
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— وبيفتكركش أمه.
قلبي اتكسر للمرة التانية.
لكن المرة دي…
كان قدامي فرصة أصلحه.
لأني بعد 12 سنة من الحزن، عرفت أخيرًا الحقيقة.
ابني ماكانش ميت.
كان عايش.
لكن السؤال الأصعب كان لسه مستنيني:
ليه عيلتي سرقته مني؟
وليه أختي، اللي وقفت قدام 300 شخص وقالت إنها حامل من جوزي، كانت عارفة الحقيقة دي من البداية؟
حكايات شروق خالد
اتصلت بالرقم اللي كان مكتوب على الورقة، لكن إيدي كانت بترتعش لدرجة إني ماقدرتش أدوس على زر الاتصال.
كنت خايفة.
مش من إن ابني يطلع مش موجود.
كنت خايفة من حاجة أصعب…
إنه يكون موجود فعلًا، وإن 12 سنة من عمري يكونوا اتسرقوا مني بإرادة ناس أنا كنت بعتبرهم عيلتي.
بصيت لعماد.
— عايزة أعرف كل حاجة… من الأول.
تنهد، وقعد على أقرب كرسي.
— اللي حصل بدأ قبل الحادثة بأيام. جوزك كان عليه ديون كبيرة، وأختك كانت عارفة. الاتنين كانوا بيحاولوا يلاقوا طريقة يخرجوا بيها من الأزمة.
بصيت لجوزي.
— وإيه علاقة ابني؟
ماقدرش يرفع عينه في عيني.
عماد كمل:
— يوم الحادثة، الدكتور قال إن الطفل اتولد حي، لكنه كان ضعيف جدًا. في نفس الليلة، جوزك وقّع على أوراق خلت الطفل يخرج من المستشفى باسم مختلف.
صرخت:
— ليه؟
عماد بصلي بحزن.
— لأن حد دفع فلوس.
سكت.
— مين؟
عماد حط قدامي صورة قديمة لرجل.
— الراجل ده كان بيدور على طفل يتبناه بعيد عن القاهرة. وكان مستعد يدفع مبلغ كبير.
قلبي اتقبض.
— وجوزي باعه؟
ماجاوبش.
لكن السكوت كان كفاية.
لفيت ناحية جوزي.
— بعت ابني؟
بدأ يبكي.
— أنا كنت مديون… وكنت غبي…
ضحكت وأنا بعيط.
— غبي؟
ضربت بإيدي على الطاولة.
— إنت ماكنتش غبي! إنت كنت عارف إنك بتاخد مني ابني!
أختي كانت بتبكي في صمت.
بصيت لها.
— وإنتِ؟
رفعت عينيها.
— أنا عرفت بعدين.
— إمتى؟
— بعد حوالي سنة.
— وسكتي؟
انهارت.
— كنت خايفة.
— خايفة من إيه؟
— إنك تعرفي وتاخدي ابنك… وتفضحينا.
بصيت لها للحظات.
— يعني فضلتِ ساكتة 11 سنة عشان تحافظي على نفسك؟
ماعرفتش ترد.
قمت من مكاني.
— أنا مش هسامحكم.
جوزي حاول يمسك إيدي.
سحبتها بسرعة.
— ماتلمسنيش.
خرجت من القاعة وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
لكن المرة دي ماخرجتش منهارة.
خرجت وأنا عندي هدف واحد.
ابني.
في اليوم التالي، سافرت للإسكندرية.
عماد كان معايا.
وقفنا قدام بيت بسيط في شارع هادي.
قلبي كان بيخبط بعنف.
— متأكدة؟
بصيت للباب.
— أنا مستنية اللحظة دي 12 سنة.
خبطت.
فتحت لنا ست في أواخر الخمسينات.
بصت لي باستغراب.
— حضرتك مين؟
حاولت أتكلم، لكن صوتي اختفى.
عماد قال:
— إحنا جايين نسأل عن شاب اسمه ياسين.
الست اتغير لون وشها.
— ياسين؟
هزيت راسي.
— هو هنا؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— ابني جوه.
كلمة “ابني” وجعتني.
لكنني تماسكت.
دخلت.
وبعد ثواني سمعت خطوات جاية من آخر الممر.
ظهر شاب في الثانية عشرة تقريبًا.
طويل شوية.
شعره أسود.
وعينيه…
عينيه كانوا نفس عيني.
وقف قدامي.
بصلي باستغراب.
— حضرتك مين؟
ماقدرتش أرد.
عماد قرب مني.
— قولي له.
دموعي نزلت.
— أنا…
اتنفست بصعوبة.
— أنا أمك.
الشاب ضحك ضحكة صغيرة مرتبكة.
— أمي؟
هزيت راسي.
— آه.
الست اللي ربته بدأت تبكي.
أما هو ففضل واقف مكانه.
واضح إنه مش فاهم.
قربت منه ببطء.
— أنا مش جاية أخدك غصب عنك.
سكت.
— أنا بس جاية أقولك إنك كنت طول عمرك محبوب… وإن أمك الحقيقية عمرها ما نسيتك يوم.
سألني:
— ليه سيبتيني؟
السؤال دخل في قلبي زي السكينة.
نزلت على ركبتي قدامه.
— أنا ما سبتكش.
وبكيت.
— قالولي إنك مت.
فضل ساكت.
وبعد لحظة، قرب خطوة.
— يعني إنتِ بجد أمي؟
حطيت إيدي على خده.
— بجد.
وفجأة حضني.
اللحظة دي كانت أكبر من كل اللي حصل في حياتي.
فضلت ماسكاه وأنا بعيط، وهو كمان كان بيبكي من غير ما يفهم كل التفاصيل.
بعد أيام، ظهرت الحقيقة كاملة.
التحاليل أثبتت إن ياسين ابني فعلًا.
والست اللي ربته ماكنتش شريكة في الجريمة؛ كانت فاكرة إنه طفل متروك للتبني بطريقة قانونية، وماعرفتش الحقيقة إلا بعد سنوات.
أما جوزي وأختي…
فبدأت ضدهم إجراءات قانونية.
جوزي خسر شغله وبيته وكل حاجة.
وأختي اضطرت تواجه الناس بالحقيقة اللي حاولت تدفنها سنين.
أما أنا، فطلبت الطلاق.
مش عشان أختي حملت منه.
ولا عشان خيانته.
لكن عشان الرجل اللي كنت متجوزاه 12 سنة، أثبت لي إنه قادر يبيع أغلى حاجة في حياتي، وبعدين يخليني أعيش وأنا فاكرة إنها ماتت.
بعد شهور، بدأت علاقتي بياسين تكبر يوم بعد يوم.
ماحاولتش أجبره يناديني “ماما”.
سيبته يختار بنفسه.
وفي يوم، كنا قاعدين سوا في البلكونة.
بصلي وقال:
— ماما؟
قلبي وقف.
لفيت له.
— نعم؟
ابتسم.
— ممكن تحكيلي عن أول يوم اتولدت فيه؟
ضحكت وسط دموعي.
— أحكيلك كل حاجة.
مسك إيدي.
— أنا كنت مستنيكي.
ضميته ليا.
وفي اللحظة دي فهمت إن بعض الجروح ما بتختفيش.
لكن ممكن تتحول لندبة تذكّرك إنك نجوت.
بعد 12 سنة، رجع ابني.
والحقيقة ظهرت.
أما أختي وجوزي، فاكتشفوا إن أكبر غلطة عملوها ماكانتوش إنهم خانوني…
كانت إنهم افتكروا إنهم يقدروا يدفنوا الحقيقة للأبد.
لأن الحقيقة ممكن تتأخر.
ممكن تتوجع.
ممكن تختفي سنين.
لكن في الآخر…
بتعرف طريقها للظهور.
في حفلة ذكرى زواجي العاشرة…
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



