
تليفون مريم كان عليه 4 ميسد كول من تيتة فاطمة، بس مكنتش قادرة ترد.. تقول لها إيه؟ تقول لها إني لقيت راجل في الطيارة معاه صورة أمي وبيقول إنه أبويا الحقيقي؟ الفكرة كانت أتقل من إن عقلها يستوعبها.
بدل كده، فضلت تبص في الصورة اللي دخلتها في جيبها في الهيصة. أمها كانت صغيرة قوي، يجي 22 سنة ولا حاجة. ضحكتها كانت مالية وشها وصافية، مش الوش المكسور اللي مريم فاكراه. وطريقتها وهي مالية على طارق وعينيها بتلمع، كانت بتحكي قصة مريم عمرها ما سمعت عنها كلمة.
“مستنية حد يا حبيبتي؟”
مريم رفعت عينها لقيت ست كبيرة شعرها بني وفيه خصل بيضا بتبص لها بحنية. كانت لابسة هدوم عادية بس كان فيه كارت متعلق في رقبتها مكتوب عليه “حكمة سليم – ممرضة بالمعاش”.
مريم اعترفت بقلة حيلة: “أنا.. مش عارفة أقول عليه إيه. راجل كان معايا في الطيارة جاله هبوط في القلب وجابوه هنا.”
الست قعدت جنبها وسابت مسافة: “وقاعد بطولك كدة؟ فين أهلك؟”
السؤال العادي ده جاب الدموع في عين مريم: “أبويا في مستشفى الميري من زمان.. عمل حادثة من 5 سنين، وأمي.. راحت.”
مكنتش بتكدب، مش قوي يعني؛ لأن شاذلية بالنسبة لها كانت اختفت من على وش الأرض.
الست قالت برقة: “أنا آسفة يا بنتي.. أنا مستنية بنتي تفوت عليا تأخدني، عربيتها عطلت ومأخرة. يضايقك لو قعدت معاكي شوية؟”
مريم هزت كتافها، بس حضور الست كان مريح.. يمكن رائحة الفانيليا الخفيفة اللي طالعة منها فكرتها بريحة الخبيز مع أمها زمان، أو يمكن عشان الست مأصرتش تغلس وتسأل في تفاصيل.
مريم قالت بعد لحظة: “أنا اسمي مريم.”
ابتسمت الست وقالت: “حكمة.. بس الكل بينادوني أبلة حكمة.”
#حكايات_شروق_خالدأبلة حكمة عدلت شالها على كتافها وبصت لـ مريم بنظرة كلها حنية وتفهم.
“اسمي مريم…” مريم كشفت اسم من غير ما تحس، كأنها بتدور على أي شريط أمان يربطها بالدنيا في المستشفى الغريبة دي.
أبلة حكمة ابتسمت ابتسامة دافية وقالت لها: “عاشت الأسماء يا مريومة. اسمك غالي وجميل. وعارفة؟ أوقات كتير ربنا بيبعتلنا ناس في سكتنا مش عشان يدخلوا حياتنا وبس، لأ… عشان يبقوا سبب نكتشف حقيقة كنا غفلانين عنها.”
مريم طلعت الصورة من جيبها بإيد بتترعش، وحطتها على كف أبلة حكمة.
“الراجل اللي جوه ده…” مريم قالت بصوت مقطوع والدموع نازلة على خدها “…أول مرة أشوفه في حياتي. بس معاه الصورة دي لأمي زمان، وقبل ما يغمى عليه في الطيارة قال كلام غريب… قال إن أبويا اللي رباني وعايش في الغيبوبة مش أبويا الحقيقي، وإنه هو اللي كان بيراقبني من بعيد!”
أبلة حكمة مسكت الصورة بصوابعها اللي كرمشت من الزمن، وعينيها اتسعت ثانية وهي بتبص في وش الست اللي في الصورة… وش “شاذلية”.
أبلة حكمة اتنفس ببطء، وشكلها اتغير تماماً. النظرة العادية بتاعت الست العجوزة تحولت لنظرة ست فاكرة كل تفصيلة في الماضي.
“أنتِ بنت مصطفى وشاذلية؟” أبلة حكمة سألت بصوت واطي جداً زي الهمس.
مريم اتسمرت مكانها: “أنتِ… أنتِ تعرفيهم?!”
أبلة حكمة غمضت عينها وافتكرت سنين فاتت، وقالت: “أنا مش بس أعرفهم يا مريم… أنا كنت الممرضة اللي حاضرة يوم ولادتك في مستشفى بنها العام من 12 سنة.”
مريم حست إن الأرض بتدور بيها: “طب والراجل ده؟ طارق عبد الرحمن ده يبقى مين؟ هل أنا فعلاً بنته؟ هل أبويا مصطفى مش أبويا؟!”
أبلة حكمة طبطبت على إيد مريم بقوة وقالت لها بثبات: “اسمعيني كويس يا مريم، عشان الكلام اللي هقولهولك ده هو الحقيقة اللي عاشت أمك وماتت من غير ما تقدر تقولها… والسر اللي خباها طارق طول العمر ده.”
مريم حبست نفسها، وأبلة حكمة بدأت تحكي:
“زمان، طارق ده كان راجل أعمال شاب وطماع، وكان خطيب أمك شاذلية. بس لما خسر كل فلوسه في صفقة مشبوهة وركبه الدَين، ساب أمك وهرب بره مصر من غير ما يسال عنها ولا يفكر فيكسرة قلبها. أمك كانت مكسورة وضايعة، ومكنش حيلتها اللقمة… وفي أضعف لحظات حياتها، وقفت جنبها أجدع خلق الله: مصطفى الميكانيكي.”
مريم دموعها اتجمعت في عينها وهي بتسمع اسم أبوها.
أبلة حكمة كملت: “مصطفى كان عارف إن أمك مش بتحبه زي ما هو بيحبها، وكان عارف إنها شايلة في قلبها جرح كبيير. بس لما طارق رجع بعد سنتين بعد ما اغتنى وبقى مليونير، وحاول يرجع لشاذلية ويكوش عليها تاني… شاذلية طردته! وقالتله إنها اختارت الراجل اللي صانها وقبل بظروفها، مش الراجل اللي باعها لما الدنيا ضاقت عليه.”
مريم شهقت: “يعني… يعني طارق مش أبويا؟!”
أبلة حكمة بصت في عين مريم بمنتهى الصدق وقالت: “طارق حاول بفلوسه ونفوذه زمان يسبك حكاية إنك بنته هو، ورشا دكاترة عشان يعمل تحاليل مزورة يضغط بيها على أمك عشان ترجعله. أمك من كتر الخوف والتهديد عقليتها تعبت، ولما مصطفى عمل الحادثة، أمك استحملت فوق طاقتها ودخلت المصحة… بس يوم ولادتك يا مريم، مصطفى كان وافق يدفع دمه ويعمل تحليل DNA رسمي في أكبر معامل القاهرة عشان يقطع لسان طارق ويحميكي أنتِ وأمك… والتحليل كان في ملفك الطبي اللي أنا بنفسي سلمته لـ مصطفى!”
“أنا بنت مصطفى؟!” مريم سألت بصوت مخنوق بالبكاء.
“أنتِ بنت مصطفى في الدم وفي الروح يا مريم!” أبلة حكمة قالتها وبست راس مريم. “مصطفى هو اللي اختار يربيكي، وهو اللي شقا عشانك، وهو أبوكي الحقيقي. طارق كان بيموت من الغيرة لأن الفلوس معرفتش تشتري الحب اللي مصطفى بناه، وعشان كده كان بيراقبك من بعيد… كان عايز يحس إن ليه حق فيكي بعقدة الذنب.”
في اللحظة دي، باب العناية المركزة اتفتح، والدكتور خرج وهو بيمسح عرقه.
مريم قامت وقفت بسرعة، وأبلة حكمة مسكت إيدها.
الدكتور بص لـ مريم وقال: “أنتِ البنت اللي كانت مع أستاذ طارق في الطيارة؟”
مريم هزت راسها.
الدكتور قال: “الحالة استقرت والحمد لله قدرنا ننقذ حياته بفضل الإسعافات الأولية اللي اتعملت له في الطيارة بسرعة… هو فاق، وبيطلب يشوفك حالا.”
مريم بصت لـ أبلة حكمة، وأبلة حكمة هزت راسها بالتشجيع: “ادخلي يا مريم… ادخلي وواجهيه بالحق، وحطي حد للخوف اللي عاشت فيه عيلتك.”
دخلت مريم الأوضة. طارق كان نايم على السرير، الأجهزة حواليه، ووشه أصفر ومجهد. لما شاف مريم، عينيه اتملت دموع وحاول يتكلم:
“مريم… سامحيني… أنا…”
مريم قربت من السرير، مكنتش خايفة ولا مترددة. طلعت الصورة وحطتها على الترابيزة جنب السرير.
“أنا عرفت كل حاجة يا أستاذ طارق…” مريم قالت بصوت هادي وأقوى من سنها بكتير. “…عرفت إنك حاولت تشتري أمي بالفلوس وماعرفتش، وحاولت تسرقني من أبويا بالتهديد وماقدرتش. أنت فكرت إن الفلوس والملايين تقدر تعمل عيلة… بس أبويا مصطفى علمني إن العيلة مش بالدم ولا بالفلوس، العيلة باللي بيختار يحبك ويصونك لما الدنيا تضيق.”
طارق غمض عينيه والدموع نزلت على خده، حس بالخزي العظيم اللي حرق قلبه طول السنين دي.
مريم كملت وهي بتبصله بنظرة شفقة: “أنا أنقذت حياتك في الطيارة لأن أبويا مصطفى علمني أكون جدعة وأساعد المحتاج. أنا مش زعلانة منك، ولا خايفة منك… بس الميراث اللي أنت كنت باعتلي علشانه، أنا مش عايزاه. أنا عندي أعظم ميراث في الدنيا… اسم أبويا مصطفى ورجولته.”
لفت مريم ضهرها وخرجت من الأوضة بكل كبرياء وكرامة.
بره الأوضة، أبلة حكمة كانت مستنياها وبصت لها بفخر.
مريم مسكت تليفونها، ورنت على الرقم اللي حافظاه صم… رقم تيتة فاطمة.
أول ما تيتة ردت وصوتها خايف: “مريم! يا ضنايا أنتِ فين؟ طمنيني عليكي!”
مريم ابتسمت ابتسامة صافية، والدموع تنزل من عينها بس المرة دي دموع راحة وأمل:
“أنا بخير يا تيتة… أنا أهو في السكة راجعة ليكي ولـ بنها. ومش هنسافر تاني بعيد… أنا رايحة للمستشفى الميري عشان أقعد جنب بابا مصطفى وأحكيله القصة من أولها.”
خرجت مريم من المستشفى مع أبلة حكمة، والهوا الساقع خبط في وشها. مكنتش خلاص مجرد بت صغيرة غلبانة خايفة من المستقبل… كانت بنت بطل صانها، وعرفت قيمتها، ورجعت لبيتها وهي مرفوعة الراس.
#حكايات_شروق_خالدبعد سنتين من اليوم ده…
في يوم جمعة، والشمس طالعة دافية وجميلة في بنها.
مريم كانت واقفة قدام شباك الأوضة بتسرح شعرها الأشقر، بس المرة دي مكنتش خايفة من بكرة، ولا شايلة هم هدومها القديمة أو كلام البنات في المدرسة. بقت طالبة ممتازة، وواخدة مركز أول في الإسعافات الأولية على مستوى المحافظة، والكل بيشاور عليها بالبنان.
“يلا يا مريم يا حبيبتي… الشوربة هتبرد وبابا مستنينا!”
صوت تيتة فاطمة جه من المطبخ، صوت كله دفء وحياة.
مريم نزلت جري، وأول ما دخلت الصالة، كان مصطفى قاعد على الكرسي.
بعد سنين الغيبوبة الطويلة، والدكاترة اللي قالوا مفيش أمل… الأمل جه. مصطفى صحي من الغيبوبة بعد حادثة المستشفى بست شهور! صحي صحيح رجليه تقال ومش قادر يمشي عليهم كويسة ولسه بيعمل علاج طبيعي، بس عينيه المليانة حنية ورجوع عقله لينا كان بالدنيا وما فيها.
مريم قربت منه وبست إيده الشقيانة اللي لسه فيها آثار الشحم القديم: “صباح الفل يا أحلى بابا في الدنيا.”
مصطفى مسك إيدها وابتسم ابتسامته الطيبة اللي بتهز قلبها: “صباح النور يا قلب أباكي… جاهزة لرحلة النهاردة؟”
النهاردة مكنش يوم عادي.
ركبوا العربية العربية البسيطة اللي جابوها بالقسط، وطلعوا على القاهرة… على دار أيتام كبيرة في وسط البلد.
هناك، كانت أبلة حكمة مستنياهم عند الباب، ومعاها ست ثانية واقفة جنبها… ست وشها ردت فيه الروح، وعينيها بتلمع بالدموع وهي بتبص لـ مريم.
شاذلية… أمها.
بعد ما أبلة حكمة ومريم تدوروا عليها، وعالجوا العقدة النفسية اللي طارق كان سبب فيها، شاذلية خفت وتجاوزت محنتها، وبقت شغال مع أبلة حكمة في الدار بتعلم البنات الصغيرين الخياطة والرسم.
أول ما مريم شافتها، جرت عليها وحضنتها. حضن طوله سنين من الفقد والوجع، بس المرة دي مفيش كوابيس ولا دموع خوف… فيه بس دفء ورضا.
مصطفى قرب بكرسيه، وبص لـ شاذلية ومريم وتيتة فاطمة وأبلة حكمة، وقال وهو بيمسح دموعه: “شفتي يا شاذلية؟ البت كبرت وبقت عروسة… وبقت أجدع مني ومنك.”
مريم بصت لعليهم كلهم، وحست إن كل خطوة مشيتها، وكل وجع عاشته في الطيارة وفي المستشفى، كان مجرد تمهيد للحظة دي.
طارق عبد الرحمن بعد ما خف من الأزمة القلبية، اتبرع بنص ثروته لجمعيات الأيتام والمستشفيات الحسابية في مصر باسم “مصطفى الميكانيكي”، وسافر بره وما رجعش تاني… بس مريم مكنتش محتاجة فلوسه ولا اسمه.
مريم مسكت إيد أبوها مصطفى بإيد، وإيد أمها شاذلية بالإيد الثانية، وقالت بابتسامة نورة وشها كله:
“الفلوس والورث بيروحوا وييجوا يا بابا… بس العيلة الحقيقية هي اللي بتتخلق من الحب والأصل الطيب. وأنا حظي كان أحسن حظ في الدنيا… لأنك أنت أبويا.”
سر الرحلة 1857
حكايات شروق خالد




