
أول حاجة سمعتها شاليس لما فاقت كانت صوت راجل بيقول: «ماتصحيهاش.» وتاني حاجة سمعتها كانت صوت قفل بيتقفل. فضلت مغمضة عينيها، وشدت دراعاتها الاتنين حوالين البيبي اللي نايم على صدرها. بقالها 92 يوم، ويونس كان الحاجة الوحيدة اللي فارقة معاها. نامت وهي حاضناه جوه عربية قديمة، وغيّرت له الحفاضات في حمامات محطات البنزين، وكانت بتشتري له اللبن الصناعي من منطقة بعيدة عشان محدش يفتكر شكلها.
لكن دلوقتي… أخيرًا لقوهم.
باب حديد اتفتح.
صوت خطوات قرب من السرير الصغير، وبعدها وقف.
سلمى خاطرِت وفتحت عينيها.
كان قدامها سيف المنصوري، الراجل اللي الناس في القاهرة كلها كانت بتعرف اسمه، واللي رجال الأعمال بيحسبوا له ألف حساب، بينما الشرطة كانت شايفة إنه أخطر بكتير من مجرد رجل أعمال.
كان سيف راكع جنبها.
بس هو ماكانش باصص لسلمى.
كان مركز عينيه كلها على يونس.
وبالذات على الميدالية الفضية القديمة اللي كانت متعلقة في صوابع البيبي الصغيرة.
إيد سيف ارتفعت ببطء.
وكانت بتترعش.
همس بصوت مبحوح:
«ابن أخويا.»
سلمى رجعت لورا بسرعة، ولفت جسمها كله حوالين يونس تحميه.
«ماتلمسوش.»
سيف رفع إيديه الاتنين في الهوا، وحاول يهدّيها.
وبعدين سألها السؤال اللي سلمى قضت تلات شهور كاملة وهي مرعوبة من إنها تسمعه.
«إنتِ جبتيه منين؟»
سلمى بلعت ريقها.
وحكت له عن الليلة اللي اتعرض فيها أخوه أحمد المنصوري ومراته نادين لكمين وهما راجعين من المستشفى.
حكت له عن المستشفى اللي في القاهرة.
وعن الممرضة اللي كانت بتحاول تنقذ الطفل.
وعن الظابط اللي دخل قسم الأطفال وهو ماسك مسدس، وطلب منها تسلّمه البيبي عشان، على حد كلامه، «يخلّص الموضوع كله.»
ملامح سيف اتجمدت بشكل مخيف.
قال بصوت هادي، لكن الهدوء اللي فيه كان أخطر من الصراخ:
«وإنتِ هربتي.»
«أيوه.»
«كان المفروض تيجيلي.»
«لأ.»
عينيه ضاقت.
«ليه؟»
سلمى بصت ليونس، وضمتّه أكتر لصدرها.
«عشان نادين قالتلي ماجيش لك.»
سيف وقف ببطء.
«إنتِ قلتي إيه؟»
سلمى كانت لسه حاسة بأصابع نادين وهي قابضة على رسغها تحت نور المستشفى، وإيدها كلها كانت غرقانة في الدم.
قالت بصوت واطي:
«فاقت قبل العملية… أقل من دقيقة.»
صوت سيف اتغير.
«وكانت عارفة إن يونس عايش؟»
«أيوه.»
«قالتلك إيه تاني؟»
سلمى سكتت.
وشها شحب.
لأن الجزء اللي كانت مخبياه عن سيف طول التلات شهور اللي فاتوا…
ماكانش مجرد سر.
كان سر قادر يهدّ بيت المنصوري كله فوق دماغهم.
حكايات شروق خالد
سيف فضل واقف مكانه، وعينيه ثابتة على وش سلمى.
«قالتلك إيه يا سلمى؟»
سلمى ما ردتش.
«أنا بسألك.»
صوتها خرج متقطع:
«قالتلي… لو وصلتلك، يونس هيموت.»
سيف حس إن الأرض اتحركت من تحته.
«مين هيقتله؟»
«ماقالتش.»
«سلمى.»
«والله ماقالتش! كانت بتنزف جامد، والدكاترة كانوا بيجروا حواليها، وأنا كنت ماسكة إيدها. قبل ما ياخدوها العمليات، قربت مني وقالتلي: خدي ابني واجري… ماتثقيش في حد من عيلة المنصوري.»
سيف قرب خطوة.
«قالت عيلتي كلها؟»
سلمى هزت راسها.
«قالتلي: ماتثقيش في سيف.»
سكت المكان كله.
سيف بص للبيبي.
يونس كان نايم بمنتهى الهدوء، كأنه مش حاسس إن حياته كلها اتقلبت في لحظة.
مد سيف إيده للميدالية، لكن قبل ما يلمسها، سلمى بعدت عنه.
«إنت عايز تعمل إيه؟»
«أشوف الميدالية.»
«ليه؟»
«عشان دي كانت بتاعة أبويا.»
سلمى اتجمدت.
«إيه؟»
سيف قرب عينه من الميدالية.
كان عليها حرف صغير محفور: «م.م».
همس:
«أبويا كان بيلبسها يوم ما اتقتل.»
سلمى بصت للميدالية، وبعدها ليه.
«نادين قالتلي إنها حطتها في إيده قبل ما تسلّمهولي.»
سيف رفع عينه بسرعة.
«نادين؟»
«أيوه.»
«بس نادين كانت عارفة إنها ميدالية أبويا؟»
«قالت إنها مش هتخلي حد يعرف إنها معاه.»
سيف سكت.
وبعدين لف ناحية الباب.
كان واقف عنده اتنين من رجاله.
قال من غير ما يبصلهم:
«اقفلوا كل المخارج.»
واحد منهم استغرب.
«يا باشا؟»
سيف لف له بنظرة خلت الراجل يسكت فورًا.
«ولا حد يدخل، ولا حد يخرج من البيت ده.»
سلمى قامت وهي لسه حاضنة يونس.
«أنا مش هسيبه.»
سيف بص لها.
«مش هتسيبيه لمين؟»
«لأي حد.»
«حتى ليا؟»
سلمى بصت في عينيه.
«خصوصًا إنت.»
لأول مرة، سيف ما غضبش.
بالعكس، نزل عينه وقال بهدوء:
«عندك حق.»
سلمى اتفاجئت.
«إيه؟»
«لو أنا مكانك، مش هثق فيا برضه.»
قرب من المكتب، وفتح درج صغير وطلع منه ظرف بني.
حطه قدامها.
«بس شوفي ده.»
سلمى ما تحركتش.
«إيه ده؟»
«تقرير الحادث.»
«أنا شفت التقرير في المستشفى.»
«ده مش تقرير المستشفى.»
فتح الظرف وطلع صور.
أول صورة كانت لعربية أحمد بعد الحادث.
سلمى قربت رغم خوفها.
وبمجرد ما شافت الصورة، وشها اتغير.
«دي مش عربية أحمد.»
سيف هز راسه.
«بالضبط.»
«إزاي؟»
«عربية أحمد اتفجرت بعد الحادث.»
قلب سلمى بدأ يدق بسرعة.
«يعني؟»
سيف حط صورة تانية قدامها.
«اللي اتعرض للهجوم كانت عربية تانية شبه عربيته.»
سلمى رفعت عينيها له.
«يعني أحمد ونادين ماكانوش المفروض يكونوا فيها؟»
«كانوا فيها.»
«يبقى إزاي؟»
سيف سكت لحظة.
«لأن اللي خطط للهجوم كان عارف مكانهم بالضبط.»
سلمى حست ببرودة في أطرافها.
«حد من جوا العيلة.»

