روايات وقصص

جوزي غرقنا في النيل… حكايات شروق خالد

وبعدين قال حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي أكتر من ميه النيل:

«النهارده هو ما كانش بيحاول يقتلك بس عشان اللي إنتِ تملكيه… هو كان بيكمل شغل أبوه اللي بدأه مع بابا وماما.»

الليلة دي، فهمت إن جوازي كله ممكن يكون كذبة.

لكن لسه ما كنتش أعرف إن أسوأ حاجة مش إن كريم حاول يغرقني.

أسوأ حاجة كانت لما اكتشفت إيه اللي كان بيحطه في جسمي من غير ما أعرف طوال التلات سنين اللي فاتوا.

ما كنتش مصدقة اللي كنت على وشك أسمعه…

حكايات شروق خالد

ما كنتش مصدقة اللي كنت على وشك أسمعه…

يوسف فضل ساكت ثواني، وهو بيحاول ياخد نفسه. هدومه كانت مبلولة، ووشه شاحب، لكن عينيه كانوا ثابتين بشكل خوّفني.

قلتله وأنا بترعش:

— إيه اللي كريم كان بيحطه في جسمي؟

يوسف بص حوالين المكان، وبعدها قرب مني وقال بصوت واطي:

— قبل ما أقولك، لازم تفهمي حاجة… إحنا لسه مش في أمان.

— كريم فاكر إننا موتنا.

— بالضبط.

طلع من جيبه جهاز صغير مقاوم للمياه، وفتحه. ظهرت عليه مجموعة صور وتقارير.

ناولني واحدة منهم.

كانت باسمي.

تقارير تحاليل طبية من مستشفى في القاهرة.

قريت أول سطر، وبعده حسيت إن إيدي بدأت ترتعش.

— دي تحاليل إيه؟

يوسف قال:

— تحاليل الكبد والكلى والدم.

بصيتله باستغراب.

— وأنا عمري ما عملت التحاليل دي.

— عملتيها… بس من غير ما تعرفي.

سكت لحظة، وبعدين كمل:

— من أول سنة في جوازك، كريم كان بيحط مادة معينة في المشروبات اللي بيقدمها لك.

حسيت بمعدتي اتقلبت.

— مادة إيه؟

— جرعات صغيرة جدًا. ما تقتلكيش بسرعة. لكن مع الوقت كانت بتضعف جسمك وتعمل أعراض شبه مرض مزمن.

حطيت إيدي على بقي.

افتكرت كل حاجة.

الدوخة.

الصداع.

الإرهاق المستمر.

الوجع اللي كان بييجي فجأة في بطني.

كل مرة كنت أقول لكريم:

“حاسّة إني مش قادرة.”

كان يرد عليا بحنان مصطنع:

“إنتِ بس بتشتغلي كتير.”

كنت بصدقه.

كنت بصدق الراجل اللي كان كل ليلة يقعد جنبي ويعمل لي اللبن الدافي.

بصيت ليوسف.

— يعني اللبن…

هز راسه.

— أيوه.

حسيت بدموعي بتنزل.

— يا نهار أسود…

يوسف مسك كتفي.

— ندى، اسمعيني كويس. الجرعات اللي كان بيديها لك كانت محسوبة عشان تضعفك، لكن ما تقتلكيش بسرعة. كان عايز الناس تصدق إنك مريضة، وبعدها…

— وبعدها إيه؟

سكت.

صرخت:

— قول!

قال بصوت مبحوح:

— بعد ما حالتك تسوء، كان هيخليكي توقعي على توكيلات وإقرارات وإنتِ مش في كامل تركيزك.

بصيتله كأني مش فاهمة.

— توكيلات لشركتنا؟

— مش بس الشركة.

فتح ملف تاني.

— أملاك بابا وماما.

اتجمدت.

— بس الأملاك دي باسمي أنا ويوسف.

— كان فيه أوراق قديمة.

— إيه الأوراق؟

يوسف بص في عيني.

— ورقة تنازل مزورة باسم بابا.

سكتنا.

صوت الميه وهي بتخبط في الأعمدة كان هو الصوت الوحيد حوالينا.

قلت:

— إزاي؟

يوسف رد:

— لأن بابا وماما قبل ما يموتوا بأيام اكتشفوا إن شريكهم القديم، والد كريم، كان بيسرق من الشركة.

بدأت الصورة تتجمع في دماغي.

— وعشان كده حصل الحادث؟

يوسف هز راسه.

— العربية اتخبطت من ورا قبل ما تقع في الترعة.

— ترعة؟

— أيوه. إحنا كنا راجعين من اجتماع. العربية اتدفعت من الطريق.

بصيتله.

— وإنت كنت صاحي؟

— كنت عندي سبع سنين.

— إزاي فاكر؟

قال:

— مش فاكر كل حاجة. لكن فاكر صوت بابا وهو بيصرخ. وفاكر راجل فتح باب العربية قبل ما تغرق.

— مين؟

يوسف سكت.

— مين يا يوسف؟

طلع من جيبه صورة قديمة.

الصورة كانت مهزوزة ومش واضحة، لكن ظهر فيها بابا وماما ورجل تالت واقف جنبهم.

أول ما شوفته، قلبي وقع.

— ده…

يوسف قال:

— والد كريم.

فضلت باصة للصورة.

— يعني كان معاهم قبل الحادث؟

— مش بس كان معاهم.

يوسف قرب الصورة مني.

— هو اللي رتب الاجتماع اللي رجعنا منه.

سكت.

وبعدين سألته:

— طب إنت عرفت كل ده إمتى؟

ابتسم ابتسامة حزينة.

— بعد الحادث بسنتين.

— سنتين؟

— أيوه.

— وإنت كنت طفل!

— كنت طفل، لكن ما كنتش غبي.

وبعدين قال:

— لما بدأت أتحرك من جديد، اكتشفت إن فيه ناس بتراقبني.

اتسعت عيني.

— عشان كده مثلت إنك مش قادر تمشي؟

— عشان أحميكي.

— وتحمي نفسك؟

— لأ… أحمي الحقيقة.

سألته:

— ليه ما قلتليش؟

— لأن كل مرة كنت بحاول أقرب منك، كان فيه حد بيراقبك.

سكت شوية، وبعدها قال:

— ولما كريم دخل حياتك، عرفت إن الخطة بدأت من جديد.

مسحت دموعي.

— يعني هو اتجوزني عشان الشركة؟

— عشان كل حاجة.

— طب منار؟

يوسف بص بعيد.

— منار مش مجرد عشيقته.

قلبي دق بعنف.

— أمال إيه؟

— شريكته.

ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.

— أختي؟

— أختك كانت عارفة.

حسيت إن رجلي ما عادوش شايليني.

قعدت على الأرض.

— كانت عارفة إنه بيقتلني؟

يوسف قال:

— كانت عارفة إنك لازم تختفي.

— ليه؟

— لأن فيه وصية بابا.

رفعت عيني بسرعة.

— وصية؟

— بابا كتب وصية قبل موته بأيام. ولو حصل له ولأمي أي حاجة، السيطرة على معظم الأملاك هتفضل ليكي لحد ما تكملي سن معين وتديري الشركة بنفسك.

— طب وإنت؟

— أنا كنت وريث تاني، لكن بما إني كنت قاصر وقتها، الوصاية كانت هتروح لأحد أقاربنا.

سألته:

— مين؟

قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية فوق الرصيف.

يوسف اتجمد.

— حد جاي.

طفينا الجهاز بسرعة.

وسمعنا صوت خطوات.

واحد.

اتنين.

تلاتة.

وبعدين صوت كريم.

— دوروا كويس.

قلبي وقف.

يوسف قرب مني وحط إيده على بقي.

— ما تطلعيش صوت.

سمعت كريم بيقول:

— العربية غرقت، لكن أنا مش مقتنع إنهم ماتوا.

صوت رجل رد:

— مستحيل يكونوا خرجوا.

كريم قال:

— يوسف كان عنده مشكلة في رجليه. وندى ما كانتش هتعرف تخرج لوحدها.

ابتسم.

— بس أنا عارف أختي.

منار.

صوتها جه من بعيد:

— ندى عمرها ما بتستسلم بسهولة.

قربت الخطوات.

يوسف همس:

— لو دخلوا هنا، هنضطر نطلع من الناحية التانية.

بصيتله.

— وفيه ناحية تانية؟

— فيه نفق صيانة.

— بيوصل لفين؟

— لورشة قديمة بتاعة بابا.

اتسعت عيني.

— الورشة اللي اتقفلت من 15 سنة؟

— هي.

بدأنا نتحرك ببطء.

لكن فجأة سمعنا صوت من فوق:

— أنا سامع حركة!

يوسف شدني.

جرينا في الممر الضيق.

ورانا أصوات رجال بتجري.

خرجنا من فتحة صغيرة، ولقينا نفسنا في شارع جانبي بعيد عن الكورنيش.

يوسف وقف عربية قديمة كانت مركونة هناك، وفتح الباب.

— اركبي!

ركبت، وهو انطلق بسرعة.

طول الطريق ما اتكلمناش.

لحد ما وصلنا لمكان قديم مهجور.

نزل يوسف، وفتح باب حديدي بمفتاح صغير.

دخلنا.

الورشة كانت مليانة تراب، لكن في منتصفها مكتب قديم.

يوسف راح ناحيته، ورفع درج مكسور.

طلع صندوق حديد.

فتح الصندوق.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى