منوعات

قلب بطل صغير#حكايات_شروق_خالد

مفيش مشكلة زي ما كنت متخيلة.. مفيش حد بياخد فلوس ابني.. مفيش أطفال بيضغطوا عليه عشان يدفع لهم!

المدرس بص لي وقال بصوت حنون:

«دي رنا.. أبوها كان شغال عامل في المدرسة هنا، ومن شهرين حصلت له مشكلة صحية، وتعب ودخل المستشفى، ومبقاش فيه أي دخل ليهم في البيت. البنت دي كانت ساعات بتيجي المدرسة من غير فطار، ولما كانت تجوع قوي.. كانت بتقعد ساكتة ومش بتشارك في اللعب».

حسيت بقلبي بينقبض بطريقة غريبة.

سألته بصوت هادي: «ويوسف؟»

قال:

«يوسف جه عندي من تلات أسابيع وقالي بكل براءة: يا مستر.. هو ينفع الواحد يشتري سندوتشات لزميلته عشان متقعدش جعانة؟ قلت له لأ طبعًا يا حبيبي، ده عمل طيب جدًا. ومن ساعتها وهو بيجيب فلوسه، وبيشتري لها أكل كل يوم، وكمان بيجيب لها حاجات من الكانتين».

وبعدين كمل:

«والبنت عشان مكسوفة تحسسنا إنها بتاخد مساعدة، كانت بتكتب له ورقة شكر صغيرة كل يوم وتقوله ما تقولش لماما عشان ما تقلقش».

بصيت لابني من بعيد.

لقيته بيضحك مع البنت وهو بيديها بقية سندوتشاته، وهي بتبتسم له بضحكة صافية وبريئة.

رجعت بصيت للمدرس، وحسيت بدمعة سخنة نزلت على خدي غصب عني.

كل مخاوفي، وكل ظنوني إن ابني بيتعرض للضغط بسبب الفلوس.. طلعت نتيجة قلقي عليه، بينما الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

طلعت من المدرسة وأنا حاسة إن روحي خفيفة زي الريشة.

لما يوسف رجع البيت الظهر، دخل المطبخ كالعادة وشنطته على كتفه، وبص لي بتوتر بسيط وكأنه خايف أسأله تاني عن الفلوس.

قربت منه، ونزلت لمستواه، وفتحت إيدي ومديت له عشرين جنيه جديدة.

بص للفلوس باستغراب، وبعدين بص لعيوني.

سألني: «إيه ده يا ماما؟»

ابتسمت له وأنا باخد شنطته من على كتفه وبطبطب على راسه بحب:

«دي عشان صاحبتك اللي في المدرسة.. بس المرة دي.. من غير ما تخبي عني حاجة تاني يا بطل».

عيونه لمعت بالفرحة، وحضنني بكل قوته وهو بيقول بصوت واطي:

«شكرًا يا ماما.. أنا بحبك أوي».

وأنا.. كنت بحب أشوف ابني بيتعلم الإنسانية وبيعلمني معناها من جديد.

وقفت في مكاني، ساكتة تمامًا ومش قادرة أنطق بحرف، بينما يوسف كان بيجري على فوق عشان يحط شنطته.

كل كلمة قالها المدرس كانت بتتردد جوه دماغي زي الصدى.

البنت الصغيرة دي، «رنا»، وأبوها اللي كان شغال عامل هنا وتعب ودخل المستشفى.. ويوسف اللي براءة طفولته خلت عنده سر صغير عشان يحافظ على مشاعر صاحبته وما يخليهاش تحس إنها مختلفة عن باقي زملائها.

«ما تخلينيش أحس إن فيه مشكلة».

دي كانت جملة داليا أختي لما حكيت لها بالليل، لكنها ما كانتش متوقعة إن الحقيقة تكون بالشكل ده.

المشكلة الحقيقية كانت إننا كبار، وعينينا أحيانًا بتدور على الاحتمالات الصعبة الأول، ونفترض الأسوأ في كل موقف، بينما الأطفال بيفكروا بقلوب أنقى وأبسط بكتير.

تاني يوم، روحت السوبر ماركت القريب من البيت، ومليت سلة كاملة بحاجات تحبها أي بنت في سنها؛ بسكوت بالشوكولاتة، وعصائر، وعلب لانش بوكس جديدة شكلها جميل ومبهج، وكمان شنطة ظهر أنيقة بألوان مبهجة بدل الشنطة القديمة بتاعتها.

وفي الظرف بتاع يوسف، حطيت مبلغ مناسب وكتبت جوه ورقة صغيرة:

«لصديقة يوسف البطلة.. من مامتك الثانية».

رجعت البيت واديت الحاجات ليوسف قبل ما ينزل، وقلت له بصوت دافي:

«خد دول.. اديهم لرنا بكرة في المدرسة، وقولها إن دي هدية مننا لأننا أصحاب، ومش عايزة أشوفك مخبي عني حاجة تاني، اتفقنا؟»

يوسف فتح عيونه على آخرها من الفرحة، ونط في حضني وهو متأثر:

«بجد يا ماما؟ مش زعلانة مني؟»

قلت له وأنا بقبل وجنته بحب:

«زعلانة منك إيه يا حتة مني؟ أنا فخورة بيك أكتر ما تتخيل».

تاني يوم، بعد ما وصلته المدرسة ورجعت الشغل، كان عقلي لسه معاه في حوش المدرسة.

تخيلت شكل رنا وهي بتفتح الشنطة الجديدة، وشكل ابتسامة يوسف وهو بيشاركها الفرحة دي من غير خوف ولا أسرار.

رجعت الظهر واستقبلته كالعادة عند باب المطبخ، بس المرة دي مكنش ماسك سحاب شنطته بتوتر.

كان داخل يجري وهو بيضحك بصوت عالي:

«يا ماما! يا ماما! رنا فرحت أوي بالشنطة الجديدة والحاجات.. وقالت لي شكرًا يا يوسف، واديتني الرسمة دي!»

مد إيده وطلع لي ورقة مرسومة بألوان خشبية بسيطة.

كان مرسوم عليها قلب كبير، وجنبيه بنت وولد ماسكين إيد بعض، وتحت الرسمة بخط أطفال متعرج مكتوب:

«شكرًا ليكوا أنتوا الاتنين».

مسكت الورقة، وحسيت بغصة فرح في حلقي، ودموع السعادة نزلت على خدي من غير ما أحس.

حضنت ابني بقوة وقريت الورقة بعيني أكتر من مرة، وأنا سامعة ضحكته البريئة بتملى البيت كله، وحاسة إن الحياة من غير خوف أو ظنون سيئة.. أجمل بكتير مما كنا متخيلين.

الجزء الثالث: الخير الذي جمع عائلتين

بعد كام يوم، حسيت إن البيت بقى أخف وأدفى بكتير.

العلاقة بيني وبين يوسف بقت أقرب، ومبقاش فيه أي أسرار بينا، وبقى يحكي لي على كل صغيرة وكبيرة بتحصل معاه في المدرسة، وكأنه اطمن أخيرًا إن مامته هتسمعه وتفهمه قبل ما تحكم عليه.

بس الموضوع مكنش هيخلص لحد هنا بالنسبة لي.

في يوم خميس، بعد ما رجعت من شغلي وخلصت اللي ورايا في البيت، قعدت مع نفسي وأنا باصة لظرف الفلوس.

فكرت: أيوة، يوسف ساعد رنا في الأكل، وأنا بعت لها الشنطة والحاجات، بس أبوها لسه في المستشفى، والظروف الصعبة اللي هما فيها لسه موجودة.

وفعلًا، تاني يوم الصبح كنت قاعدة قدام مكتب المدير، وحكيت له اللي حصل كله، وإزاي إن الأب اللي كان شغال عامل في المدرسة وتعب محتاج وقفة حقيقية مننا كأولياء أمور ومسؤولين في المدرسة، مش مجرد مساعدة مؤقتة وخلاص.

المدير بص لي باحترام كبير وقال:

«والله يا مدام، إحنا كنا عارفين بظروفه الصعبة، وفعلاً الإدارة عملت صندوق مساعدات صغير، بس للأسف المبلغ مكنش كفاية لتكاليف العلاج والعملية اللي محتاجها».

قلت له بحماس وهدوء:

«خلاص يا فندم، اعتبرني أول المساهمين في حل المشكلة دي. إحنا هنعمل حملة مساعدات هنا في المدرسة، وهنكلم باقي أولياء الأمور في جروب الواتساب، وأنا متأكدة إن الكل هيشارك، ومش هنسيب زميلنا الراجل ده لوحده في الظروف دي».

المدير ابتسم وقال:

«أنا معاكي يا مدام، وربنا يقدرنا على فعل الخير».

بدأت الحكاية تكبر بروح الإنسانية والجدعنة المصرية الأصيلة.

عملنا منشور على جروب أولياء الأمور، وحكيت الحكاية من غير ما أذكر أسماء عشان أراعي مشاعر رنا وأهلها، لكن وضحت الصورة كاملة.

وما هي إلا ساعات، ولقيت رسائل بتوصل لي من كل الأمهات والآباء.

دي تبعت مساهمة مالية، ودي تعرض توفير بعض الاحتياجات، وده يقول إنه مستعد يساعد بأي خدمة طبية أو مادية.

بعد أسبوع واحد بس، قدرنا نجمع المبلغ المطلوب لعملية أبو رنا ولجزء كبير من مصاريف العلاج والبيت.

يوم الخميس اللي بعده، وإحنا خارجين من المدرسة، لقيت رنا جارية عليا وفي إيدها أبوها!

الراجل كان لسه تعبان شوية، وواضح على وجهه إرهاق الفترة اللي فاتت، بس عينيه كانت مليانة شكر وامتنان.

جه ناحيتي وقال بصوت متأثر:

«ربنا يجازيكِ كل خير يا أم يوسف.. أنتِ وابنك وبنتي، أنتوا كنتوا سبب في إن ربنا يفرجها علينا في عز الضيق، وإن بنتي تفضل محتفظة بابتسامتها».

بصيت ليوسف اللي كان واقف جنبي ماسك إيد رنا وبيبتسم، وحسيت ساعتها إن كل خطوة خطيتها في القصة دي، وكل دمعة قلق نزلت من عيني في الأول، كانت مجرد بداية عشان أتعلم من ابني — وهو يتعلم مني — إن الجدعنة والقلب الطيب هما أثمن حاجة ممكن الإنسان يسيبها وراه في الدنيا دي.

روحت البيت وأنا ماسكة إيد يوسف في الطريق، وسألته بحب:

«مبسوط يا بطل؟»

هز راسه بسرعة وبابتسامة عريضة لحد أذنيه:

«جداً يا ماما.. ورنا بتقول لي إن باباها بقى أحسن وهيقدر يزورنا في البيت قريبًا!»

ضحكت بصوت عالي، ورفعت راسي للسماء وأنا حاسة إن الدنيا لسه بخير، وإن الطيبة اللي في قلوب ولادنا هي النور الحقيقي اللي بينور لنا أيامنا الصعبة.

قلب بطل صغير

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى