
بيت اللي تعبت عشان أجيبه، واللي اخترت ستاير أوضه بنفسي، واللي اشتريت له طقم أطباق جديد من فلوسي، واللي كنت بحلم أقعد فيه مع ولادي من غير ما أخاف من صاحب الشقة وهو بيقول لي إن الإيجار هيزيد.
لكن كلمة واحدة فضلت تتردد في دماغي:
**فندق.**
نفس الكلمة اللي سمعتها من خمستاشر سنة. وقتها كان عندي اتنين وعشرين سنة بس، وكنت شايلة ابني يوسف، اللي كان لسه طفل صغير، على دراعي. جدتي كانت ماتت من أربع شهور، والبيت الأبيض الصغير اللي كانت سايباني أعيش فيه أنا وابني اتباع.
أبويا وأمي وقتها قرروا إن لازم أمشي قبل ما المشتري يستلم البيت. كنت واقفة في مطبخ صغير، حواليّ كراتين متقفلة بشريط لاصق، وهدومي محشورة في شنط قديمة، وابني بيعيط من الجوع وأنا مش عارفة أعمل له إيه.
بصيت لأبويا وقلت له وأنا بحاول أمنع دموعي من النزول:
«طب أروح فين يا بابا؟ أنا معايا طفل صغير، ومش معايا فلوس تكفيني أأجر شقة.»
أبويا ما بصليش حتى. فضل بيقفل آخر كرتونة، وبعدين قال ببرود:
«دبّري نفسك يا مريم. إنتِ كبرتي وبقيتي مسؤولة عن نفسك.
»
أمي قربت مني ومدت لي ورقة صغيرة مكتوب عليها عنوان فندق شعبي في منطقة بعيدة عن وسط البلد، بيأجر الأوضة بالأسبوع. وقالت:
«روحي اقعدي هناك كام يوم لحد ما ربنا يفرجها. إحنا مش هنقدر نشيل مسؤوليتك طول العمر.
»
فاكرة كويس شكل الورقة وهي في إيدي. وفاكرة إني يومها كنت حاسة إن الدنيا كلها قفلت أبوابها في وشي. ما كانش معايا غير مبلغ صغير، وشوية هدوم، وطفل محتاجني، وخوف أكبر مني بكتير. خرجت من البيت وأنا شايلة يوسف بإيد، والشنطة بالإيد التانية، ودموعي بتنزل من غير صوت.
ومن يومها، وعدت نفسي بحاجة واحدة:
**عمري ما هخلي ولادي يحسوا بالإحساس اللي حسّيته وأنا واقفة قدام أهلي ومش لاقية مكان أروح له.**
اشتغلت أي شغلانة قدرت عليها في الأول، وبعدها دخلت مجال التمريض، وبدأت أشتغل شيفتات طويلة، وكنت ساعات أرجع من المستشفى مع طلوع الشمس، أنام ساعتين، وأصحى أجهز الفطار للعيال وأوصلهم المدرسة.
كنت بأجل شراء هدوم لنفسي، وأصلّح الجزمة القديمة بدل ما أشتري غيرها، وأحسب كل جنيه قبل ما أصرفه. ولما كنت بتعب، كنت أبص على الظرف اللي كاتبة عليه «فلوس البيت»، وأقول لنفسي:
«استحملي يا مريم. يوم ما يبقى ليكي بيت، محدش هيقدر يطلعك منه.
»
وفي الآخر، قدرت. اشتريت البيت. بيت صغير في شارع هادي في مدينة الشروق، بواجهة بسيطة وجنينة قدامها مساحة تكفي كرسيين وترابيزة صغيرة، وصالة منورة، وأوضتين نوم، ومطبخ كنت بحلم أطبخ فيه وأنا مطمنة. مش قصر، ولا فيلا فخمة، لكنه كان أكبر من كل أحلامي وقتها.
والأهم من كل ده، إنه كان ملكي. ما كنتش متخيلة إن بعد ست أيام بس، أهلي هيتصلوا بيا عشان يقولوا لي إن البيت مش بتاعي لوحدي، وإن عليّ أسيبه لهم وقت ما يحبوا. بصيت ناحية باب أوضة يوسف



