
حر شهر أغسطس.
بحر إسكندرية والزحمة لما كنت صغيرة.
ولا حاجة نفعِت.
جوة الشقة، حسام كان بيتحرك في المطبخ وهو شايل شنطة سفر كبيرة.
برشت بعيني عشان أركز.
شنطة سفر؟
عدى من قدام الإزاز تاني.
كان غير هدومه ولابس خلاص.
بنطلون جينز. كوتشي عالي. جاكيت وتر بروف تقيل.
مش هدوم بيت.
مش واحد مروح وبيستقر بعد خناقة مع خطيبته.
ده واحد بيهرب.
زقيت نفسي بالعافية وقومت وقفت.
“حسام؟”
هو اتجمد في مكانه.
لثانية، عيني جت في عينه من ورا الإزاز.
كان في حاجة غلط.
مش غضب ولا تنك.
خوف.
وشه كان أصفر ومخطوف زي الميتين.
كان ماسك الشنطة في إيده ومخبياها ورا رجله عشان ملمحهاش.
بعدين نظرة عينه راحت من عليا.. ورايا ناحية الشارع الجانبي.
ناحية العربية السوداء المفيمة.
ملامح وشه اتغيرت 180 درجة.
وفجأة فهمت حاجة واحدة.
كل القرف اللي بيحصل ده مكنش في يوم بسبب وزني ولا الدايت.
حسام لف وضهره ليا واختفى جوة الشقة.
سحبت نفسي بالعافية ناحية السلالم.
يمكن أقدر أنزل للشارع.
يمكن باب المنور اللي تحت يكون مفتوح.
مشيت خطوة واحدة بس.
رجلي خانتني وركبتي اتنت.
خبطت في أرضية السلم الحديد بقوة لدرجة إني عضيت لساني ونزفت.
في الوقت ده سمعت خبطة معدن قوية تحتي.
في حد كان بيطلع السلم.
وبسرعة.
حاولت أطل بوشي لتحت.
خيال راجل جثة وضخم كان بيتحرك طالع وسط التلج.
كتاف عريضة.
بالطو أسود تقيل.
وشه غرقان في الضلمة.
أول فكرة هبلة جت في بالي إن حسام اتصعب عليا وأخيرًا اتصل بحد ينقذني.
الفكرة التانية إن الراجل اللي طالع ده كان أضخم بكتير من إنه يكون مسعف ولا فرد أمن.
الراجل وصل الدور بتاعي.
وقف أول ما شافني مفرودة على الأرض…
حكايات شروق خالد
وقف أول ما شافني مفرودة على الأرض ومبلولة من الثلج.
قرب مني برجليه الضخمة وهو بيعدل البالطو الأسود. ملامح وشه كانت حادة، وعينيه شبه صقر بيبص على فريسته، بس الغريبة إن عينيه مكانش فيها نظرة شر.. كان فيها اندهاش.
وطى مستوايا ومد إيده القوية، ورفعني من على الحديد بسهولة وكأنني شكارة قطن.
“أنتِ كويسة؟” بصوت واطي وتقيل يقطع وِش الهواء.
ماقدرتش أرد، سناني كانت بتخبط في بعضها زي المكنة، وشفايفي أزرقّت.
بدل ما يسألني أي سؤال تاني، قلع البالطو الأسود التقيل بتاعه في ثانية، وحطه على كتفي ولفني بيه. الدفا اللي طلع منه رد فيا الروح لثانية.
“حسام فين؟” سألني وهو بيطلع طبنجة صغيرة بصوت مكتوم من جيب جاكيته الداخلي.
أنا عيني اتوسعت من الرعب، وشاورت بصباعي المترعش على شباك المطبخ: “جوة.. جوة الشقة.. كان بيلبس ومروح.. قصدي بيهرب.”
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة وباردة، وحط إيده على كتفي وقال: “انزلي تحت انزلي الشارع افتحي باب العربية السودة وادخلي اقعدي فيها، الدفا شغال جوة.. ومتخافيش، الشفير جوة هيأمنك. حسابي مع حسام بيه جه خلاص.”
“أنت مين؟” هَمست بعافية.
بصلي وقال بثقة: “أنا اللي حسام سرق منه 15 مليون جنيه باسمك أنتِ يا أستاذة شروق.. وعايز يلبسهالك ويمشي.”
قلبي اتخلع من مكانه.
وفجأة، سمعنا صوت كسر إزاز قوي من الشقة جوة، وصوت حسام وهو بيصرخ ويهدد: “والله لأبلغ عنكم! هي مش هتعرف حاجة!”
الراجل الضخم لِف ضهره وطلع باقي السلم في خطوتين وشال الترباس بضربة إيد واحدة ودخل الشقة، وقفل الباب وراه.
أنا مسكت البالطو عليّا وأنا بترعش، وبدأت أنزل السلم خطوة بخطوة وأنا حاسة إن حياتي كلها بتبدأ من جديد في الليلة دي.. بس في سكة تانية خالص.
حكايات شروق خالد
نزلت السلالم بالراحة وأنا جسمي كله بيتكتك ومزرق، البالطو كان مغرقني وتقيل بس الدفا اللي فيه هو اللي خلاني أقادر أقف على رجلي. أول ما نزلت الشارع الجانبي، باب العربية السودة المفتوح طلع منه سواق هيئته تخوف، بس فتحلي الباب بسرعة وقال بصوت واطي: “ادخلي يا أستاذة بسرعة، الدفا شغال.”
قعدت على الكنبة الورانية ورجلي مش شيلاني. التكييف السخن كان بيضرب في وشي، وعقلي عاجز يفهم أي حاجة. حسام؟ حسام سرق 15 مليون جنيه باسمي أنا؟ المحاسبة الجنائية اللي شغالة طول عمرها بالقانون وبتراجع دفاتر الشركات بالقرش، خطيبها يلبسها مصيبة بالحجم ده؟
افتكرت اللاب توب بتاعي اللي كان بياخده بحجة إنه بيشتغل عليه، الفلاشات اللي كان بيطلب مني أختمها أو أوقع على أوراق تخص شركته تحت مسمى “استشارة ودية”، وبلاوي تانية كتير كانت بتعدي عليا بصفتي بحبه وبثق فيه.
وفجأة سمعنا صوت كركبة وصريخ طالع من شباك الدور الثالث. الباب بتاع العمارة اتفتح وفجأة حسام خرج بيجري، هدومه مبهدلة ووشه جاب ألوان، شايل الشنطة وبيحاول يهرب في الثلج وهو بيتراوح. بس الراجل الضخم خرج وراه ببرود تام، مش بيجري ولا حاطط إيده في جيبه، ماشي بثقة واحد عارف إن فريسته ملهوش هرب.
حسام شاف العربية السودة، وشافني قاعدة جوة، عينيه اتوسعت من الرعب وجري ناحية العربية وهو بيزعق: “شروق! الحقيني يا شروق! افتحي الباب! المجرمين دول عايزين يقتلوني!”
الراجل الضخم وصله في ثواني، مسكه من قفا الجاكيت التقيل ورجعه لورا بضربة واحدة أعدمته الحركة. حسام وقع على الثلج، وشكل هيئته اللي كان بيمشي بيها يتنطط ويتأمر عليا بقت زي الفار المبلول.
الراجل الضخم وطى عليه وأخد منه الشنطة بسهولة، فتحها وبص فيها، وبعدين بص لحسام وقال: “العقود المزورة والفلوس اللي حولتها على حساب شروق.. أدي الشنطة معايا. تفتكر النيابة لما تلاقي اسمك على التحويلات الخارجية وصورتك وأنت بتقفل عليها الباب في الثلج هتصدق مين؟”
حسام بصلي بنظرة ترجي وانكسار عمرها ما كانت فيه، وبصوت بيترعش قال: “شروق.. قولي Bهم إنك أنتِ اللي مضيتي.. قولي Bهم إننا كنا بنعمل كدة سوا! أنا عملت كل ده عشان أأمن مستقبلنا!”
بصيتله من ورا زجاج العربية الدافية. في اللحظة دي، البرد اللي كان بيموتني برة اتنقل لقلبي ناحيته. الكره والتقزز عموا على أي مشاعر قديمة.
نزلت إزاز العربية حتة صغيرة، وبصيت في عينيه وقلتله ببرود: “تصدق يا حسام؟ الثلج فعلاً علمني الانضباط.. وعلمني أعرف حجم كل واحد صح.”
رفعت التليفون اللي السواق ادهولي، والشبكة كانت قوية، وطلبت النجدة بنفسي، وأنا بملي الضابط العنوان وببلغه عن جريمة تزوير واستغلال واستيلاء على أموال. الراجل الضخم بصلي وابتسم ابتسامة احترام، ومسك حسام من هدومه عشان يستنى البوليس، وأنا قفلت الشباك وسندت رأسي على الكرسي وأنا عارفة إن الكابوس ده انتهى، وحياتي بتبدأ بجد من الليلة دي.
خطيبي النصاب
حكايات شروق خالد


