روايات وقصص

حين يحب الوحش حكايات شروق خالد

كان واقف.. أه، كان واقف وماسك في جهاز مشي طبي متثبت قدام الحائط، عضلات كتافه وظهره شادة عليه كأنه بيحارب عذاب صامت. أول ما سمع صوت الباب، سند بيديه الاتنين على الحرف ورجع قعد بحركة سريعة على كرسيه المتحرك، وبص لي وعرقه متساقط على جبينه.
“خلصتي؟” سأل بصوت خشن من التعب، وكأنه مش حابب يبان ضعيف قدامي.
حطيت الملف قدامه على المكتب، وفتبته على الصفحة اللي فيها المشكلة. “شركة الاستيراد.. فيه تلات ملايين جنيه متحولين في الباطن لحساب وهمي في جزر كايمن. الفلوس دي بتخرج تحت بند استشارات، بس الحقيقة إنها رشوة لجهات حكومية عشان ترسي مناقصة الميناء الجديدة لصالحنا.”
أدهم بصلها.. وبعدين رفع عيونه نحوي. نظرة عيونه المرة دي مكنتش نظرت الملياردير الهادي؛ دي كانت نظرة الصقر اللي بيختبر مخلب صقره التاني.
“وعملتي إيه؟” سأل بصوت واطي.
“عملت ده،” طلعت ورقة تانية من ملفي وحطيتها جنبه. “جهّزت تقرير بلاغ لهيئة الرقابة المالية.. وفي نفس الوقت، جهّزت ثغرة قانونية تخلينا نسترد الفلوس دي ونلبس المدير التنفيذي اللي سرقها قضية اختلاس تخلي أهله ميشوفوش الشارع.”
المكتب سكت تماماً لدرجة إني سمعت صوت تكييف الهواء. أدهم فضل باصص للورقتين مدة طويلة.. وفجأة، ضحك بصوت عالي؛ ضحكة رجعت الحياة في الأوضة الكئيبة دي.
“أنا مكنتش أعرف إني طلبت محاسبة.. أنا شكلي عيَّنت مدير أعمال سري,” قالها وهو بيقرب بكراسي المتحرك خطوة لقدام. “تعرفي يا حبيبة؟ معظم الناس اللي هنا بيخافوا مني، أو بيطمعوا في فلوسي.. إنتي أول واحدة تبصي للأرقام كأنها عدو لازم تقتليه.”
“أنا مبحبش أعداء، يا أدهم بيه،” قلت وأنا باصة في عيونه بثبات. “أنا بس بكره أكون ضعيفة.”
وقف لحظات، وبعدين قال الجملة اللي قلبت حياتي رأسًا على عقب:
“طيب.. بما إنك شاطرة كده في حساب الأرباح والخسائر.. إيه رايك في صفقة جديدة؟ صفقة عمرك ما تخيليها.”
“صفقة إيه؟”
“اتجوزيني لمدة سنة.. وأنا ادفع تمن علاج أمك، وأكتب باسمك أربعة مليون جنيه في البنك، وتخرجي من السنة دي وانتي سيدة أعمال مش معتمدة على حد.”
حسيت إن الهوا سحب من الأوضة. “بتهزر؟”

#حكايات_شروق_خالد
#حصري

بصيت للعقد قدامي، والأرقام اللي مكتوبة عليه كانت كفيلة تمحي كل هموم السنين اللي فاتت. أربعة مليون جنيه.. يعني علاج أمي في أفضل مستشفى، يعني مرتاحية للأبد، يعني كابوس الفقر والديون هيختفي. بس في نفس الوقت، كان جواز من أخطر راجل في مصر، راجل هيبتي قدامه بتهتز، وقلبي من نحيته مكنش بيمشي بالعقل خالص.
“ليه أنا يا أدهم؟” سألته وصوتي كان طالع مهتز شوية غصب عني. “مصر مليانة ستات.. ليه تختار واحدة بتنظف مكاتب عشان تكون مرات قدام الناس؟”
فتح درج تاني وطلع ملف أزرق رماه قدامي. “عشان اللي زيك مبيطمعوش فيا.. وعشان محتاج حد يقعد معايا في القصر بتاعي ويكون واجهة مش مجرد ديكور، وفي نفس الوقت ميكونش ليه عيلة تسأل هو بيعمل إيه ومنين. أمك مريضة، وإنتي محتاجة فلوس، وأنا محتاج زوجة على الورق تشغل صحافة رجال الأعمال وتسكت الكلام اللي بيتقال عن ضعفي بعد الحادثة. صفقة رابحة للطرفين.”
الكلام كان جاف وعملي وصريح لدرجة وجعتني. يعني بالنسبة له أنا مجرد صفقة.. بند تاني في رقعة الشطرنج بتاعته.
بس وأنا بفتكر عيون أمها وهي تعبانة، والـ ٣١٢ جنيه اللي كانوا في حسابي، وكل ليلة كنت بنام فيها وأنا بعيط من القهر.. مكنش عندي رفاهية الاختيار.
سحبت القلم من إيده، ومن غير ما أنطق ولا كلمة، أمضيت في المكان المخصص لتوقيع الزوجة.
تاني يوم، كنت في قصر كبير على طريق الإسكندرية الصحراوي، قصر مرعب من كبره وهدوءه. ماكنش فيه لا زحمة أفراح ولا زغاريد؛ كان فيه مأذون، وشاهدين شكلهم يخوف، وأدهم اللي كان قاعد على كرسيه المتحرك ببدلته السوداء، باصص لي بنظرة غامضة مش مفهومة.
مرت تلات أسابيع بعد الجواز، وفي البيت ده.. اكتشفت الوجه التاني لأدهم. الراجل اللي الناس بتخافه، كان بالليل بيقعد الساعات الطويلة قدام شاشات الكاميرات يراقب كل ركن في القصر خوفاً من هجوم جديد. وكنت أنا الوحيدة اللي بدخل مكتبه من غير خبط، أوقفه عن شغله بالعافية وأجبره ياكل دواه، وأحياناً.. لما كان الألم بيزيد عليه في نص الليل، كنت بقعد جنبه أقرأ له وهو مغمض عيونه لحد ما ينام.
بدأت أحس إن السطحية اللي بدأنا بيها بتتحول لحاجة تانية خالص.. حاجة وجعاني ومش فاهمها. لحد الليلة دي.. الليلة اللي كنت واقفة فيها قدامه، لابسة قميصه الأبيض، وحقيبتي معبأة فوق، وعقد الجواز مفتوح على الصفحة اللي بتعلن قرب نهايته.
لما سألني السؤال بتاعه الجمد الدم في عيوني: “حبيبة، هل تؤمنين بأن رجلاً مشلولاً لا يزال بإمكانه رغبة امرأة؟”
حسيت إن روحي هي اللي بتتسأل مش لساني.
“ليه بتقول كده يا أدهم؟” همست وأنا ماسكة في أطراف قميصه.
أدهم حرك كرسيه و قرب مني لحد ما بقيت حاسة بأنفاسه الحارة. “عشان من تلات ساعات.. كنت قاعد في المكتب التحتاني، وسمعت بالصدفة مكالمة بينك وبين المحامي بتاعك.. وانك ناوية تطلبي الطلاق أول ما السنة تخلص، وترجعي فلوسه كاملة وتقولي إن كل ده كان تمثيل.”
قلبي وقف في صدري. الحقيقة اللي كنت مخبيها.. اللي كنت فاكرة إن محدش هيعرفها أبدًا، اتقالت في وشي.
“أنت.. أنت سمعتني؟”
“سمعت كل حاجة،” قالها وصوته كان أهدى من الموت، بس عيونه كانت بتلمع بغضب ووجع مكسور أول مرة أشوفه فيه. “والسؤال اللي سألتهولك.. مش عشان أعرف إنتي شايفة فيا راجل ولالا.. السؤال عشان عايز أعرف، هل الـ ٢١ يوم اللي فاتوا.. كنتِ بتمثلي عليّا زي ما كنتِ ناوية تمثلي على الكل؟”
وقفت قدامه، والدموع حرقت عيوني. الشنطة فوق جاهزة للهروب، والعقد المالي قدامنا.. والحقيقة إن قلبي خلاص.. مابقاش فيه مكان لأي هروب تاني.

#حكايات_شروق_خالد
#حصري

رفعت عيني فيه، والدموع كانت خلاص هاتنزل من عيوني، بس مسكت نفسي بالعافية. صوتي طلع مهتز بس كان فيه تحدي:
“أيوة.. كنت ناوية أمشي يا أدهم. كنت ناوية أخد فلوس علاج أمي، وأرجعلك ملايينك، وأهرب قبل ما أتأكد إن قلبي هو اللي هيتكسر مش عقدي!”
أدهم فضل باصص لي بثبات، وكأنه بيدور جوه عيوني على كدبة. وبعد ثواني، مد إيده الطويلة ومسك أطراف قميصه اللي كنت لابياه، وبحركة سريعة ومفاجئة، شدني ناحيته لدرجة إن ركبتي خبطت في مسند كرسيه المتحرك.
أنفاسه كانت قريبة لدرجة خلتني أحس بنار وجوه صدري.
“تهربي منين يا حبيبة؟” قالها بصوت واطي وخشن كأنه بيحذرني من نفسه. “فكراكِ هتقدري تختفي؟ أنتي بقيتي مراتي.. وعلى رقعة الشطرنج بتاعتي، الملكة مابتتسحبش كده بالساهل.”
“أنا مش قطعة على رقعة الشطرنج بتاعتك!” صرخت فيه وأنا حاطة إيدي الاثنين على صدره، وحسيت بنبضات قلبه السريعة اللي كانت بتكذب كل برود الدنيا اللي بيحاول يداريه. “أنا بني آدمة.. وعرفت في الآخر إنك اخترتني عشان تدافع بيا عن نفسك، وعشان تسكت لسان الناس، ومش عشان أي حاجة تانية!”
أدهم سكت.. ونظرة عيونه اتغيرت فجأة. الغضب اللي كان فيها ساح، وحل مكانه وجع أعمق بكتير. ساب قميصه، وبطء شديد مد إيده ولمس طرف شعري اللي كان نازل على كتفي، بحركة رقيقة جداً متناسبش خالص مع هيبة أخطر راجل في مصر.
“لو كنت اخترتك عشان مجرد واجهة.. ماكنش قلبي اتقبض بالمنظر ده وأنا سامعك في التليفون بتقولي إنك هتمشي،” قالها بصوت نبرته مكسورة لأول مرة أسمعها منه. “يا حبيبة.. الحادثة كسرت رجليا، بس وجودك هو اللي كسر الحصن اللي بنيته حوالين نفسي تلات سنين.”
المكتب كله سكت. الكلمات نزلت زي الشلال على قلبي، ومسحت كل خوف وكل شك كنت مخبياه. الشنطة اللي فوق في الطابق العلوي، وعقد الأربعة مليون، وتهديدات مافيات القاهرة.. كل ده بقا ولا حاجة قصاد اللمعة اللي في عيونه.
ميلت عليه أكتر، ونسيت كل قواعد اللعبة، وحطيت إيدي الاثنين على وشّه، وقربت منه لحد ما جبهتي مست جبهته.
“يعني العقد ده.. ملغى؟” سألته بصوت هادي وابتسامة صغيرة بدأت تطلع على شفايفي وسط الدموع.
أدهم ابتسم.. ديك الابتسامة الخطيرة اللي بدأت بيها حكايتنا في القاعة الضلمة من تلات أسابيع.
“العقد مستمر.. بس بشروط جديدة خالص تخصنا إحنا الاتنين.”

#حكايات_شروق_خالد
#حصريابتسمت ودموعي على خدودي، وحركت رأسي بالموافقة. “اتفقنا.”
مد إيده ومسك كف إيدي، وسحبني بحركة خفيفة لحد ما قعدت على ذراع كرسيه المتحرك. مكانش مجرد زعيم مافيات مرعب ولا ملياردير بيحرك الناس على مزاجه.. في اللحظة دي، كان راجل لقى أخيرًا الحد اللي يشوفه هو، مش كرسيه ولا فلوسه ولا سلطته.
تاني يوم الصبح، مكنتش رايحة الشغل عشان أراجع ملفات أو ألقط ثغرات.. كنت رايحة وأنا عارفة إن مكاني بقى هنا، جوه القصر ده، وجوه قلب الراجل اللي الكل بيخافه وهو بيخاف عليا.
أمي خرجت من المستشفى بعد ما العملية نجحت بنسبة مية في المية، وبقت تقعد معانا في القصر أيام الإجازات، وكانت كل ما تشوف أدهم وهو بيحاول يقوم على جهاز المشي ويساعدني في المطبخ، تبتسم وتقول لي: “شوفي يا حبيبة.. الراجل ده مكسور في رجليه، بس واضح إنه سارق قلبك.”
وكنت بضحك وأقول لها: “ده مش سارقه بس يا ماما.. ده ملكه.”
سنة ورى سنة، العقد اللي اتكتب على ورقة وبأربعة مليون جنيه اتحول لحياة حقيقية، وبقى اسم “حبيبة وأدهم” حكاية بتتقال في كل مكان.. مش عشان الفلوس ولا المافيا، بل عشان الحب الحقيقي يقدر دايمًا يصلح أي حاجة تنكسر، حتى لو كانت أصلها رقعة شطرنج خطيرة.

ومع مرور الأيام، مبقتش قعدة القصر مرعبة زي الأول، ولا بقيت أحس إني ضيفة أو زوجة مؤقتة في حياة أدهم. بالعكس، البيت بقى ينبض بالحياة.. ضحك ماما نادية وهي قاعدة في جنينة القصر، وصوت كرسيه المتحرك وهو بيتحرك في الممرات، ووقفتنا سوا بالليل واحنا بنراجع أوراق الشركة الجديدة اللي فتحناها باسمنا إحنا الاتنين.
أدهم فضل هو أدهم.. القوي، الصارم في شغله، والزعيم اللي الكل بيعمله ألف حساب، بس معايا أنا.. كان شخص تاني خالص. الحنية اللي خباها سنين طويلة ورا وهيبة المليارديرات، طلعها كلها معايا. ومع كل خطوة كان بيخطوها على جهاز المشي الطبي، كنت جنبه، بمسك إيده وأشجعه لحد ما قدر في يوم يقف على رجليه لوحده لأول مرة من غير مساعدة الكرسي.. وفي اللحظة دي، دمعة نزلت من عينه، وخدني في حضنه بقوة كأنه بيمتلك العالم كله بوسطه.
القصة اللي بدأت بكوباية زجاج مكسورة في نص الليل، وعقد جواز بـ أربعة مليون جنيه، مخلصتش بانتهاء السنة.. دي كانت مجرد الصفحة الأولى في كتاب حياتنا.
وفهمت وقتها إن أوقات القدر بيرمينا في أقسى الظروف، وبيلخبط ورقنا.. بس لو كملنا للنهاية، ممكن نكتشف إن أبشع كابوس عشنا خايفين منه.. كان هو نفسه أجمل صدفة كتبت لنا حياة جديدة.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى