
وضعتُ الهاتف في جيبي، وعيني لم تفارق وجهها. كانت تفاصيل الليلة تترابط في رأسي بسرعة كقطع الشطرنج.
إبراهيم لم يهرب بالعشرة آلاف جنيه فقط؛ كان يعلم أن سرقة المبلغ ستجعلني أثور وأصبّ كل غضبي وتركيزي على مطاردته، وبذلك أوقّع على أوراق المرفأ بحسن نية دون مراجعتها، لأسقط في الفخ الذي نصبه لي مع رجال المحافظة. لكنه لم يحسب حساب خديجة.
انحنيتُ قليلاً وأزلتُ خصلة شعر مبتلة عن وجهها بحذر شديد حتى لا تستيقظ. كانت تدفع ثمن حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، ومع ذلك كانت الشجاعة الوحيدة بين مجموعة من الرجال الذين يرتعدون خوفاً مني.
سمعتُ صوت خطوات خفيفة وسريعة تصعد السلم الخارجي، ثم طرقتين خفيفتين على باب الغرفة.
فتحْتُ الباب موارباً، فظهر علي وهو يحمل معطفه المبتل، وعيناه تتسعان بذهول وهو يلمح خديجة نائمة في سريري. لكنه كان أعقل من أن ينطق بحرف أو يسأل.
همستُ له بنبرة حادة: “علي… إبراهيم يتقبض عليه قبل ما الشمس تطلع. بلاش عنف لحد ما أعرف مين اللي وزّه. والأهم من كده… ورق المرفأ الأصلي يجيني هنا قبل الساعة ستة.”
أومأ علي بجدية: “تحت أمرك يا باشا. وبخصوص الأنسة؟”
نظرتُ إليها للظلمة، ثم عدتُ إليه: “انزل طلّع عربيتها من المطر، وهات شنطتها من تحت. ومحدش في البيت يعلم إنها هنا… فاهم؟”
“مفهوم يا حمزة بيه.”
بعد خروج علي، أغلقتُ الباب بهدوء، وأخذتُ المجلد المزيف ورميته في سلة المهملات. جلستُ على الكرسي الجلد مرة أخرى، أراقب حركة تنفسها المنتظمة في الهدوء المطبق للغرفة.
مع أول خيوط الفجر، وبدء تلاشي صوت المطر، تحركت خديجة في السرير.
فتحت عينيها ببطء، وفي اللحظة الأولى ساد الاسترخاء وجهها، قبل أن تستوعب أين هي. استقامت فجأة، واتسعت عيناها الخائفتان وهي تنظر إلى البطانية الكشمير، ثم إلى أثاث الغرفة الفاخر، وأخيراً… وقعت عيناها عليّ وأنا أجلس أمامها أراقبها وفي يدي كوب قهوة ساخن.
شهقت بصوت خافت وكادت أن تسقط من السرير وهي تحاول الوقوف والتراجع للخلف، وصوتها يرتجف تماماً: “حـ… حمزة بيه؟! أستاذ حمزة! أنا… والله العظيم أنا…”
رفعتُ يدي ببطء لأشير لها بالهدوء.
“اهدأي يا خديجة.”
كانت ترتجف، وعيناها تنتقلان بيني وبين الباب، كأنها تنتظر عقاباً شديداً: “أنا آسفة جداً! الأستاذ إبراهيم قال لي أستنى في المكتب فوق، وأنا تدورت ولقيت الباب ده مفتوح… كنت تعبانة وقعدت على الكرسي ومش فاكرة إزاي…”
قاطعتُها بنبرة هادئة غير تلك التي اعتادت سماعها مني: “أنا عارف. وعارف إنك بقالك يومين مانامتيش.”
توقفت عن الكلام ونظرت إليّ بذهول، وهي تجذب البطانية حول كتفيها دون أن تدري.
وقفتُ من مكتبي ومشيتُ ببطء نحوها. تراجعت هي خطوة للخلف كعادتها، لكن هذه المرة لم تنظر إلى الجوار… بل رفعت عينيها ولأول مرة منذ سنتين، نظرت في عينيّ مباشرة.
قلتُ لها وأنا أضع كوب القهوة على الطاولة المجاورة لها: “الورق اللي جبتيه… قريتيه قبل ما تيجي؟”
ارتبكت، وظهر الخوف في عينيها مجدداً، وظنت أنها ارتكبت خطأً كارثياً بالتدخل في أعمالي: “أنا… أنا بس كنت براجع الأسماء والأرقام زي ما حضرتك عودتني… ولما لقيت البند الأخير متعدل بطريقة غريبة، خفت… خفت يجرى حاجة لحضرتك لو وقعت عليه.”
عمّ الصمت الغرفة لثوانٍ.
“خفتِ عليّ؟” سألتُها بنبرة عميقة.
فرّكت يديها بتوتر وقالت بصوت خافت: “خفت على الشركة… وعلى حضرتك. أنت الوحيد اللي ساعدتني لما محدش رضي يشغلني.”
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة صادقة، ربما لم ترَ مثلها على وجهي من قبل.
“إبراهيم مش هيرجع الشركة تاني يا خديجة… ومن النهاردة، مكتبه بقى مكتبك، ومرتبك هيتضاعف ثلاث مرات.”
فتحت فمها لتتحدث من شدة المفاجأة، لكنني قاطعتُها وأنا أشير إلى الحمام الداخلي للغرفة: “ادخلي اغسلي وشك، وفي هدوم نظيفة ومظبوطة على مقاسك حطهالك علي برة. قدامنا ساعة واحدة قبل اجتماع مجلس المدينة… وأنتِ اللي هتكوني معايا.”
نظرت خديجة إليّ بذهول، وكأن كلماتي لم تدخل عقلها بعد. اتسعت عينها وهي تتردد بين النظر إلى الملابس الأنيقة الموضوعة بالخارج والعودة للنظر في عينيّ.
“أنا… أكون مع حضرتك في اجتماع مجلس المدينة؟” همست بصوت يملؤه الذهول والارتباك. “بس يا حمزة بيه… أنا مجرد سكرتيرة، وأستاذ إبراهيم كان…”
“إبراهيم انتهى يا خديجة،” قاطعتها بصوت حاسم ورزين. “إبراهيم اختار يبيع الشركة ورئيسه علشان قرشين. أنتِ الوحيدة اللي كان عندك شجاعة وضمير تجيي لحد هنا وتنقذي شغلي. اللي زيك مكانهم مش ورا مكتب استقبال يستنى الأوامر.”
توقفت عن الكلام واقتربت منها خطوة واحدة. لم تتراجع هذه المرة، ولم تنظر إلى الأرض أو إلى الجدار كما كانت تفعل دائماً. كانت تنظر إليّ بوضوح، وفي عينيها مزيج غريب من الخوف والشغف والامتنان.
أشرتُ إلى الحمام مجدداً: “قدامك ثلث ساعة بالضبط. علي برة جهّز القهوة، والعربية مستنية تحت.”
أومأت برأسها بسرعة وصوتها ينخفض بتوتر لذيذ: “حاضر يا فندم… قصدي، حاضر يا حمزة بيه.”
استدارت ودخلت، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
وقفتُ لدقيقة أراقب الباب المغلق، وشعرت بشيء غريب يتغير في صدري. المكان الذي كان دائماً بارداً ويصلح فقط كملجأ بعد معارك الدواير المظلمة والشبهات، أصبح يفوح منه عبق مختلف… رائحة هادئة تشبه المطر والأمان.
بعد عشرين دقيقة، فتحت باب الغرفة وخرجت.
كانت ترتدي البدلة الرسمية الداكنة التي أحضرها علي، رفعت شعرها البني بطريقة بسيطة لكنها أنيقة، وبدت كأنها تنتمي لهذا العالم أكثر من أي شخص آخر. لم تعد تلك الفتاة المرتبكة التي تخشى ظلّها، بل بدت حازمة ومستعدة.
“أنا جاهزة يا حمزة بيه،” قالتها وهي تحمل حقيبة الملفات بثقة.
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، وأشرتُ لها بالتقدم: “يبقى يلا بينا… ننهي المهزلة دي.”
نزلنا السلم الداخلي للقصر. كان علي ينتظر عند الباب السائلي، وجهه جاداً وجسده مشدوداً. أقترب مني وهمس في أذني بصوت خافت: “إبراهيم بقى في إيدينا يا باشا… ومسكوناه في الطريق الصحراوي وهو محمل شنط الفلوس. والورق الأصلي للمرفأ أهو.”




