
إنتِ مش هتضيقي علينا يعني.»
«نضيّق عليكم؟ هو إنتوا هتعملوا السبوع عندي من غير ما حتى تسألوني؟»
أمي تنهدت بضيق، كأنني أنا اللي بعطّل تحضيراتها المهمة.«يا مريم، ما تكبريش الموضوع. ده سبوع ابن أخوكي، وأول فرحة ليه. وبعدين البيت واسع، والجنينة عندك أحسن من عندنا بكتير.
»
قبل ما أقدر أرد، سمعت صوت أبويا من بعيد:
«حطيلي الموبايل على السماعة.»
بعد ثواني، صوت أبويا، الحاج محمود الشناوي، ملأ ودني. قال من غير أي مقدمات:
«بصي يا مريم، بعد السبوع تيسير وداليا هينقلوا عندك.
»
في اللحظة دي، حسّيت إن مخي وقف. بصيت حواليا، كأني مستنية حد يظهر من باب المطبخ ويقول لي إن دي مقلب سخيف. قلت:
«ينقلوا عندي إزاي يعني يا بابا؟»
رد بلهجة حاسمة:
«زي ما بقولك كده. مراته هتولد، ومينفعش يرجعوا بالبيبي عندنا.
»
أبويا وأمي كانوا ساكنين في شقة داخل كمبوند في أطراف القاهرة، وإدارة المكان عندهم قواعد صارمة بخصوص إقامة أفراد من خارج الأسرة لفترات طويلة، وخصوصًا لو مش مسجلين في عقد السكن. أبويا كان اتنبه قبل كده إن تيسير مينفعش يقعد عندهم بالشهور، وبدل ما يحل مشكلته معاه، قرر ببساطة ينقلها لبيتي أنا.
كمل كلامه كأنه بيشرح لي ترتيب عفش:
«وبعدين، إنتِ عندك أوضتين نوم وصالة كبيرة، يعني البيت يستحمل. يوسف ممكن ينام مع ليلى في أوضتها، وتيسير وداليا ياخدوا أوضة يوسف. وهي فترة مؤقتة لحد ما أخوكي يقف على رجله.
»
حاولت أتمالك أعصابي وسألته:
«مؤقتة قد إيه يا بابا؟ شهر؟ شهرين؟ ست شهور؟»
أمي دخلت في الكلام بسرعة:
«يا مريم، هو إحنا هنقعد نحسبها بالأيام؟ ده أخوكي، يعني مش واحد غريب. المفروض تبقي أول واحدة تقفي جنبه.»
وبعدين قالت الجملة اللي سمعتها منها مئات المرات طول حياتي:
«إنتِ دايمًا بتصعّبي الدنيا لما حد يحتاجلك.»
سكت. مش عشان اقتنعت، ولا عشان ما لقيتش رد. لكن لأنني فجأة افتكرت كل مرة اتقالت لي فيها الجملة دي، وكل مرة اتطلب مني أتنازل عن حاجة تخصني، واتعاملت كأن رفضي أنانية، وكأن تعبي ملوش قيمة.
أبويا، لما لقى إني ساكتة، افتكر إن الموضوع انتهى وإنه كسب. قال بثقة:
«وبعدين إنتِ شغلك بالليل، ومعظم النهار بتبقي نايمة. يعني مش هتحسي بوجودهم أصلًا. إحنا مش طالبين منك حاجة كبيرة.»
في اللحظة دي، حسّيت بفكي بيشد على بعضه.
خمستاشر سنة شغل في التمريض علموني إزاي أفضل هادية وسط الصراخ والخناق، وإزاي أتعامل مع أهل المرضى وهما خايفين وغضبانين، وإزاي أفكر بعقلي حتى لما الدنيا كلها بتنهار حواليا. كنت بعرف أتحكم في نفسي وسط أصعب المواقف. وعشان كده، ما صرختش. ما شتمتش. ما دخلتش في جدال طويل.
بصيت لشاشة الموبايل، وضغطت على الزر الأحمر.**قفلت السكة في وشهم.**
اختفى صوت أمي وأبويا، ورجع المطبخ هادي تاني. الغسالة فضلت تلف. حطيت الموبايل على الرخامة وفضلت واقفة مكاني، ببص على الحيطة قدامي. كان المفروض أكون فرحانة. ده بيتي أنا.



