
الساعة كانت 2:47 العصر، في يوم شتوي رمادي، لما كان آدم المنصوري واقف قدام شاشة اللابتوب وبيتفرج على ملفات شركته وهي بتختفي قدام عينيه.
18 سنة من الشغل كانت بتختفي ملف ورا ملف.
وفي نفس اللحظة، كانت مريم الشناوي، موظفة عندها 26 سنة، داخلة القاعة بصينية عليها أطباق ما حدش لمسها.
لكن مريم لاحظت حاجة محدش غيرها لاحظها.
اللابتوب ما كانش بايظ.
حد كان بيحاول يوقف النظام عمدًا.
مريم عرفت النمط ده لأنها شافته قبل كده…
من سبع سنين.
في اليوم اللي حصلت فيه مشكلة تقنية كبيرة في الجامعة واتقال إنها السبب، رغم إنها ما عملتش أي حاجة.
حوالين ترابيزة آدم الخاصة، كان فيه رجال أعمال كبار واقفين وقلقانين.
صفقة عقارية ضخمة كانت على وشك التأخر.
رئيس الأمن كان بيطلب يقفلوا المبنى احتياطي.
وخبير التكنولوجيا كان بيكرر:
«لازم نشيل الهارد فورًا قبل ما الجهاز يفصل نهائيًا.»
مريم وقفت عند باب الخدمة.
كان المفروض تمشي.
لكنها ما قدرتش.
حطت الصينية على أقرب ترابيزة وقالت:
«أنا عارفة إيه اللي بيوقف الجهاز.»
محدش سمعها.
رجل الأعمال اللي كان قاعد جنب آدم كمل كلامه.
خبير الكمبيوتر بدأ يفصل الأسلاك.
مريم رفعت صوتها:
«ابعدوا إيديكم عن اللابتوب!»
الغرفة كلها سكتت.
كل العيون اتجهت لها.
حتى آدم.
كان عنده واحد وأربعين سنة، طويل، عريض الكتفين، شعره أسود، وملامحه هادية بطريقة تخلي الناس تركز.
كان من النوع اللي ما يحتاجش يرفع صوته عشان الناس تسكت.
مجرد نظرة منه كانت كفاية.
رئيس الأمن قال :
«ارجعي المطبخ يا بنتي.»
مريم بصت له.
«لو شلتوا الهارد دلوقتي، كل الملفات هتضيع.»
خبير الكمبيوتر ضحك بسخرية.
«وإنتِ عرفتي منين؟»
«لأن النظام مش بيبوظ لوحده.»
سكتت لحظة.
«حد مبرمجه إنه يمسح نفسه.»
آدم رفع عينيه من الشاشة.
«اشرحي.»
مريم حسّت بقلبها بيخبط.
لكنها قربت.
«الملفات بتختفي بترتيب معين. العطل العادي بيكون عشوائي. هنا كل حاجة محسوبة.»
أشارت للشاشة.
«حد بيخليكم تفتكروا إن الملفات بتتمسح، بينما في الحقيقة بيتنقل نسخة منها لمكان تاني.»
خبير الكمبيوتر رد بسرعة:
«كلام فارغ.»
مريم بصت له.
«لو كلام فارغ، ليه سرعة نقل البيانات زادت قبل ما النظام يبدأ يعلق؟»
الراجل سكت.
آدم لاحظ.
قال بهدوء:
«كملي.»
مريم قربت من الجهاز.
«لو فصلتوه، البرنامج هيفهم إنكم اكتشفتوه، وهيبدأ يمسح نفسه.»
آدم سأل:
«اسمك؟»
«مريم الشناوي.»
«بتشتغلي هنا من إمتى؟»
«حوالي سنة.»
«وظيفتك؟»
بصت للمريلة اللي لابساها.
«في الخدمة.»
رجل من المستثمرين ابتسم بسخرية.
لكن مريم ما اهتمتش.
آدم قال:
«وإيه اللي يخلي واحدة في الخدمة تعرف أكتر من خبير؟»
السؤال وجعها.
لأنها سمعته قبل كده.
من سبع سنين.
في الجامعة.
«درست علوم كمبيوتر.»
خبير الكمبيوتر سأل باستهزاء:
«ودرستي فين؟»
«جامعة القاهرة.»
«وبقيتي مهندسة؟»
سكتت.
ثم قالت:
«لا.»
«ليه؟»
«سيبت الدراسة قبل التخرج.»
القاعة سكتت.
مريم رفعت رأسها.
«بس أنا ما بطلتش أتعلم.»
آدم فضل باصص لها.
«ليه سيبتي الدراسة؟»
مريم ترددت.
ثم قالت:
«حصلت مشكلة في نظام الجامعة واتقال إني أنا السبب.»
«وإنتِ عملتي كده؟»
«لأ.»
«ومين عمله؟»
مريم بصت للشاشة.
«حد أخد الكود بتاعي.»
سكتت.
«ومن ساعتها وأنا بدفع تمن حاجة ما عملتهاش.»
آدم أشار للكرسي.
«اقعدي.»
مريم بصت له.
«إيه؟»
«عندك عشرين دقيقة.»
«لعمل إيه؟»
«أنقذي الملفات.»
قعدت.
ولأول مرة من سنين، مريم نسيت إنها في الخدمة.
إيديها اتحركت فوق الكيبورد بثقة.
بعد دقائق، فتحت طبقات مخفية من النظام.
وبعدين ظهرت قدامها مجموعة أكواد.
اتجمدت.
نفس النمط.
نفس ترتيب الأوامر.
قالت بصوت منخفض:
«مستحيل.»
آدم قرب.
«إيه؟»
مريم أشارت للشاشة.
«اللي عامل المشكلة دي استخدم جزء من الكود بتاعي.»
رئيس الأمن قال:
«إنتِ متأكدة؟»
«أنا اللي كتبته.»
سأل آدم:
«مين كان عنده الكود؟»
مريم سكتت.
اسم واحد ظهر في ذاكرتها.
يوسف فؤاد.
زميلها القديم في الجامعة.
الشخص الوحيد اللي كان عنده نسخة من مشروعها.
لكن قبل ما تتكلم، ظهر تحذير أحمر على الشاشة.
تم اكتشاف محاولة استرداد النظام.
مريم شهقت.
«هو عرف إني هنا.»
آدم قال:
«مين؟»
مريم بدأت تكتب بسرعة.
«اللي عامل المشكلة في النظام.»
«اسمه؟»
«لسه مش عارفة.»
ثم ظهرت نافذة جديدة.
ملف واحد فقط.
مكتوب عليه:
آدم المنصوري — خاص جدًا.
مريم فتحت الملف.
ظهر أول سطر:
“لو وصلتِ للملف ده يا مريم، يبقى أخيرًا رجعتي للمكان اللي بدأ منه كل شيء.”
إيديها اتجمدت فوق الكيبورد.
آدم قرأ الجملة.
وبص لها.
«هو يعرفك؟»
مريم همست:
«مش بس يعرفني.»
ثم ظهر سطر جديد على الشاشة:
“قولي لآدم إن المشروع القديم لسه موجود.”
آدم اتجمد.
لأول مرة، مريم شافت القلق الحقيقي في عينيه.
همست:
«آدم… إيه المشروع القديم ده؟»
ما ردش.
لأن شاشة اللابتوب أظهرت صورة قديمة.
صورة رجل واقف جنب مريم وهي طفلة.
ومريم عرفته فورًا.
كان والدها.
أما آدم…
فكان واقف بجانبه في الصورة.
وهو شاب صغير.
رفعت مريم عينيها له.
«إنت كنت تعرف أبويا؟»
آدم فضل ساكت ثواني.
ثم قال:
«أيوه.»
«من إمتى؟»
نظر للصورة.
«من قبل ما أعرف إنك مريم الشناوي.»
قلبها هبط.
«يعني إيه؟»
آدم قرب منها.
وقال الجملة اللي غيرت كل حاجة:
«أنا ما قابلتكيش النهارده لأول مرة يا مريم… أنا بدور عليكي من سبع سنين.»
«بتدور عليّا؟»
صوتي خرج ضعيف، رغم إني كنت بحاول أبان ثابتة.
آدم ما ردش فورًا.
قفل اللابتوب، وبص للرجالة اللي في القاعة.
«كلكم تخرجوا.»
رئيس الأمن اتردد.
«بس يا باشا—»
آدم رفع عينه.
«قلت تخرجوا.»
في أقل من دقيقة، القاعة فضيت إلا مني ومنه.
فضلت واقفة قدام الترابيزة.
«عايزة أفهم.»
آدم سحب كرسي وقعد.
«اقعدي يا مريم.»
«مش هقعد قبل ما أعرف إنت تعرف أبويا منين.»
تنهد.
«أبوك كان شريكي.»
اتصدمت.
«شريكك؟»
«قبل ما أبقى آدم المنصوري اللي الناس تعرفه، كنت شغال مع أبوكي.»
«في إيه؟»
«في شركة برمجيات.»
ضحكت بمرارة.
«أبويا كان مدرس رياضيات.»
«ده اللي الناس كانت فاكره.»
سكت.
ثم قال:
«أبوك كان عبقري في البرمجة. وكان شغال على نظام أمني يقدر يكتشف الأخطاء والمشاكل قبل ما تحصل.»
«وليه خبّى ده؟»
«لأنه اكتشف إن ناس من جوه الشركة بيستخدموا النظام بشكل غلط.»
بدأت الصورة تتجمع في دماغي.
«والمشكلة اللي حصلت في الجامعة؟»
آدم هز رأسه.
«كانت جزء من نفس الموضوع.»
«يعني أنا ما كنتش السبب.»
«لأ.»
نظرت له.
«إنت كنت عارف؟»
«عرفت بعد ما سيبتي الجامعة.»
«وسكت؟»
ملامحه اتألمت.
«كنت بدور على الدليل.»
صرخت:
«سبع سنين يا آدم! سبع سنين وأنا عايشة وأنا فاكرة إني السبب! خسرت مستقبلي!»
«عارف.»
«لأ، إنت مش عارف.»
ضربت بإيدي على الترابيزة.
«إنت ما صحيتش كل يوم وإنت شايف الناس بتبص لك كأنك مهملة.»
سكت.
وبعدين قال:
«عشان كده كنت مستني اللحظة اللي أقدر فيها أرجعلك حقك.»
دموعي نزلت.
«وليه شغلتني هنا عندك؟»
رفع عينه.
«أنا ما شغلتكيش.»
اتجمدت.
«إيه؟»
«إنتِ قدمتي بنفسك.»
«بس إنت عرفتني من أول يوم.»
هز رأسه.
«أيوه.»
«وعملت إيه؟»
«كنت بتابعك من بعيد.»
ضحكت بصدمة.
«بتتابعني؟»
«كنت خايف إن نفس الناس اللي ضايقوكي قبل كده يوصلوا لك تاني.»
سكت لحظة.
«لكن ما كنتش متوقع إنهم هيستخدموا الكود بتاعك عشان يوصلوا لي.»
بصيت للابتوب.
«يعني المشكلة دي كلها بسببي؟»
«بسبب الكود اللي معاكي.»
فتحت عيني.
«الكود اللي كتبته وأنا في الجامعة؟»
«أيوه.»
«بس أنا ما عنديش أي نسخة.»
آدم قال:
«إنتِ عندك النسخة الأصلية من غير ما تعرفي.»
«فين؟»
وأشار لرأسي.
«في ذاكرتك.»


