روايات وقصص

ليلة في مستشفى القاهرة حكايات شروق خالد

“أنا هنا يا فريدة… محدش يقدر يقربلك طول ما أنا عايش.”

نظرت فريدة إليّ بعينين دامعتين، وتحركت شفتاها بصوت هامس وبالكاد يسمع:

“يا زين… الملف… الملف اللي معاك… مش قديم زي ما أنت فاكر… ده حية… والمستندات دي تثبت إن اللي كان ورا اللي حصل لوالدك مش مجرد منافس عادي… ده الشخص اللي قاعد جنبك دلوقتي في الإمبراطورية.”

تجمد الدم في عروق زين، واتسعت عيناه بصدمة هزت كيانه من الأفق إلى الأفق، وهو يستوعب الكارثة التي كانت سكرتيرته الأمينة تحميه منها طوال السنين الماضية.

#حكايات_شروق_خالد

خيّم صمت ثقيل ومرعب على غرفة العناية المركزة، صمت كادت أجهزة القياس وحدها تكسر إيقاعه المنتظم. الكلمات التي نطقت بها فريدة لم تكن مجرد مفاجأة، بل كانت زلزالا هدم كل ثوابت حياته في ثوانٍ معدودة. الشخص الذي يشاركني الإمبراطورية؟ الشخص الذي يقف بجانبي كل يوم، يأكل معي، ويدير معي شؤون الإمبراطورية، هو نفسه من كان ورا ما حدث لوالدي؟

قبل أن يستوعب زين هول الصدمة تماماً، انفتح الباب بهدوء مريب.

دخل العقيد رامي بخطوات بطيئة، وابتسامة خفيفة باردة لم تظهر على وجهه قط من قبل. في يده اليمنى، استقرت أداة صغيرة موجهة بثبات نحوي ونحو السرير.

نظر إليه زين ببطء، ولم تتحرك عيناه بتفاجؤ، بل تحولت إلى نظرة جليدية قطعت أنفاس الغرفة.

قال زين بصوت منخفض أشبه بفحيح عاصفة محبوسة:

“إذن… أنت يا رامي؟ ثلاث سنوات وأنت تلعب دور المحقق الباحث عن العدالة، بينما كنت تبحث عما تبقى من أدلة الجريمة القديمة لتخفيها بنفسك؟”

ابتسم رامي ببرودة، واقترب خطوة أخرى، وأشار بيده بدقة:

“كنت ذكياً يا زين، وأذكى منك كانت سكرتيرتك التي قضت شهوراً تنقب في دفاتر الملاحة القديمة حتى عثرت على المفتاح والمستندات. لولا أنها كانت وفية لك أكثر مما ينبغي، لما اضطررت لكل هذه التمثيلية.”

رفع زين يده ببطء دون أن يفقد هدوءه القاتل، وكأن شيئاً لم يدهشه بعد الآن. نظر إلى فريدة التي كانت تحاول النهوض برعب وهي تشير إليه، ثم أعاد نظره إلى رامي وقال:

“كنت تعتقد أنك ستتخلص منا الليلة، وتغلق القضية للأبد تحت ستار هجوم مجهول؟”

ضحك رامي بخفة، وقال:

“في هذه المستشفى المعزولة، وفي وسط الفوضى وانقطاع الكهرباء، أي حاجة ممكن تحصل يا زين… وداعاً.”

قبل أن يتحرك رامي، لم يكن زين وحده في الغرفة.

من الظل الداكن خلف الباب، انقض عم صبري ورجال الحراسة الخاصة الذين أحاطوا بالرجل في لمح البصر. حركة واحدة سريعة مرت بجانب سقف الغرفة، بينما هجم صبري على يد رامي بقوة، وطرحه أرضاً في ثوانٍ معدودة، مسقطاً ما في يده.

سقط رامي مكبلاً على الأرض، ونظر إلى زين بصدمة بالغة، بينما وقف زين فوقه، يرتسم على وجهه ابتسامة مرعبة لا رحمة فيها.

قال زين بصوت هادئ ومسموع:

“كنت أعلم أن هناك خائناً في الدائرة الضيقة، ولم يكن صبري ليتركني وحدي طوال الليل دون تأمين كل مخرج ومدخل… نهايتك بدأت من اللحظة التي دخلت فيها هذه المستشفى يا رامي.”

استدار زين بسرعة نحو السرير، حيث كانت فريدة تلهث بتعب، لكن عينيها كانتا تلمعان بدموع النصر والأمان. جلس بجانبها، وأخذ يدها بين كفيه بحنان شديد، وقال بصوت دافئ:

“انتهى الكابوس يا فريدة… لن يقربك أحد بعد اليوم.”

نظرت إليه فريدة بابتسامة ضعيفة ولكنها صادقة، وقالت بصوت هادئ:

“كنت أعرف أنك ستصل للحقيقة يا زين… دائماً تفعل.”

وفي ذلك الصباح الباكر، ومع أول بزوغ لنور الشمس فوق سماء القاهرة، انتهت ليلة الغموض، وبدأت الإمبراطورية تحت سيطرة رجل واحد، يعلم جيداً من يحمي، ومن يحاسب.

ليلة في مستشفى القاهرة

حكايات شروق خالد

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى