
نزلت كوباية المية.
وقال بنبرة كلها غرور: «ده شعار وحدتي وكتيبتي، رجالة ماتت ونزفت عشان الشعار ده، مش تروحي تشتريه من سوق السيدة عائشة عشان تاكلي بيه لقمة ببلاش! اقلعيه حالاً».
رديت لأول مرة بصوت هادئ: «لأ مش هقلعه».
«قلعيه بقولك، ولا أقسم بالله هقلعهولك أنا بمعرفتي!»
البنت اللي قاعدة جنبنا قامت وقفت من الرعب.
هزيت لها راسي بالراحة عشان تقعد وتطمن.
رفعت عيني بصيت للواد ده، وبعدين بصيت من فوق كتافه على الحائط الكبير اللي فوق مكان الأكل.
كان مكتوب عليه بحروف كبيرة واضحة كلام منسوب للخدمة والبلد.
ده هو نفسه كان بياكل تحته كل يوم بقاله تلات سنين.
قولت له بصوت رايق: «يا ابني.. قبل ما تمد ايدك عليا وتعمل فيها سبع رجالة في بعض، استنى بس.. اقرأ لي إيه اللي مكتوب على الحيطة اللي وراك دي الأول؟»
#حكايات_شروق_خالد
هزّ البتول كتافه بتهكم، وبص وراه على الحيطة ثواني ورجع بصه لي، وقال بصوت عالي عشان يسمّع القاعة كلها: «مكتوب “الشرف والعزيمة”.. إيه، حافظ الكليشيهات دي وعايزة تختبريني؟»
رفعت عيني فيه، وهزيت راسي ببطلء، وقولت بصوت هادئ ومسموع أكتر من الاول بكتير: «لأ يا ابني.. الكلمتين دول متعرفش وزنهم الحقيقي لسه.. اقرأ الجملة اللي تحتهم.. اللي مكتوب فيها اسم الكتيبة بحروف بارزة.. اسم الكتيبة اللي انت حاطط شعارها على صدرك كإنه موضة.. واعرف مين اللي أسسها سنة تسع وخمسين.. واعرف ليه الختم ده بيبقى على كباسين ناس معينة مش أي حد ماشي في الشارع.»
وجهه اتغير فجأة.
الضحكة اللي كانت على وشوش زمايله طارت في ثواني.
العيون اللي في القاعة كلها التفتت ناحيتنا، والصمت بقى أثقل من سقف المكان.
قربت من الدبوس النحاس القديم اللي على ياقاتي، ولمسته بصباعي بالراحة، وكملت بصوت هادي كأننا قاعدين بنشرب شاي لوحدنا: «أنا يا سيدي كنت النقيب كوثر برادوك.. في أول دفعة طبية ميدانية دخلت سيناء.. وكنا بنخيط الجروح والناس اللي زيك لسه مولودين.. والشعار ده اللي انت فاكر إنه بتاعك لوحدك.. أنا اللي كنت موجودة يوم ما اتعمد بدم زملاتك الحقيقيين.. مش بدموع العيال في المعسكرات.»
الواد كأن السقف وقع على دماغه.
عينه وسعت لآخرها وبص لدبوس بتاعي، وبعدين بص للياقة بتاعتي، كأنه أول مرة يشوف نفسه في المراية بجد.
شريط الحياة عدى في عينه، وشاف نفسه قد إيه كان صغير وقليل قدام تاريخ واقف قدامه على كرسي خشب في صالة أكل.
كل الناس في القاعة قامت.. محدش قال كلمة، بس الكل وقف احتراماً للإنسانة اللي قدامهم.
الصول رزق بلع ريقه بصعوبة، ووشه بقى أصفر بعد ما كان أحمر، ونزل عينه في الأرض وهو حاسس إن رجليه مش شايلته، ولقى نفسه بينحني تلقائياً بدون ما يحس، وقال بصوت منكسر ومبحوح: «..آسف.. يا فندم.»
سيبت المعلقة خالص، وعدلت قعدتي، وخدت شنطتي على رجلي، وقولت له بابتسامة خفيفة وناشفة: «المرة الجاية.. قبل ما تسأل حد عن اسمه.. اتعلم الأول تقرأ التاريخ صح يا ابني.. عشان التاريخ مابيرحمش.. يلا.. روح كمل أكل عشان شكلك لسه وراك دروس كتيرة أوي.»
وقفت بهدوء وجمعت حاجتي، وبصيت حواليا لقيت الصالة كلها واقفة احتراماً وصمت تام كأن الطير على رءوسهم. عيون كل العساكر والضباط كانت موجهة ناحيتي بتقدير رهيب، ومحدش تجرأ ينطق بكلمة واحدة.
مشيت بخطوات ثابتة وواثقة بين الترابيزات، وكل ما أعدي على ترابيزة، العساكر يقوموا يقفوا انضباط واحترام. لما وصلت عند البوابة، حسيت بريح الشارع الباردة وهي بتداعب شعري الأبيض، وحمدت ربنا إن لسه فيه ناس بتفكر وتعرف قيمة التعب والعمر اللي راح في خدمة البلد دي. ركبت الباص بتاعي وأنا حاسة إن المشوار ده كله، بكل تعبه، كان يسوى الدنيا وما فيها عشان ألقن الواد ده درس ما ينساهوش طول عمره.
النهاية
وكأن الزمن وقف في تلك اللحظة داخل الصالة الكبيرة.
لم تعد هناك أصوات لصحون أو ملاعق، ولا حتى همسات. الجميع كانوا يتابعون المشهد في صمت مذهل.
الصول رزق وقف مكانه، تائهاً بين ذهول صدمته واحترامٍ فرضه التاريخ الحقيقي الذي يقف أمامه وجهاً لوجه. أدرك أن الأوسمة والبدل العسكرية ليست مجرد مظاهر للتباهي أو ملابس تُرتدى بوعجرفة، بل هي عرق ودم وعمر ضاع في حماية تراب الوطن.
أما كوثر، فقد أخذت حقيبتها البسيطة ووقفت بظهر منحي قليلاً ولكن بهيبة لا تقدر بمال، وخطت خطواتها نحو البوابة بخطوات ثابتة وواثقة، بينما وقف الجميع في القاعة وقفة رجل واحد تحيةً وإجلالاً لتلك السيدة التي لقنتهم جميعاً—وفي مقدمتهم ذلك الغرّ—درساً قاسياً في احترام الأصول، والتاريخ، ومعنى العسكرية الحقيقي الذي لا يموت.
#حكايات_شروق_خالد
عصا العجوز
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



