
ثم أضاف:
«دلوقتي عندك تلاتة.»
انقطع الخط.
وقفت.
حسن سأل:
«نعمل إيه؟»
بصيت له.
«نخليهم يفتكروا إنهم كسبوا.»
«إزاي؟»
«هنسيب فارس ياخد اللي هو عايزه.»
«الأطفال؟»
هزيت راسي.
«لا.»
أغلقت الملف.
«هنخليه ياخدني أنا.»
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن فارس كان متوقع خطتي.
وفي نفس اللحظة، كانت عربية سوداء بتقف على بعد شارعين من البيت.
جواها كان فيه رجلين.
واحد منهم رفع هاتفه وقال:
«آسر خرج.»
رد صوت فارس:
«خليه يخرج.»
«والأطفال؟»
جاء الرد:
«ما تقربوش منهم.»
توقف الرجل لحظة.
«بس حضرتك قلت إنهم الهدف.»
ضحك فارس.
«الهدف الحقيقي عمره ما كان الأطفال.»
ثم نظر إلى صورة قديمة أمامه.
صورة لي وأنا واقف بجانب كمال.
وقال:
«الهدف الحقيقي هو إن آسر يكتشف مين خانه من البداية.»
وفي مكان آخر من المدينة، كانت مريم تستعد للخروج من المستشفى.
لكنها لم تكن وحدها.
رجل مجهول كان ينتظرها أمام الباب.
اقترب منها وقال:
«مريم عبد الرحمن؟»
رفعت عينيها.
«أيوه.»
مد لها ظرفًا.
«ده من فارس.»
فتحته بيد مرتعشة.
كان بداخله صورة قديمة جدًا.
صورتها وهي تحمل سلمى رضيعة.
وخلفها كنت أنا واقفًا.
لكن الشيء الذي جعلها تسقط على الكرسي لم يكن الصورة.
كان التاريخ المكتوب أسفلها.
قبل ولادة سلمى بثلاثة أشهر.
وتحت التاريخ جملة واحدة:
«آسر لم يكن والد سلمى الوحيد الذي يعرف الحقيقة.»
رفعت مريم رأسها بسرعة.
لكن الرجل كان اختفى.
وفي نفس اللحظة، وصلني اتصال من حسن:
«آسر… لازم ترجع فورًا.»
«ليه؟»
صوته كان مختلفًا.
«لقينا تسجيل من الليلة اللي اتولدت فيها سلمى.»
سكت.
«وفي التسجيل… صوتك موجود.»
اتجمدت.
«صوتي؟»
«أيوه.»
ثم قال:
«بس المشكلة إن التسجيل اتعمل قبل ما تقابل مريم لأول مرة.»
انخفضت السماعة من إيدي.
لأن ده معناه حاجة واحدة.
أنا كنت أعرف مريم قبل ست سنين.
لكن ذاكرتي عن تلك الليلة…
لم تكن كاملة.
حكايات شروق خالد
رجعت البيت وأنا حاسس إن دماغي هتنفجر.
حسن كان مستنيني في المكتب، واللاب توب مفتوح قدامه.
«شغّل التسجيل.»
ضغط على زر التشغيل.
في البداية، كان فيه تشويش وصوت أجهزة مستشفى.
وبعدين سمعت صوت مريم.
«آسر، لازم تمشي دلوقتي.»
ثم جاء صوتي.
«أنا مش هسيبك لوحدك.»
اتجمدت.
حسن وقف التسجيل.
بصيت له.
«ده صوتي.»
«أيوه.»
«فين المكان؟»
«مستشفى قديمة في الجيزة. كانت اتقفلت من ست سنين.»
رجع شغّل التسجيل.
سمعت مريم تبكي.
«لو حصل لي حاجة، خُد البنت.»
وجاء صوتي:
«هحميها.»
ثم صوت رجل آخر.
هادئ.
بارد.
«مش هتلحق تحميها.»
فارس.
قمت من مكاني.
«مين سجل ده؟»
حسن قال:
«لسه مش عارفين.»
«كمّل.»
استمر التسجيل.
صوت خطوات.
ثم صرخة مريم.
وبعدها صوت ارتطام قوي.
وفجأة…
سمعت صوتي وأنا بقول:
«فين البنت؟»
ثم انقطع التسجيل.
فضلت واقفًا دون حركة.
«أنا مش فاكر الليلة دي.»
حسن قال:
«في حاجة تانية.»
فتح صورة من ملف قديم.
كانت صورة لي أمام المستشفى.
وجهي كان عليه جرح واضح في الجبهة.
والغريب…
إني لا أتذكر أنني دخلت هذا المستشفى أصلًا.
«إيه اللي حصل لي؟»
حسن هز رأسه.
«التقرير الطبي بيقول إنك اتعرضت لضربة قوية على الرأس في نفس الليلة.»
وضعت يدي على جبيني.
فجأة بدأ رأسي يؤلمني.
صور متقطعة ظهرت في ذهني.
ممر مظلم.
مريم وهي تبكي.
طفلة صغيرة ملفوفة في بطانية.
رجل يقف أمامي.
ثم صوت فارس:
«انسَ كل حاجة يا آسر.»
وضعت يدي على رأسي.
«أنا فاكر.»
حسن اقترب مني.
«إيه؟»
«فارس ضربني.»
سكت.
«وبعدها… حد خدني من المستشفى.»
«مين؟»
غمضت عيني.
صورة رجل ظهرت في ذهني.
رجل كان لابس بدلة رمادية.
وكان معه كمال.
فتحت عيني فجأة.
«كمال.»
حسن فهم فورًا.
«هو اللي أخدك؟»
«أيوه.»
لكن كان فيه شيء أسوأ.
أنا لم أكن فاقد الذاكرة بالكامل.
حد كان قد تعمد محو جزء منها.
وفي نفس اللحظة، رن هاتف حسن.
رد.
ثم تغير وجهه.
«آسر… سلمى اختفت.»
توقفت أنفاسي.
«إيه؟»
«الحرس كانوا برا الأوضة. الكهرباء قطعت لدقيقتين. لما رجعت… الأوضة كانت فاضية.»
خرجت من المكتب كالمجنون.
ركضت إلى غرفة الأطفال.
الباب مفتوح.
آدم وياسين كانا في سريرهما.
أما سلمى…
فلم تكن هناك.
وجدت على وسادتها ورقة صغيرة.
فتحتها.
كان مكتوبًا:
«لو عايز بنتك، تعال لوحدك.»
تحتها عنوان.
لم أحتج أكثر من ثانية.
حسن أمسك ذراعي.
«ما تروحش لوحدك.»
نزعت يده.
«قالوا لوحدي.»
«دي مصيدة.»
«عارف.»
«يبقى ما تروحش.»
نظرت إليه.
«أنا مش رايح عشان أرجع بنتي.»
سكت.
«أنا رايح عشان أرجع كل اللي أخدوه مني.»
وصلت للمكان بعد أربعين دقيقة.
مخزن قديم على أطراف المدينة.
دخلت وحدي.
كان المكان مظلمًا.
ثم اشتعلت الإضاءة.
وسمعت تصفيقًا بطيئًا.
ظهر كمال السيوفي.




