصيت لفريدة وابتسمت، ومسكت إيدها وقلت: “شفتي يا حبيبتي؟ حقك بيرجع فوراً، وأهم درس تتعلميه.. إن القيمة الحقيقية للبني آدم في أصل وأخلاقه، مش في الهدوم اللي لابسها.”
فريدة ضحكت وحضنتني، وقضينا باقي السهرة ونزل أكل تاني مخصوص لينا، ومن اليوم ده اتغيرت كل سياسات الشركة لضمان إن مفيش أي زبون يتعامل بقلة احترام تاني.
#حكايات_شروق_خالدمرت السنين، والموقف ده ساب أثر ما يتنسيش في قلب فريدة. كانت كل ما تكبر، تشوف فييا القدوة اللي بتعلمها يعني إيه تواضع ويعني إيه عدل، وعرفت إن القوة الحقيقية مش في السلطة، لكن في حماية الغلبان وجبر الخواطر.
لما فريدة تخرجت من الجامعة بامتياز، ما طلبتش مني عربية جديدة ولا سفريات، طلبت مني طلب واحد بس:
“بابا… أنا عايزة أستلم إدارة سلسلة المطاعم دي.”
ابتسمت ووافقت فوراً؛ لأني كنت عارف إن روحها الحلوة وأخلاقها هما اللي هيحافظوا على اسم الشركة حقيقي.
أول قرار أخدته فريدة لما مسكت الإدارة، كان قرار أذهل الكل. عملت بند رئيسي في لائحة المطاعم ممنوع تجاوزه: “كل العاملين في المطعم—من أول عامل النظافة لغايت المدير العام—التعامل مع أي زبون يدخل المكان هيكون بنفس الاحترام والتقدير، مهما كان مظهره أو لبسه أو هئته.”
مش بس كده، دي خصصت يوم في الأسبوع في كل فرع، بيستقبلوا فيه العائلات البسيطة وأطفال الأيتام بوجبات مجانية وعلى أعلى مستوى من الخدمة، عشان تحسسهم إنهم مفيش فرق بينهم وبين أي حد تاني.
في ليلة افتتاح فرع جديد للشركة في الإسكندرية، كانت القاعة مليانة ببار كبار رجال الأعمال والإعلاميين. فريدة وقفت على المسرح، وبصتلي وأنا قاعد في أول صف لابس نفسي الجاكيت القديم اللي بحبه، ومسكت المايك وقالت بصوت مسموع للكل:
“النجاح اللي أحنا فيه النهاردة مش بفضل إدارة شاطرة ولا فلوس كتير… النجاح ده بدايته كانت من ترابيزة رقم سبعطاشر في فرع القاهرة من سنين، لما أبويا علمني إن القيمة الحقيقية للبني آدم هي إنسانيته وأخلاقه، مش هدومه ولا جيبه.”
القاعة كلها قامت وقفت وسقفت بحرارة، وأنا دموع الفرحة اتجمعت في عيني.
ساعتها عرفت إن أعظم استثمار عملته في حياتي ما كانش في المطاعم ولا في الأسهم… كان في بنتي اللي كبرت وبقت سند وحماية لكل مظلوم.
#حكايات_شروق_خالد

الترابيزة رقم 17
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى