منوعات

عشق .. وخرساء عيلة الزيات ج1 حكايات شروق خالد

الجزء الأوما كانش ليها لا حس ولا خبر، ولا عزوة، ولا ضهر يقويها.

تسعطاشر سنة في منطقة حارة الحفني، وسارة عمر محدش نداها باسمها الحقيقي. كانوا بيسموها “سُخام” — البت الصامتة اللي مابتنطقش، البت اللي محدش مكلف نفسه يبصلها. تاكل آخر الناس، وتنام في أضيق كوانة على الأرض. والنهارده، نسوان الحارة الكبار أخيراً لقوا شغلانة تليق بسكوتها 😈

“شيلي الصينية وانزلي بيها يا بت يا صامتة.”

منى، أشر وحدة في الحارة، قالتها وهي بتضحك بخلبوصية — ضحكة عارفة كويس إيه اللي مستني تحت. من حداشر يوم، جروا جدع مجنون زي الأسد المعفي، وحبسوه في بدروم العمارة القديم، ربطوه بسلاسل حديد تقيلة تقطم الرقبة، ومحدش قدر يكسر كلمته ولا يربيه. ثلاثة من شباب الحارة نزلوا يؤكلوه.. الثلاثة طلعوا بحال غير الحال. واحد إيده اتكسرت، والتاني فضل يصرخ ساعتين متواصلين ومسكته نفضة من ساعتها مابتهداش.

الكل كان عارف إن نزول سارة تحت معناه حكم بالإعدام.

بس لو رفضت، كانت هتطرد في الصحرا.. وجبل العربا اللي بيمشي فيه لوحده مابيرجعش. عشان كده سارة شالت الصينية بإيد ثابته، ونزلت السلم الساقع في الضلمة 🕯️

الغفير اللي واقف على الباب الأخير بصلها كأنها قتيلة خلاص. قالها وهو بيترعش: “ده إنتي نص حجم البت اللي نزلت المرة اللي فاتت! أول ما تسمعي زنخة السلاسل اتشدت، زقي الصينية وارجعي بضهرك. أوعي تيجي عينك في عينه!”

الباب اترزع وراها. الضلمة الكحل بلعتها بالكامل.

وبعدين.. نفس. بطيء. حامي. كأنه ضبع بيتشمشم فريسته.

السلاسل صرخت في الحيطة وصوت الحديد اترج لما الخيال الضخم هم من وسط الضلمة، بس السلاسل المربوطة في صلب الدش زنقته. زئير طالع من قاع الأرض تحت رجليها، صوت يرعب العضم، مالوش دعوة بأي صوت بشري.

سارة ماجريتش.

خدت نفس عادي.. بطيء، وهادي، ومافيهوش نقطة خوف.

الزئير سكت مرة واحدة.

السلاسل استرخت على الأرض. السكوت أكل المكان كله.

من حداشر يوم، الجدع ده ما كانش غير غل وجوع وعيون حمرة زي الدم. بس دلوقتي، في النور الأزرق الضعيف اللي جاي من تحت الباب، فيه حاجة اتغيرت. الحمار اللي في عينه بدأ يختفي.. وحل محله لون عسلي صافي، زي التلج لما يدوب في شمس الصبح.

بصلها وهو متنح.

وهي بصتله بنفس الثبات.

وبعدين، أعتى جدع في عيلة الزيات — اللي ست رجالة بشنبات ما قدروش يكتفوه وهو داخل — طلع نفس طويل زي واحد كان بيغرق وطلع على وش المية، ونطق كلمة واحدة بصوت مبشوم من الحبس:

“لقيتك.”

الصينية وقعت من إيد سارة واتدشت على الأرض السيراميك والمبلط 💔

محدش فيهم تحرك خطوة.

على الصبحية، الحارة كلها كانت بتتكلم. البت الصامتة دخلت الأوضة.. والوحش هدي لأول مرة من حداشر يوم. ولما الحاج عزام نزل يجيبها تاني يوم الصبح، كان وشه أصفر زي الليمونة.

قال وهو بيترعش: “المحبوس طالب طلب غريب.. عايز البت دي ترجعله دلوقتي فوراً.”

محدش في حارة الحفني فاهم إيه اللي بيحصل بين بت المطبخ المسكينة والجدع المربوط في سلاسله. بس تحت في بدروم العمارة، في الضلمة والسقعة، فيه حاجة قديمة وجعانة لقيت الحاجة الوحيدة اللي كانت بتدور عليها عمرها كله.. ومستحيل تسيبها تروح من إيدها أبداً. 🔥

 

 

 

حكايات شروق خالد

 

 

الجزء الثاني

تاني يوم الصبح، كانت الحارة كلها مقلوبة. النسوان واقفين في البلكونات بيبصوا لبعض بتهامس، والرجالة واقفين على القهوة مش مصدقين إن الجدع الوحش اللي كان بيهز العمارة بالسلاسل سكت مرة واحدة من ساعة ما البت سارة نزلتله.

منى كانت هتفرقع من الغيظ. العقدة في وشها كانت هتطق، وهي شايفه الحاج عزام بنفسه نازل السلم ومروح وشه أصفر زي الليمونة علشان ينادي “سُخام” ترجعلة.

“أنتي عملتيلو إيه يا بت تحت؟” منى زقتها من كتفها وهي بتتكلم بشر. “سحرتيلو ولا رشيتيلو حاجة في الأكل؟”

سارة ما ردتش. ولا حتى بصتلها. رفعت عينها بثبات، وشالت الصينية التانية من على الرخامة وبدأت تنزل السلم تاني.

الغفير كان خايف يلمس باب البدروم، أول ما شافها قربت، فتح الباب بسرعة وزقها لجوه وقفل وراه على طول بالتاسومة.

المرة دي، الضلمة ما كانتش تخوف.

السلاسل كانت مرخية على الأرض. الجدع كان قاعد في الكورنر، ضهره للسقف، كتافه العريضة نازلة وطالعة مع نفسه البطيء. أول ما رجلها لمست الأرض، دماغه لفت ناحيتها.

العيون العسلي الصافية كانت مستنياها.

سارة مشيت بالراحة وقربت منه. ما بقاش فيه صريخ، ولا زئير، ولا سلاسل تترج. زقت الصينية قدامه وقعدت على ركبها قصاده على البلاط الساقع.

الجدع مد إيده التقيلة المليانة جروح من حز الحديد. صوابعه كانت بترتعش وهو بيقرب من وشها بالراحة خالص، كأنه خايف تتبخر لو لمسها. أول ما أطراف صوابعه لمست خدها، أخد نفس طويل وعميق، كأنه بيحفظ ريحتها في قلبه.

وفجأة.. صوت خطوات تقيلة نزلت السلم بسرعة.

الباب اتفتح بفرقعة، ودخل الحاج عزام ومعاه أربعة من رجالة العزبة شايلين شوم وحبال.

“شدوها من عنده بسرعة!” الحاج عزام صرخ وهو خايف. “المفتش جاي من البندر ولازم نخلص منه ونربطه زي الناس قبل ما يوصل!”

اتنين من الرجالة هجموا عشان يمسكوا سارة من دراعها ويسحبوها لبرة.

في نفس اللحظة.. الأرض اتهزت.

الجدع وقّف طوله في ثانية واحدة. السلاسل الحديد المربوطة في الحيطة انشدت لآخرها وصوت الصديد والحديد كان حيموت الأذن. عيونه العسلي انقلبت أحمر دم في أقل من ثانية، وزئير مرعب هز العمارة كلها من تحت لغاية السطوح.

قبل ما حد يستوعب، إيده التقيلة مسكت دراع الراجل اللي لمس سارة، وزقه زقة طيرته في الحيطة المقابلة.

جر سارة لضهره، وحوطها بدراعه التاني كأنه بيخبيها جوه جسمه، وبص للرجالة الباقيين بعيون كلها غل وشرارة.

“اللي هيلمسها…” نطق بصوت واطي ومبشوم، بس يرعب بلد كاملة، “… هقطم رقبته هنا.”

الرجالة رجعوا بضهرهم للورا وهم بيموتوا من الخوف، والحاج عزام طلع يجري على السلم وهو بيصرخ.

سارة كانت واقفة ورا ضهره العريض، حاسة بالدفا لأول مرة في حياتها. حطت إيدها الصغيرة على ضهره المليان جروح، وشعرها نزل على كتفه.

الوحش اللي العزبة كلها مرعوبة منه.. كان بيلف راسه بالراحة خالص، ويبصلها بنظرة كلها حنية، وكأنه بيقولها: “محدش هيمسك طول ما أنا عايش.” 🔥

#حكايات_شروق_خالدالجزء الثالث

الحاج عزام والرجالة طلعوا يجرو على السلم وكأن العفريت وراهم. باب البدروم اترزع ورجع السكوت يلف المكان تاني، بس المرة دي السكوت ما كانش يرعب.. كان دافي.

الجدع لف لـ سارة بالراحة خالص. عيونه الحمرا بدأت تهدى ويرجع لها اللون العسلي الدافئ. مسك إيدها الصغيرة بين إيديه الكبار المليانين جروح، وشالها من على الأرض كأنها حتة ريشة، وقعدها جنبه على الكنبة القديمة اللي في كورنر البدروم.

سارة كانت بصالة في عينه، ولأول مرة في حياتها ما تحسش إنها خايفة من حد.

فوق في الحارة، الدنيا كانت والعة. منى واقفة مع نسوان العزبة بيقلبوا العقول: “الابت الساحرة دي عملت إيه للجدع؟ ده كان هيهد العمارة، ولما الرجالة نزلت تاخدها بغا وضربهم كلهم عشانها!”

الحاج عزام كان واقف في وسط الشارع وشه أصفر وبيعرق: “الجدع ده مش بني آدم عادي.. ده لو فك السلاسل دي هيمحي الحارة كلها من على وش الأرض عشان البت دي!”

وفجأة.. صوت عربيات جيب ضخمة هز الحارة.

اربع عربيات سودا بفيميه قفلوا الشارع، ونزل منهم رجالة بطوال وعراض، لابسِين أسود في أسود، وفي مقدمتهم راجل كبير في السن بس هيبته تهز بلد.. ده كان “الحاج سليم الزيات”، كبير العيلة وأبو الجدع المحبوس تحت.

الحاج سليم مشي بخطوات تقيلة ناحية الحاج عزام وبصله بصه صلبة: “فين ابني؟”

الحاج عزام اترعش ونطق بالعافية: “تحت يا باشا في البدروم.. بس.. بس هو مش لوحده.”

“يعني إيه مش لوحده؟” الحاج سليم سأل بصوت زي الرعد.

“معاه بت من الشغالين بتوع المطبخ.. نزلتله بالصينية، ومن ساعتها وهو رافض حد يلمسها، وضارب الرجالة لما حاولوا يشدوا البت منه!”

الحاج سليم حواجبة اتعقدت، وعيونه وسعت صدمة. هو عارف سر عيلته كويس.. عارف إن الجدع من يوم ما اتولد مالوش دوا ولا يهدى جنونه إلا لما يلقى “نصيبه الوحيد”.

من غير ولا كلمة، الحاج سليم نزل السلم وبقية الرجالة وراه، وفتحت أبواب البدروم.

أول ما الباب اتفتح، الجدع وقف في ثانية وحاطط سارة ورا ضهره، وجهز نفسه للهجوم.. بس الحاج سليم وقف مكانه، وبص لـ سارة، وبعدين بص لابنه.

شاف إيد ابنه ماسكة إيد البت المسكينة بالراحة، وشاف العيون العسلي اللي بقالها سنين ما ظهرتش من كتر الغل.

الحاج سليم أخد نفس طويل، وابتسم ابتسامة خفيفة فيها هيبة وراحة، ووطى راسه لابنه وللبنت، وقال بصوت هز جدران البدروم:

“فكوا السلاسل.. ابن الزيات لقي حلاله، والنهارده الهانم دي هتطلع فوق وسيد القوم يشيلها على راسه قدام الحارة كلها!”

منى كانت واقفة فوق في البلكونة وشها اتخطف لما شافت البت “سُخام” طالعة من البدروم، ماسكة إيد أعتى جدع في البلاد، والكل بيوسع لهم الطريق وبيوطي راسه احتراماً ليها! 🔥

#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى