روايات وقصص

سرار في المطبخ: 20 سنة من الكذب ج1 حكايات شروق خالد

أول ما قفلت الباب ورايا، نزلت على السلم جري، ودخلت عربيتي وقعدت ورا الدركسيون. كنت بتنفس بصعوبة، صدري كان يعلو ويهبط ودموعي نزلت غصب عني.. دموع قهر على السنين اللي ضاعت، وعاطفة مظلومة راحت لست ما تستاهلش حتى كلمة “إزيك”.

مسكت التليفون وطلبت رقم “حسن” أخويا.

أول ما رد عليا، قال بصوت عادي:

— إيه يا طارق؟ أوعى تكون زعلتك تاني ولا نكدت عليك؟

أيدي كانت بترعش وأنا ماسك التليفون، وقولتله بصوت مخنوق ومكسور:

— حسن.. اترك كل اللي في إيدك وتعالى قبالي في الكافيه اللي جنب بيتك حالاً.. إحنا اتخدعنا يا حسن، إحنا عشنا 20 سنة في كذبة سودا.

“حسن” استغرب وسألني بلهفة:

— فيه إيه يا طارق؟ جرالك إيه؟

رديت عليه وأنا بدور عربيتي وبطلع بيها بأقصى سرعة:

— أمنا الميتة ما رمتناش يا حسن.. أمنا ماتت وهي بتخلفنا، والست دي بنيّة سودا وعاشت على قفانا وقفا معاش عمي “جمال”.. تعالى بسرعة، عشان النهاردة بالليل الكابوس ده كله هينتهي.

وصلت الكافيه وقعدت مستنيه، وبمجرد ما “حسن” جه وحكيتله اللي سمعته بالحرف الواحد، وشه اتغير 180 درجة. من كتر الصدمة ما قدرش ينطق ولا كلمة لمدة دقيقتين كاملين، صوابعه كانت بتتنفض وهو ماسك كوباية الميه.

وبعدين بصلني وقال بنبرة صوت عمري ما سمعتها منه قبل كده:

— يعني أنا طول العمر ده فاكر إن أمي ما بتحبنيش ورمتني؟ يعني إحنا لينا أصل ولينا أهل؟

— أيوة يا حسن، والنهاردة بالليل هنعرف كل حاجة.. وهنرد كل سنة قهر عاشته قلوبنا.

في نفس الليلة، رجعنا أنا و”حسن” لبيت “كريمة”. فتحنا الباب بالمفتاح اللي كان معانا، ودخلنا. كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على التلفزيون والجدة “زينب” قاعدة جنبها.

أول ما شافتنا، اتفاجأت وقالت بنبرة جافة:

— إيه ده؟ جاين من غير ما تقولوا؟ وبعدين إيه بوكيه الورد والهدية اللي حاطينهم عند الباب دول؟

“حسن” مشي خطوتين وقرب منها، وبص في عينيها بثبات وقال:

— الورد ده كان جاي عشان عيد ميلادك.. بس للأسف، اكتشفنا إن أختك “سعاد” الله يرحمها هي اللي كانت تستاهل الورد ده مش أنتِ يا كريمة.

وش “كريمة” اتخطف، واللون هرب من وش الحاجة “زينب” في ثانية واحدة.

كملت أنا وقربت منها وقولت بحدة:

— سمعتك الصبح وأنتِ بتضحكي مع أمك وبتقولي إننا عشنا عُبط 20 سنة ومصدقين إن أمنا رمتنا.. عرفنا كل حاجة يا كريمة، عرفنا معاش أبونا وعمنا “جمال”، وعرفنا إنك عيشتينا في ذل وكذبة عشان تفضلي حاطة جزمة في بطننا!

وقفت “كريمة” وهي بترتعش وتأتأ:

— أنت.. أنت بتقول إيه؟ أنت اتجننت يا طارق؟ أنا اللي ربيتكم وأنا اللي…

قطع “حسن” كلامها بصوت زلزل الأوضة:

— أنتِ ما ربيتيش حد! أنتِ كنتِ بتاخدي حقنا وتأكلينا بالذل والأذية النفسية! من النهاردة، أنتِ بالنسبة لنا مالكيش وجود.. لا أنتِ أمنا، ولا نعرفك، والبيت ده والذكريات الوسخة دي كلها سايبينهالك تشبعي بيها.

خدنا بعضنا وللفينا ضهرنا وخرجنا، ورزعنا الباب ورانا للمرة الأخيرة.

بعد الأسبوع ده، بدأنا نسأل وندور في أوراق المنطقة القديمة اللي اتولدنا فيها، لحد ما وصلنا لعمامي وإخوات أبونا الحقيقي.. ناس طيبين وغالابة، بكوا بالدموع لما شافونا وقالولنا إن “كريمة” كانت حارماهم مننا وقافلة الباب في وشهم ومنعاهم حتى يشوفونا بعد ما أمنا وأبونا ماتوا.

لأول مرة من 20 سنة، حسينا أنا و”حسن” إننا لينا أرض وأصل واقفين عليه.. الكذبة ماتت، والحقيقة ظهرت، وعفونا عن نفسنا وعن ذنب ما كناش إحنا السبب فيه.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى