
قالت بتول:
«أبويا مات.»
قالت مريم:
«في حاجة ناقصة.»
نظر ياسين إلى الصورة القديمة.
أمسك بها.
ثم قلبها.
كان هناك رقم مكتوب خلفها.
أدخله.
صدر صوت طنين.
وانفتح الباب.
داخل الخزنة لم تكن هناك أموال.
ولا ذهب.
بل عشرات الملفات.
وجهاز تسجيل.
وصورة واحدة.
رفع ياسين الصورة.
وتجمد.
كانت ليلى تقف في الصورة.
وبجوارها رجل لم يتوقع أحد رؤيته.
فارس الشناوي.
لكن الصورة كانت مؤرخة قبل خمسة وعشرين عامًا.
قالت بتول:
«فارس كان يعرف أمي.»
قالت مريم:
«مش بس يعرفها.»
اقتربت من الصورة.
«كان أبوك الحقيقي.»
تجمدت بتول.
ونظر ياسين إليها بصدمة.
أما جلال، فخفض رأسه.
ثم قال:
«دي الحقيقة اللي حاولنا نخبيها طول السنين.»
وقبل أن تستوعب بتول الكلمات، جاء صوت فارس من خلفهم:
«أيوه يا بنتي.»
استدار الجميع.
كان فارس واقفًا عند مدخل الغرفة.
مصابًا، لكنه حي.
ابتسم لبتول.
«أنا أبوكي.»
ظلت بتول واقفة مكانها، تحدق في فارس وكأنها تنتظر أن يضحك ويقول إن كل ما يحدث مجرد كذبة أخرى.
لكن وجهه كان جادًا.
قالت بصوت مرتجف:
«أنت… أبويا؟»
أومأ فارس.
«أيوه.»
ضحكت بتول ضحكة قصيرة مليئة بالألم.
«بعد كل السنين دي؟ بعد ما عشت طول عمري وأنا فاكرة إن أبويا مات قبل ما أعرفه؟»
قال فارس:
«كنتِ لازم تكرهي اسمي.»
«وأنت كنت لازم تحب بنتك.»
خفض عينيه.
«كنت بحبك أكتر من أي حاجة.»
«الحب مش إنك تختفي.»
«كنت مجبر.»
تدخل ياسين:
«مين أجبرك؟»
نظر فارس إليه.
«أبوك.»
تجمد ياسين.
«أبويا؟»
«أبوك كان عارف إن ليلى حامل. وكان عارف إن لو عرفوا إن الطفلة بنتي، هيستخدموها ضدي وضده.»
قالت مريم:
«لكن الحقيقة كانت أسوأ.»
هز فارس رأسه.
«جلال وعادل كانوا بيحاولوا يسيطروا على الشبكة. ولما ليلى عرفت، حاولت تهرب ببتول.»
نظرت بتول إلى جلال.
«وأنت ساعدتها؟»
«أيوه.»
«وعادل؟»
قال جلال:
«هو اللي خاننا.»
ظهرت مريم بجانب بتول.
شهقت بتول.
«إيه؟»
قال فارس:
«فين كانت؟»
ساد الصمت.
ثم قال فارس:
«عاشت سنوات وهي مختبئة.»
توقفت بتول عن التنفس تقريبًا.
«أمي… كانت عايشة؟»
اقترب فارس منها.
«كانت عايشة لحد السنة اللي فاتت.»
انكسرت ملامح بتول.
«السنة اللي فاتت؟»
أومأ.
«ماتت وهي ماسكة صورتك.»
بدأت دموع بتول تنزل دون أن تشعر.
«ليه محدش قال لي؟»
قال فارس:
«لأنها طلبت مني ما أقولش.»
«ليه؟»
رفعت بتول رأسها.
نظر الجميع إلى عادل.
لكن عادل كان قد اختفى.
فتح ياسين عينيه.
«عادل.»
اندفع نحو باب القصر.
لكن صوت مريم أوقفه.
«سيبه.»
التفت إليها.
«ليه؟»
«لأنه رايح للمكان اللي نقدر نمسكه فيه.»
وبالفعل، بعد دقائق، وصلت الشرطة إلى القصر.
لم يكن بينهم رجال عادل فقط.
كان هناك ضباط شرفاء يحملون التسجيلات والملفات التي كانت في الخزنة.
انكشفت شبكة الفساد كاملة.
أسماء.
حسابات.
صفقات.
جرائم استمرت لسنوات.
أما عادل، فقد حاول الهرب من النفق القديم أسفل القصر، لكنه وجد ياسين في انتظاره.
قال عادل:
ظل ينظر إليه طويلًا.
ثم أنزله.
«لا.»
ابتسم عادل بسخرية.
«اتغيرت.»
قال ياسين:
«أيوه.»
ثم سلّمه للشرطة.
«أنا مش هبقى زيكم.»
بعد أسابيع، انهارت إمبراطورية المنصوري القديمة.
جلال اعترف بكل ما يعرفه.
وفارس، رغم كل ما فعله في الماضي، قرر أن يقضي ما تبقى من عمره يحاول تعويض ابنته عن السنوات التي ضاعت منها.
أما بتول، فعادت إلى أتيليه ليالي القاهرة.
لكن هذه المرة لم تعد تخفي جسدها خلف الملابس الواسعة.
أصبحت تصمم فساتين للنساء بكل المقاسات.
وكان شعارها:
«الجمال مش مقاس.»
وفي مساء هادئ، دخل ياسين الأتيليه.
وجدها تقف أمام مرآة، ترتدي فستانًا أحمر صممته بنفسها.
قال:
«لسه بتقصي الفساتين؟»
ابتسمت.
«لو الفستان مش مناسب، آه.»
«والناس؟»
رفعت حاجبها.
«الناس مش بتتقص.»
ضحك.
ثم اقترب منها.
«اشتقت لك.»
نظرت إليه.
«وأنا كمان.»
«لسه رافضاني؟»
«على حسب.»
«على حسب إيه؟»
«هتفضل ياسين المنصوري؟»
أمسك يدها.
«هفضل ياسين.»
ثم قال:
«بس من غير مافيا.»
ضحكت.
«أحسن.»
أخرج من جيبه علبة صغيرة.
فتحتها.
كان بداخلها خاتم بسيط، لا ذهب مبالغ فيه ولا أحجار ضخمة.
فقط خاتم أنيق يحمل حرفًا واحدًا:
ب.
قال:
«مش عايز أطلب منك تنسي الماضي.»
«ولا أنا عايزة أنساه.»
«عايزك بس تختاري المستقبل.»
نظرت إلى الخاتم.
ثم إليه.
«وأنا اخترته.»
ابتسم.
«يعني؟»
مدت يدها.
«البسهولي.»
فعل.
وبينما كانت القاهرة تلمع خارج نافذة الأتيليه، وقفت بتول أمام المرآة.
لأول مرة في حياتها، لم ترَ الخياطة الممتلئة التي لم تكن تصلح للمنصة.
لم ترَ البنت التي أخفى عنها الجميع حقيقتها.
ولم ترَ ضحية لعائلة قضت عمرها تهرب من أسرارها.
رأت نفسها فقط.
بتول السيوفي… ابنة ليلى، ابنة فارس، وأخت مريم وياسين.
والأهم…
امرأة نجت من كل الأكاذيب، واختارت أن تبدأ حياتها من جديد.
أما الفستان الأحمر الذي مزقته في تلك الليلة، فقد احتفظت بقطعة منه داخل إطار في الأتيليه.
وكتبت تحتها:
«الفستان الذي أنقذ حياتي… وعلّمني إن اللي يتقطع ممكن يتخيط من جديد، لكن المرة دي على مقاسي أنا.»
وانتهت .
لكن بدأت حكاية بتول الحقيقية.
الخياطة الممتلئة التي مزّقت فستان المافيا
حكايات شروق خالد




