
— وريني شطارتك.. الطلمبة دي لو متصلحتش خلال ساعة، اعتبري إن البنك هينفذ حجزه بكرة الصبح.
داليا كشرت وقربت من المعمل الصغير وهي بتمتم بغيظ:
— فاجر وبيهدد.. ماشي يا سي سيف، وريني هتعمل إيه لو صلحتها وطلبت الطلاق في نفس اللحظة!
#حكايات_شروق_خالد — عشان أخد المهندسة بتاعتي تصلحها بنفسها — كمل سيف كلامه وهو بيبتسم ببرود، وساب البوكيه في إيد تيريزا المذهولة اللي فتحت بقها على الآخر.
داليا وقفت مكانها كأنها محطوطة في فريزر. مزرعة في التجمع؟ طلمبة بايظة؟ هو بجد مستغل كلمتين قالتهُم وهي مش فايقة عشان يجرجرها معاه؟!
— أنا مش مهندسة ميكانيكا، أنا بصلح طلمبة البنسيون بالعافية بسلك مواعين وشوية شيكارتون! — داليا دافعت عن نفسها وهي بترجع لورا خطوة.
— الشيكارتون مش هينفع مع طلمبة ألماني، عشان كده جيت بنفسي — رد سيف وهو بيتحرك بخطوات بطيئة وثابتة لجوة الاستقبال، كأنه صاحب المكان الحقيقي — وبعدين، العريس مبيسيبش عروسه تاني يوم الصباحية.
تيريزا بصت لداليا وغمزت لها بعينها الشمال بغمزة طويلة وواضحة، وبعدين همست لها:
— يا بنتي ده قمر ووسيم وغني، والمزرعة في التجمع.. ده إنتِ نحستِ ووقعتي على فلتكِ! اسكتي واركبي معاه يمكن يفك كرب البنسيون ده!
— اخرسي إنتِ كمان! — داليا بصت لتيريزا بغيظ، وقبل ما تقدر ترد على سيف، سمعت صوت عربية الإسعاف أو عربية تقيلة داخلة من بعيد، وفكرت في جدتها اللي نايمة فوق وتعبانة.
سيف لاحظ نظرة القلق اللي خطفت على وش داليا، فوقف مكانه وبطل هزار:
— جدتك تعبانة؟
داليا بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مكسور مابقاش فيه أي شجاعة:
— محتاجة عملية في القلب، والبنك هيهد البيت علينا بكرة الصبح لو مدفعناش الأقساط.. فاهم ليه كنت =إمبارح؟ كنت بفضفض لحيطان الحفل مش أكتر.
سيف مابعدش عيونه عنها ثانية واحدة. ملامحه الحادة هديت شوية، وطلع من جيب بدلسه كارت أسود صغير مكنش مكتوب عليه غير حروف ذهبية بارزة، ورماه بخفة على الترابيزة الخشبية القديمة قدامها.
— اركبي العربية.. وأول ما نوصل مزرعتي في التجمع وتصلحي الطلمبة، حساب العملية والدين بتاع البنك هيكونوا اتدفعوا بالكامل.
داليا بصت للكارت الأسود، وبعدين بصت لسيف اللي كان بيبصلها بنظرة مايتفهمش منها غير إنه شخص مش متعود أبدًا إنه يخسر.. لا في صفقات، ولا حتى في عروسة لقاها صدفة وهي .
داليا دخلت غرفة الطلمبات وريحة الزيت والمحروقات ضربت في خشمها، بس مفرقش معاها؛ دي كانت أرضها المفضلة، شغل ميكانيكا وتركيبات زي اللي بتعمله في البنسيون كل يوم. بصت للوحة التحكم المعقدة، وفتحت الغطاء المعدني الكبير وهي بتشمر كميات قميصها.
برة، كان سيف واقف بيراقبها من خلال الباب الزجاجي الواسع، حاطط إيديه في جيوب بنطاله، وعلى شفايفه ابتسامة هادية وغامضة.
مهندسين الصيانة وقفوا جنب سيف وبصوا لبعض بقلق:
— يا سي سيف، البنت دي شكلها هاوي.. النظام الألماني ده محتاج مهندس معتمد من الشركة المصنعة، دي لو بوظت حاجة كمان، الموتور هيتحرق نهائي!
سيف مابعدش عيونه عن داليا وهي ماسكة المفك ومستغرقة في شغلها، وقال بصوت حازم وهادئ:
— سيبوها تشتغل.. عيونها بتقول إنها فاهمة هي بتعمل إيه كويس قوي.
جوّة الأوضة، داليا كانت بتكلم نفسها بصوت عالي:
— ماشي يا سي سيف يا غرور يا ابن الناس الكبار.. أدي المسمار ده هنحله.. ودي الوصلة المقطوعة هنظبطها.. وادي الشيكارتون اللي بتقللوا منه!
وبحركة سريعة واثقة، فكت الصامولة الأساسية اللي كانت قافشة بسبب ترسبات المية، ونظفت الفلتر المسدود، وبعدين ربطت الأسلاك بطريقة ذكية تانية. داليا صرخت بصوت عالي وهي بتعدل قعدتها:
— خلصنا!
راحت على زر التشغيل الرئيسي وضغطت عليه بإيديها الاتنين.
ثواني من الصمت.. وبعدين صوت طنين خفيف بدأ يعلو، والمحرك الألماني الضخم اشتغل بسلاسة غريبة والمية انطلقت في الخراطيم قوّة ومنسوب مظبوط، لحد ما الفوارات اللي برة في الحديقة اشتغلت وطلعت المية في الهوا بشكل يجنن.
مهندسين الصيانة فتحوا بقهم من الصدمة، وداليا طلعت من غرفة الطلمبات وهي بتمسح العرق اللي على جبينها بظهر إيديها، وراحت ناحية سيف وهي مربعة إيديها وبتبصله بتحدي:
— طلمبتك الألمانية اشتغلت أحسن من الأول.. ودلوقتي، دورك يا سي سيف.
سيف صفق ببطء شديد، وابتسامته وسعت أكتر:
— ممتاز.. كنت متأكد إنك قدها.
طلع فونه من جيبه، وعمل مكالمة قصيرة بصوت خشن:
— حول الفلوس فوراً للحساب اللي بعتهولك، واقفل موضوع حجز البنسيون بتاع مدام صالحة.. تمام، مع السلامة.
داليا وقفت مكانها وقلبها دق بسرعة، حست إن الإحساس بالضغط والانكسار اللي كان على كتافها لفترة طويلة انزاح في ثانية واحدة. بصت له وقالت بصوت هادي لأول مرة:
— إنت.. إنت بجد دفعت الدين وفتحت حساب العملية؟
سيف قرب منها خطوة، لحد ما بقى قريب منها لدرجة إنها شمّت ريحة عطره الخشبي الفخم:
— سيف الهواري مبيخلفش بوعده أبداً.. خصوصاً لما بيكون مع مراته.
داليا وسعت عيونها بصدمة وقالت بعصبية خفيفة:
— مرات مين يا أخي إنت؟! أنا صلحت لك الطلمبة، يعني كده خلصنا.. الطلاق بقى، أطلقه إمتى وفين؟!
سيف رفع حاجبه الشمال، وبص لها بعينين بتلمع بخبث وسحر:
— الطلاق؟ مين قالك إن فيه طلاق أصلاً؟ أنا شوفت الفيديو تلاتمائة مرة.. والمأذون هيكون هنا بكرة عشان نكتب الكتاب بجد، يا أحلى مهندسة ميكانيكا شافتها عينيا.
#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



