روايات وقصص

سرار في المطبخ: 20 سنة من الكذب ج1 حكايات شروق خالد

أخي وأنا اتتبنينا وإحنا أطفال – بعد 20 سنة، سمعت بالصدفة كلام أمي بالتبني وعرفت حقيقة فضلت مخبيها طول السنين دي.

أمي بالتبني كانت طول عمرها بتعاملني أنا وأخويا على إننا تقال عليها وعبء على قلبها، بس رغم كل ده، روحتلها لحد بيتها وبإيدي ورد عشان عيد ميلادها. وفجأة سمعتها بتضحك في المطبخ وبتقول إنها ضحكت علينا وعاشت في المية المغلية 20 سنة من غير ما نعرف، وفي اللحظة دي حسيت إن الشخص اللي دخل البيت ده خلاص اتغير ومبقاش هو هو.

السكة لبيت “كريمة” كانت حاسة إنها أطول من كل مرة، وبوكيه الورد الأبيض اللي جنب في عربيتي كان قاعد ساكت زي ما يكون بيعتذر بالنيابة عني. كنت ماسك الدركسيون بجامد وبحاول أتخيل وشها وهو بيهدى وبيضحك لما تفتحلي الباب، مع إن 20 سنة ذكريات معاها كانوا بيقولولي إن ده مستحيل يحصل.

بس برضو، كملت طريق وما وقفتش.

“حسن” أخويا قعد يضحك لما حكيتله الصبح أنا ناوي أعمل إيه.

— أنت بجد رايح هناك؟ وفي عيد ميلادها كمان؟

— دي الست اللي ربتنا يا طارق، الموضوع يفرق برضو.

ما رضيتش أجادله، أصل أخويا ما كانش غلطان.

كان عندنا ييجي 3 سنين لما “كريمة” و”جمال” خدونا عندهم. قالولنا إن أمنا الحقيقية رمتنا وما سألتش فينا تاني خالص. ولأيام وسنين طويلة، الكلمة دي فضلت محشورة في زوري وبتوجعني زي زلطة ناشفة وباردة.

“جمال” كان بيحاول يطري الدنيا شوية؛ كان دايماً ييجي يقعد في أول كراسي في الحفلات والمسرحيات بتاعت المدرسة، وكان بيسقف بعلو صوته أكتر من أي حد. ملالي أنا وأخويا الأوضة عربيات ولعب واشترالنا عجليتين زي بعض بالضبط في العيد.

وكان دايماً يقولنا:

— أنتم الدنيا والما فيها بالنسبة لي يا ولاد، أوعوا تنسوا ده أبداً.

بس “كريمة” بقى كانت حاجة تانية خالص، طباعها كانت تقيلة وصعبة.

كانت تصرخ في وشنا لمجرد إننا نسينا طبق في الحوض وتقول:

— المفروض تبوسوا إيديكم وش وظهر إننا لفيناكم وآويناكم! افتكروا كويس إنكم لولايا أنا وجمال كان زمانكم مرميين في الشارع ولا في دار أيتام!

“حسن” اتعلم إنه يسكت ويبلع لسانه، وأنا اتعلمت أقول “حاضر وأنا أسف” على أي حاجة.

ولما بقى عندنا 10 سنين، “جمال” مات وسابنا.

ومن بعده، البيت انطفى ومبقاش ليه لون. لا بقى فيه تورته لعيد ميلاد، ولا لعب جديدة في المناسبات، وحتى الكراسي الأولى في حفلات المدرسة فضلت فاضية ومحدش جه يقعد عليها.

لما تخرجنا أنا و”حسن” من الثانوية، سألت “كريمة” لو كانت هتيجي تحضر معانا.

قالتلي ببرود:

— أنتم بقيتم شحاطين ورجالة خلاص يا طارق، أنا مش مسئولة عنكم أكتر من كده.

رديت عليها وقولت:

— دي ساعتين زمن بس يا كريمة.

وعملنا كده فعلاً؛ لمينا هدومنا وحاجتنا، ودخلنا الكلية، وبنينا نفسنا بنفسنا من تحت الصفر. “حسن” بقى مهندس أد الدنيا، وأنا دخلت مجال التصميم والديكور. “كريمة” كانت بتتصل بينا مرتين في السنة بالعافية، ومعظم المكالمة كانت عشان تفكرنا هي ضحت بقد إيه عشاننا.

ورغم كل ده، امبارح كنت بركن عربيتي قدام بيتها، ومقرب على بابها وبإيدي بوكيه ورد وعلبة هدية متغلفة عشان عيد ميلادها الستين.

قعدت أقول لنفسي وأنا ببطل عربيتي:

— يمكن الناس بتتغير.. مين عارف؟

طلعت درجات السلم، ولقيت الباب الخارجي موارب ومش مقفول. دخلت بالراحة ومن غير ما أطلع أي صوت، وخلعت جزمتي زي ما “كريمة” كانت تعودنا ونحن صغيرين.

رفعت بوكيه الورد وأنا مستعد أنادي عليها وأفاجئها، وما كنتش فاهم ولا متخيل إن الـ 60 ثانية اللي جايين دول هيهدوا كل حاجة كنت فاكرها صح في حياتي.

من المطبخ، سمعت صوت رغي. صوت “كريمة”، وصوت حد تاني معاها.. كانت الحاجة “زينب”، أمها.

سمعتها بتقول:

— ولا حاسين بأي حاجة يا أمي، 20 سنة أهما وعمرهم ما شكوا في كلمة، وبلعين كل القصة اللي حكيتهالهم ومصدقينها زي العُبط.

وقفت مكاني متسمر، الكرتونة اللي فيها الهدية كانت هتقع من إيدي، وبوكيه الورد الأبيض ابتدى يترعش بين صوابعي. حاسس إن الدم اتجمد في عروقي، والبيت كله بدأ يدور بيا.

سمعت صوت الحاجة “زينب” جدتي وهي بتمصمص شفايفها وبتسأل بصوت واطي:

— بس يا كريمة، افرضي واحد فيهم قرر يدور ولا يسأل في الأوراق القديمة؟ دول كبروا وبقوا رجالة ومفتحين.

ردت “كريمة” بضحكة فيها شخار واستخفاف يوجع القلب:

— يدوروا فين يا أمي؟ هو أنا هبيلة؟ أنا قافلة الموضوع ده من يوم ما أختي “سعاد” الله يرحمها ماتت وهي بتولدهم في المستشفى! “جمال” جوزي الله يرحمه كان عبيط وعاطفي، وكان عاوز يقولهم إنهم ولاد أختي المتوفية وإن أبوهما الحقيقي حارس عقار غلبان وراجل طيب ومات قبل ما يتولدوا.. بس أنا اللي قطعت اللسان ده من عرقوه!

كملت وهي بتقلّب حاجة في الطاسة وصوت الزيت بيطش:

— أنا فهمتهم إن أمهم رمتهم وباعتهم عشان يفضلوا طول عمرهم حاسين بالكسرة، ويفضلوا شايفيني أنا وليّة نعمتم والست الشريفة العفيفة اللي انتشلتهم من الملاجئ والشوارع! أهو على الأقل “جمال” كان يسيبلي القرشين بتوع معاشه وأنا أربيهم بيهم، وأهي سبوبة وخلاص.. واليومين دول ينفعوني بشوية فلوس لما يكبروا ويشيلوني.

في اللحظة دي، كأن حد ضربني في صدري.

أمي الحقيقية ما رمتناش.. أمي الحقيقية ماتت وهي بتجيبنا الدنيا! وأبونا ما كانش راجل قاسي ولا سابنا، كان راجل غلبان ومات! 20 سنة من عمري وأنا حاسس إني رخيص، حاسس إني مالياش أصل، حاسس إن العالم مش عايزني عشان أمي جابتني ورمتني.. 20 سنة وأنا بوطي راسي لـ “كريمة” وبستسمحها على اللقمة اللي باكلها!

نزلت ايدي اللي ماسكة الورد بالراحة. حطيت بوكيه الورد وعلبة الهدية على الكرسي اللي جنب الباب في الصالة بكل هدوء.. هدوء مرعب، زي الهدوء اللي بيجي قبل العاصفة.

ورجعت خطوتين لورا، وفتحت الباب وخرجت.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى