
الحاجة زينب فتحت الباب الخشبي الصغير اللي في آخر الممر، ومريم دخلت وراها وهي حرفيًا مش حاسة برجليها. الممر ده عمرها ما دخلته قبل كده. من يوم ما اشتغلت في قصر المنشاوي، وهي عارفة إن فيه أماكن ممنوع حد من طاقم الإدارة يقرب منها. وده كان واحد منها. الحيطان كلها خشب غامق، وعلى الجانبين صور قديمة لرجال الأعمال ورؤساء العائلة الكبار.
مريم كانت ماشية وهي بتبص حواليها، لحد ما وقفت قدام باب خشب تقيل جدًا. الحاجة زينب طلعت المفتاح. ودخلته في القفل.
“تك.”
الباب اتفتح. مريم حطت إيدها على بقها. الأوضة كانت واسعة، وسقفها عالي، وفي نصها صندوق إزاز كبير. وجواه… الفستان. مريم قربت خطوة. حست بقشعريرة في جسمها.
“يا ساتر…”
الحاجة زينب قالت:
“قربي.”
“أنا؟”
“أيوه.”
مريم قربت من الصندوق. كان الفستان أجمل بكتير من اللي كانت متخيلة. عاجي غامق، والخيوط الحمرا اللي فيه كانت عاملة زي عروق ماشية وسط الحرير. مريم مدت إيدها ناحية الإزاز، بس وقفت قبل ما تلمسه.
“هو… هو بجد لازم ألبسه؟”
الحاجة زينب بصتلها:
“أيوه.”
“ولو ما ظبطش؟”
الست العجوز سكتت لحظة. وبعدين قالت:
“ساعتها هنرجع كل حاجة زي ما كانت.”
مريم تنهدت:
“طيب ولو ظبط؟”
الحاجة زينب ما جاوبتش. وده كان أكتر رد خوّف مريم.
بعد دقائق، كان الفستان خارج الصندوق. مريم دخلت الغرفة الملحقة، والحاجة زينب فضلت بره. بعد وقت قصير، خرجت مريم. الحاجة زينب أول ما شافتها… ما اتكلمتش. فضلت واقفة مكانها.
مريم بصت لنفسها في المراية. الفستان كان… مظبوط. مش مظبوط وبس. كان كأنه معمول على جسمها. الخصر مكانه بالطبط. الأكتاف في مكانها. الكمام نازلة بنعومة. والجيبِة لمست الأرض بالظبط من غير ما تجر. مريم فضلت باصة لنفسها وهي مش مصدقة.
“يا حاجة…”
صوتها كان واطي.
“الفستان مقاسي.”
الحاجة زينب قربت منها. حطت إيدها على كتفها وقالت:
“أنا عارفة.”
مريم بصتلها من خلال المراية:
“إنتي كنتي عارفة؟”
قبل ما الحاجة زينب ترد… سمعوا صوت خطوات جاية من الممر. خطوات تقيلة. ثابتة. كل خطوة كانت بتقرب أكتر. الحاجة زينب اتجمدت. ومريم حسّت إن قلبها هيطلع من صدرها.
“مين؟”
الحاجة زينب بصتلها بسرعة وقالت:
“فارس.”
مريم وشها اصفر:
“فارس المنشاوي؟!”
“أيوه.”
“هنا؟!”
“أيوه.”
“بس الساعة واحدة الصبح!”
الحاجة زينب مسكت إيدها:
“اسمعيني كويس.”
“في إيه؟”
“محدش يعرف إنك لبستي الفستان.”
“ليه؟”
الحاجة زينب قربت منها وقالت:
“لأن لو فارس شافك بيه…”
الباب اتفتح. ومفيش وقت تكمل. دخل فارس المنشاوي. طويل، عريض الكتفين، لابس بدلة كلاسيكية أنيقة بدون كرافتة، وساعته السويسرية الفاخرة في إيده. وشه كان جامد، وعينيه حادة بشكل يخلي أي منافس في السوق ينزل عينه في الأرض. وقف عند الباب. بص للحاجة زينب. وبعدين عينه اتحركت ناحية مريم. وسكت.
مريم حسّت إن نفسها اتقطع. فارس بص لها من فوق لتحت. مرة. وبعدين مرة تانية. وشه ما اتحركش. لكن عينيه… اتغيرت.
الحاجة زينب قالت بسرعة:
“يا بيه…”
رفع إيده. سكتها. وبص لمريم:
“إنتي مين؟”
مريم بلعت ريقها:
“مريم.”
“مريم إيه؟”
“مريم… السولية.”
فارس عقد حواجبه:
“مسؤولة التنظيم بالقصر؟”
مريم هزت راسها:
“أيوه.”
بص للفستان. وبعدين رجع بص لها:
“إنتي لابسة فستان العيلة ليه؟”
مريم اتلخبطت:
“والله يا بيه أنا…”
الحاجة زينب قاطعتها:
“الفستان التاني اتبهدل في حادثة غير مقصودة.”
فارس بص لها:
“وإيه دخلها؟”
“أنا اللي طلبت منها تقيسه كإجراء طارئ.”
فارس سكت. ثواني طويلة عدت. وبعدين قرب من مريم. مريم رجعت لورا خطوة. هو وقف قدامها. وبص للفستان. مد إيده، لكنه ما لمسهاش. اكتفى إنه مسك طرف الكم بين صوابع إيده. بص للخياطة. وبعدين قال بصوت هادي:
“مين عدله؟”
مريم هزت راسها بسرعة:
“محدش.”
“متأكدة؟”
“والله ما حد لمسه.”
فارس بص للحاجة زينب:
“مستحيل.”
الحاجة زينب قالت:
“أنا قسته عليها بنفسي.”
فارس رجع بص لمريم. وشه لأول مرة بدأ يظهر عليه شيء يشبه الصدمة:
“عشرين واحدة من كبرى عائلات الأعمال لبسوه قبلك.”
مريم سكتت.
“ولا واحدة كان مقاسه عليها.”
وبعدين قرب أكتر:
“إنتي مقاسه عليكي بالطبط.”
مريم ما عرفت تقول حاجة. فارس فضل باصص لها. وفجأة… سمعوا ضجة خارج القصر، وأصوات نقاش حاد على البوابات الرئيسية. صوت رجال الأمن وهم بيحاولوا منع مجموعة من الصحفيين ورجال الأعمال المنافسين بقيادة “عزت البرنس” (المنافس التجاري الأبرز لعيلة المنشاوي) من اقتحام حرم القصر لالتقاط صور وفيديوهات لصفقة القرن وتسريب أخبار الزيجات المعطلة.
الحاجة زينب صرخت بقلق:
“يا بيه! الصحافة والمنافسين اقتحموا السور الخارجي وعاوزين يقتحموا القاعة الكبرى عشان يفشلوا صفقة التحالف ويصوروها فضيحة!”
لكن فارس ما اتحركش من مكانه. بص لمريم. وبدل ما ينشغل بالازدحام برا، قام بخلع بدلته الرسمية الفاخرة ووضعها بحزم على كاهل مريم ليخفي تفاصيل الفستان عن أي عيون غريبة قد تتسلل، وقال بصوت حاسم:
“من اللحظة دي… محدش يقرب منها، ومحدش هيشوفها.”
مريم بصت له بخوف وذهول:
“ليه؟”
فارس رد من غير ما يرمش، وعينيه تحمل نظرة تحدٍ وثقة مطلقة:
“لأن العاصفة اللي برا دي كلها… جاية تدور على سر الفستان وتفشل جوازنا.”
ثم استطرد وهو يتجه نحو الباب المفتوح لمواجهة المنافسين:
“لكن مفيش مخلوق في السوق كله هيعرف الحقيقة غيري.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



