منوعات

سر الدولاب وسور الدار ج1 حكايات شروق خالد

نهى جريت من البلكونة ووشها أصفر، وقفت جنب زياد وهي بتبرطم: «إيه ده يا زياد؟ هي دي الست اللي قلتلي مش دارية بالدنيا وبتبكي في السترة؟ دي طلعت قاعدة على قنبلة! لو الورق ده راح القسم ضحكنا وبقينا في المضمون على الطين!»

زياد بصلي ونظرة الخوف اتلغت من على عيونه وتحولت لجنون. زعق بصوت عالي وهو بيقرب مني: «إنتي بتلعبي بالنار يا أمي! فاكرة نفسك هتقفي في وشي؟ البيت ده والأرض دي بقوا في جيب، والورق اللي في إيدك ده هشره وهحرقه وهضيعك إنتي واللي جابوكِ!»

قبل ما يكمل خطوته التانية، اتفتح باب الشقة وفجأة ظهر حاتم (ابنها الكبير) ووراها عم أحمد (جارهم القديم وشاهد عيان على كل حاجة) ومعاهم أمين شرطة من نقطة القرية!

حاتم وقف قدام أخوه زياد ومسكه من تلابيب قميصه وزعق بوجع: «كنت بايع أبونا وهو لسه ميت يا زياد؟! كنت عايز تحجر على أمنا وتطردها من بيتها عشان الفلوس؟! أنا كنت حاسس إنك مريب بس ما وصلتليش ندالتك للدرجة دي!»

زياد اتقبض عليه في ثواني، وأمين الشرطة كتم نفسه بالكلابشات وهو بيصرخ ويهدد. نهى جريت على برة الشقة زي الخوايفة ومحدش حتى بص في وشها.

البيت هدي فجأة… صوت صراخ زياد وهو نازل مع العسكري اختفى في الطرقة. بصيت لحاتم اللي كان واقف بيعيط بحرقة وبيطلب مني السماح لأنه ما كانش واخد باله من طمع اخوه.

قعدت على كرسي محمود، ومسحت دموعي بإيدي، وبصيت للأوراق اللي في إيدي. بصيت لشرفة الدار وللحقل الأخضر الواسع اللي بره… محمود كان عارف ولاده كويس، وسابلي السلاح اللي أحمي بيه عرضه وبيته.

خدت نفس عميق، وقلت لحاتم بصوت قوي وثابت:

«قوم يا حاتم… ورانا رجالة أصول لازم نلم شملهم، وحقوق أبوك وأرضه مش هتروح لندل ولا لابن حرام… دي عِزوتنا، وعمرنا ما هنفرط فيها أبداً.»

قعدت على كرسي محمود، وطلعت الشاي الحار اللي جهزه عم أحمد عشان يهدي روعنا، وبصيت لحاتم اللي كان قاعد قدامي مكسور ومنكسر. حطيت إيدي على كتفه وقلت بصوت هادي:

«ازعل على أخوك اللي باع ضميره في سوق الفلوس يا حاتم، بس إياك تزعل على البيت ده. أبوك الله يرحمه سابنا على بصيرة، والعقود اللي لقيتها في الأوضة السرية دي مش بس بتثبت إن زياد كان ناوي يبيع، دي كمان بتثبت إن فيه ناس تانية مشاركاه في اللعبة من كبار السوق في القاهرة.»

حاتم رفع عينه المحمرة من الدموع وقال بصوت مهزوز: «يعني زياد مش لوحده يا أمي؟ فيه حد تاني وراه؟»

«طبعاً وراه،» رديت بثبات وأنا بقلب في ورق عقود الشراكة المضروبة. «نهى دي مش مجرد صاحبة، دي بنت واحد من كبار المستثمرين اللي عينهم على أراضي الصعيد كله عشان يعملوا مشاريع سياحية ومخازن ضخمة. هما كانوا فاكرين إن الست العجوزة اللي قاعدة في الريف هتبص للقرشين وتمضي على أي حاجة وهي مغمضة.»

عم أحمد دخل من بره وهو بينفض جلابيته وقال بجدية: «يا ست ليلى، كلامك صحيح. أنا من يومين شوفت عربيات فخمة واقفة آخر الغيط، وكان فيها ناس شكلهم غريب بيعاينوا الأرض مع زياد، بس كنت مفكرهم مستثمرين عاديين بيشتروا من بره مش من ورانا.»

قمت من على الكرسي، ومسكت الملفات وحطيتها في شنطة جلد قديمة بتاعت محمود، وقولت بحزم: «الغلطة اللي عملوها إنهم فكرونا وحدنا. بس طول ما أنا وفية لاسم أبوكم وراجل ضهره اتحنى في الأرض دي، مفيش مخلوق هياخد شبر واحد من غير ما ياخد إذننا الأول. يلا يا حاتم، ورانا مشوار لنيابة المركز، ومعانا المستندات اللي تخلي أي كبير يرجع في كلامه.»

نزلنا سوا، أنا وحاتم وعم أحمد، ركبنا العربية وطلعنا على المحكمة. وهناك، قدام وكيل النيابة، قدمنا الملفات والعقود والتسجيلات اللي بتثبت تورط زياد وشريكه في تزوير أوراق بيع ملكية عامة وخاصة.

القاضي أمر بوقف أي إجراءات بيع فورا، وإصدار قرار ضبط واحضار للشريك الكبير في القاهرة، والتحفظ على كل أموال وممتلكات زياد لحد ما التحقيقات تخلص.

لما رجعنا البيت كان الليل قد بدأ يليل. وقفت على الشرفة الكبيرة، بصيت على الحقل الأخضر اللي تحت النجوم، وعلى الساقية اللي بتلف بصوتها الهادئ. حسيت بنسمة هوا باردة كأنها إيد محمود الطاهرة بتطبطب على كتفي.

بصيت لحاتم اللي وقف جنبي وقال باحترام: «نورتي بيتك يا أمي، وبقيتي الحارس الأمين عليه.»

ابتسمت بحب، وقلت: «أبوك بناه بعرقه، وأنا هحميه بروحي.. وعمر الغريب ما هيأكل حق أهل الدار أبداً.»

#حكايات_شروق_خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى