
حي.
واقف أمامي كأنه لم يختفِ ثماني سنوات.
ابتسم.
«وحشتني يا آسر.»
رفعت سلاحي.
«فين سلمى؟»
«لسه زي ما أنت. دايمًا مستعجل.»
«فين بنتي؟»
ضحك.
«بنتك؟»
أشار إلى شاشة كبيرة.
ظهرت صورة سلمى وهي جالسة في غرفة صغيرة.
كانت خائفة، لكنها لم تكن مربوطة.
رفعت عينيها للكاميرا.
«آسر!»
قبضت على سلاحي بقوة.
«لو لمستها—»
كمال قاطعني:
«ولا حد هيلمسها.»
ثم اقترب.
«إحنا عايزين حاجة واحدة.»
«إيه؟»
«الحقيقة.»
«أي حقيقة؟»
ابتسم.
«مين اللي أمر بقتل أبوك؟»
تجمدت.
أبي مات قبل خمسة عشر عامًا.
وطوال حياتي كنت مقتنعًا أن فارس هو المسؤول.
كمال قال:
«فارس ما قتلش أبوك.»
سكت.
«أنا قتلت أبوك؟»
هز رأسه.
«ولا أنا.»
اقترب أكثر.
«أنت اللي قتلته.»
رفعت سلاحي نحوه.
«كذاب.»
«عندك دليل؟»
«أنت بتلعب بعقلي.»
«لأ.»
أشار إلى شاشة ثانية.
ظهر تسجيل قديم.
أنا.
عمري حوالي عشرين سنة.
واقف أمام أبي.
كنت أصرخ.
«أنت خنتني!»
ثم ظهر فارس في التسجيل.
وأعطاني مسدسًا.
قال:
«لو عايز تنهي كل حاجة، اعملها دلوقتي.»
ظهر صوت طلقة.
ثم سقط أبي.
تراجعت خطوة.
«ده مستحيل.»
كمال قال بهدوء:
«كنت تحت تأثير مخدر. فارس استغل غضبك. وبعدها جعلنا الجميع يعتقد إنك فقدت ذاكرتك عن الليلة.»
«ليه؟»
«عشان يحولك إلى الرجل اللي يقدر يسيطر على كل شيء.»
«وفارس؟»
«كان شريك أبوك.»
صمت.
ثم ظهر فارس على الشاشة.
لكنه لم يكن يتحدث إلى كمال.
كان يتحدث إليّ مباشرة.
«آسر… لو بتشوف التسجيل ده، يبقى وصلت للحقيقة.»
ظهرت صورة سلمى.
«البنت دي ما كانتش طُعم عشان أقتلك.»
ثم ظهرت صورة مريم.
«ومريم ما كانتش مجرد امرأة عرفتها بالصدفة.»
ثم ظهرت صورة قديمة جدًا.
صورة لي وأنا طفل.
وبجانبي أبي.
وفي الخلف رجل آخر.
عرفته فورًا.
كان فارس.
صوته استمر:
«أبوك رباني أنا وكمال من وإحنا أطفال. ولما مات، أنت ورثت كل شيء.»
توقفت الصورة.
ثم قال:
«لكن في ليلة وفاته، أبوك أخفى وثيقة واحدة.»
كمال قال:
«وثيقة فيها أسماء كل الناس اللي كانوا بيشتغلوا معاه.»
«فين الوثيقة؟»
ابتسم.
«مع سلمى.»
حدقت فيه.
«إيه؟»
كمال أشار إلى الشاشة.
«أمها حطتها في مكان محدش هيفكر يدور فيه.»
ثم سمعت صوت سلمى من الغرفة:
«آسر! أنا عارفة مكانها!»
ركضت نحو الباب.
لكن كمال رفع سلاحه.
«استنى.»
التفت له.
ابتسم.
«لو فتحت الباب دلوقتي، هتموت هي.»
تجمدت.
ثم سمعنا صوت انفجار هائل خارج المخزن.
اهتز المبنى كله.
كمال التفت مذعورًا.
وفي اللحظة دي فهمت.
فارس لم يكن ينتظرنا في الخارج.
كان داخل المكان.
وانطفأت الأنوار.
ثم جاء صوته من الظلام:
«أخيرًا… اجتمعنا كلنا.»
حكايات شروق خالد
في لحظة واحدة، دوّى صوت طلقة.
كمال وقع على الأرض، والسلاح طار من إيده.
ظهر فارس من بين الظلام.
لكن المفاجأة لم تكن في ظهوره.
كانت في الرجل الذي كان واقفًا خلفه.
مريم.
كانت تحمل سلاحًا ووجهها مليان دموع.
صرخت:
«ابعد عن ولادي!»
فارس ابتسم.
«لسه زي ما إنتِ يا مريم.»
«أنا مش هخاف منك تاني.»
اقتربت منه.
«إنت دمرت حياتنا.»
ضحك.
«أنا صنعت حياة آسر.»
التفت إليّ.
«كنت عايزك تكرهني. كنت عايزك تحاربني. كنت عايزك تبني إمبراطورية أكبر من إمبراطورية أبوك.»
رفع عينيه ناحية سلمى.
«لكن مكنتش متوقع إنك تحبها بالشكل ده.»
صرخت:
«سلمى فين؟»
أشار إلى الغرفة.
دخلت بسرعة.
لقيتها قاعدة في ركن الغرفة، ودموعها على وشها.
أول ما شافتني، جريت عليّ.
حملتها وضميتها بقوة.
«كنت عارف إنك هتيجي.»
غمضت عيني.
«وعدتك إني مش هسيبك.»
وراءنا، كان صوت إطلاق النار يتعالى.
خرجت وأنا حامل سلمى.
لقيت مريم ماسكة ياسين وآدم، وحسن ورجالي دخلوا المكان.
كمال كان مصابًا، وفارس واقف وسط الفوضى.
نظر لي.
«إنت فاكر إنك كسبت؟»
نزلت سلمى من إيدي، وسلمتها لمريم.
ثم مشيت ناحية فارس.
«لأ.»
وقفت أمامه.
«أنا خسرت تمان سنين.»
سكت.
«خسرت أبوي.»
«وخسرت الحقيقة.»
«وخسرت بنتي.»
ثم نظرت في عينيه.
«لكن مش هخسر عيلتي تاني.»
حاول يرفع سلاحه.
حسن سبقه.
وقع السلاح من يده.
وبعد دقائق، كانت الشرطة في المكان.
كمال وفارس اتقبض عليهم، وكل الملفات والوثائق اللي خبّوها لسنين خرجت للنور.
واتكشف إن حادث موت أبي لم يكن جريمة ارتكبتها وحدي كما حاولوا إقناعي.
كنت شابًا مخدوعًا ومخدرًا، وفارس وكمال هما من دبّرا كل شيء ليستوليا على إمبراطوريته.
أما الوثيقة التي بحثوا عنها سنوات…
فقد كانت فعلًا مع سلمى.
مريم كانت قد خبأتها داخل لعبة صغيرة أعطتها لسلمى يوم ولادتها.
لم تكن سلمى تعرف قيمتها.
لكنها كانت تحملها طوال ست سنوات.
وبعد شهور، انتهت كل القضايا.
مريم خرجت من المستشفى.
وأخذت أولادها إلى البيت.
لكن البيت لم يعد نفس البيت.
لأن فيه الآن رجلًا لم يعد يعرف كيف يعيش وحده.
في صباح هادئ، كانت سلمى جالسة على مائدة الإفطار بين ياسين وآدم.
قالت:
«آسر؟»
«نعم؟»
«إنت هتفضل معانا؟»
ابتسمت.
«لو سمحتِ لي.»
ضحكت.
«أنا أصلًا كنت ناوية أسمح لك.»
مريم كانت واقفة عند الباب تراقبنا.
اقتربت مني وقالت:
«كنت عارفة إنك هتتعلق بيهم.»
نظرت إلى الأطفال.
«وأنا كنت فاكر إني بحميهم.»
ابتسمت.
«أنت أنقذتهم.»
هززت رأسي.
«هم اللي أنقذوني.»
بعد سنوات، كبرت سلمى.
وكبر معها ياسين وآدم.
ثلاثة أطفال بدأوا حياتهم بأربع جنيهات وستة وستين قرشًا…
وانتهوا بأن أصبحوا أغلى شيء في حياة رجل كانت المدينة كلها تخاف من اسمه.
أما فارس وكمال، فقد قضيا بقية عمرهما خلف القضبان.
وفي كل مرة كانت سلمى تسألني عن أول يوم قابلتها فيه، كانت تضحك وتقول:
«فاكر لما طلبت منك تشتري لنا اللبن؟»
كنت أبتسم وأقول:
«فاكر.»
فترد:
«كنت هسدد لك لما أكبر.»
وأقول لها:
«إنتِ سددتي بالفعل.»
«إزاي؟»
أنظر إليها وأقول:
«لأنك رجعتي لي عيلتي.»
وكانت تلك أول مرة في حياتي أفهم أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا بالصدفة…
بعضهم يدخلونها لينقذونا من أنفسنا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




