منوعات

كرسي الملكة ج1 #حكايات_شروق_خالد

#حكايات_شروق_خالد

بصيت لأمي وعيني مطلعين شرار من الخضة والذهول، سألتها بصوت واطي وبيموت من القلق: “يا أمي.. إيه اللي في العلبة دي؟ وسماح دي عرفتها منين أصلاً؟!”

أمي مَردتش عليا في الأول. كانت باصة للست اللي واقعة على الأرض وهي مغمى عليها، وعينيها نظرتهم مليانة وجع وحنين وقسوة زمن قديم. قفلت العلبة ببطء، وحطتها تاني في جيبها، وبصتلي وقالت بصوت هادئ بس مرعب: “تعال يا أحمد.. نمشي من هنا قبل ما الأمن يقفل علينا بجد.. وقبل ما اللي مبعوتة ورايا تفوق.”

قبل ما ألحق أستوعب كلامها، لقينا أربعة من أمن المول ومعاهم مدير الأمن بيجروا ناحيتنا وباب المول الرئيسي اتقفل قدام الكل بصوت ضخم: “تككك!” والأنوار الأساسية طفت واشتغلت أنوار الطوارئ الصفراء!

مدير الأمن جه وبص لأمي بخوف واحترام غريب، كأنه عرفها أو شاف وشها قبل كده، وقال بصوت متهدج: “يا فندم.. البوابات اتقفلت زي ما الأوامر جاتلنا.. بس… مين السيدة اللي وقعت دي؟ والسيستم عندنا ضرب أول ما الهانم فتحت العلبة ورقم كارت الهوية ظهر في غرفة التحكم!”

أنا فتحت عيني على أخرها وبصيت لأمي: “كارت هوية إيه يا أمي؟! هو إنتي مين أصلاً؟!”

أمي مدت إيدها التانية مسكت دراعي جامد وقالت: “اللي كانت بتزعق دي مش مجرد ست عادية يا أحمد.. دي بنت اللواء رفعت.. اللي كان سبب في الحادثة بتاعتي من ست سنين، واللي حاول يخفي الملفات اللي بتدينهم كلهم.. والعلبة دي فيها المستندات اللي بتثبت إن الحادثة بتاعتي مكنتش قضاء وقدر.. دي كانت محاولة اغتيال عشان اسكت للأبد!”

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت للست اللي واقعة على الأرض وهي بتبتدي تفوق وتفتح عينيها برعب، وبصيت للأبواب المقفولة ولمدير الأمن اللي واقف مرعوب مش عارف يعمل إيه، ولقيت أمي بتزق كرسيتها بنفسها وتقولي: “يلا يا ابني.. المعركة الحقيقية لسة بادئة دلوقت حالا!”

مدير الأمن بلع ريقه بصعوبة، ونظراته تتقلب بين أمي وبين سماح اللي بدأت تفوق وتتلوى على الأرض بانهيار وعصبية، وهي بتصرخ بصوت مقطوع: “هاتوهم.. ما تخلوهمش يهربوا بالملفات.. البلاغ اتصل بيهم.. باباهم زمانه جاي!”

أمي مَدهشتش ولا اترعبت.. بالعكس، نظرتها كانت ثابتة كأنها كانت مستظرة اللحظة دي من سنين. بصّت لمدير الأمن وقالت بصوت هادئ بس صارم: “قول للرجالة بتوعك يفتحوا باب الطوارئ الجانبي يا ابني، وإلا غرفة التحكم بتاعتكم دي اللي ظهر فيها رقم الكارت، هينزل فيها دلوقتي تقرير أمني يقلب المديرية كلها فوقاني تحاني.”

مدير الأمن بان عليه الرعب أكتر، وشكل كأنه وقع في كابوس مش قدّه. بص للباب المتقفل وبص لأمي، ولقى نفسه بيدي إشارة سريعة لاتنين من الأمن الواقفين جنبه: “افتحوا باب الطوارئ.. بسرعة، نفذوا!”

أنا كنت حاسس إن دماغي هتنفجر من كتر الأسئلة والتوتر. مسكت الكرسي بتاع أمي وبدأت أدزّه بسرعة ناحية باب الطوارئ اللي اتفتح قدامنا، وسماح كانت لسة واقعة على الأرض بتعيط بانهيار وبتشاور علينا وبتصرخ في الأمن اللي واقفين متنحتين مش عارفین يعملوا إيه.

خرجنا في الشارع الهوا البارد ضرب في وشنا، وأمي قالتلي بصوت حازم: “اركب العربية يا أحمد.. ولما نتحرك هحكيلك كل حاجة.. الحكاية مش بتاعت النهاردة.. دي تمن سنين من القهر والظلم، وجه الوقت اللي الحق هيتعرف فيه.”

دورت عربيتنا وانطلقنا بسرعة وسط زحمة القاهرة، وقلبي بيدق ألف دقة في الدقيقة، ومش عارف إيه اللي مستنينا في البيت، ولا إيه سر المستندات اللي في العلبة الجلدية اللي قلبت المول رأسًا على عقب!

#حكايات_شروق_خالد

 

طول طريق الرجعة، كنت حاسس إن السواقة في صدمة لوحدها. عيني رايحة جاية في مراية العربية على أمي، وهي قاعدة ساكتة، بتبص قدامها بنظرة حادة كأنها بتسترجع شريط حياتها كله في ثواني.

كسرت الصمت وسألتها بصوت مقطوع: “يا أمي.. بالله عليكِ تكلمي.. فهّمني إيه اللي بيحصل؟ يعني إيه محاولة اغتيال؟ وإزاي الست دي تخص اللواء رفعت اللي بتقولي عليه؟ هو مش المفروض إن الحادثة بتاعتك من ست سنين كانت نقل ومواصلات عادية على طريق الإسكندرية؟!”

أمي تنفست بعمق، وحطت إيدها على العلبة الجلدية في جيبها كأنها بتتطمن إنها لسة موجودة، وبصتلي وقالت بصوت ماليان شجن وحزن مستخبى وراء قوة سنين: “يا أحمد.. الحادثة اللي قعدتني على الكرسي ده مكنتش صدفة، ولا عجلة عربية اتقطعت لوحدها.. أنا كنت ماسكة ملفات فساد مرعبة تخص مشاريع كبرى في الوزارة اللي كنت شغال فيها كمستشارة قانونية، واللواء رفعت كان رأس الكبيرة بتاعتهم. لما لقوني متمسكة بالمبدأ ومش راضية أتنازل أو أسكت، قرروا يتخلصوا مني بطريقة تبان كأنها قضاء وقدر.”

كملت بصوت أخشُن: “يومها، عربية نقل طلعت علينا فجأة على طريق الصحراوي ودشدشت عربيتي.. بس ربنا كتب لي عمر جديد، وعشت.. وماتت معايير الأمان اللي كنت مستخبية وراها لما فهمت إنهم ناويين يصفوني للآخر.. فسكتّ، وانسحبت من الدنيا، وعشت معاكم في الظل عشان أحميكم أنتو ولادي من بطشهم، وسبت العلبة دي أمانة عند ناس أمينة، لحد ما حسيت إن الوقت جه عشان أرجع حقي وحق كل الناس اللي اتظلمت.”

سألتها برعب: “وأما سماح دي.. تبقى بنته؟!”

هزت راسها وقالت: “بنته، وهي اللي كانت متابعة الحسابات القديمة ومكلفة تدور عليا عشان تخلص اللي أبوها بدأه من ست سنين.. بس هي مكنش في حساباتها إن العلبة دي فيها إدانة مباشرة ومختومة باسم أبوها شخصياً، وإدانة لكل كبار الدولة المتورطين معاه، واللي أول ما السيستم قراها في غرفة التحكم، الأمن المركزي اتبلغ تلقائياً لأن الكارت ده مرتبط بـ ‘إنذار أمني مشفر’ لملفات الأمن القومي.”

وصلنا البيت، ودخلنا بالعافية، وقبل ما نقفل الباب ورايا، لقيت تليفون البيت بيرن بشكل متواصل ومجنون، وبعدها تليفوني المحمول رن برقم غريب من جهة أمنية رفيعة المستوى!

بصيت لأمي وقلبي بيدق بجنون، وهي مدت إيدها بكل ثقة وقالت لي: “رد يا أحمد.. دي مش نهاية الحكاية.. دي بدايتها.”

#حكايات_شروق_خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى