
مريم كانت واقفة ولابسة طقم جديد ونضيف، بس قلبها هو هو.. بصت للعمال وقالتلهم بالحرف: “المرتبات هتتضاعف، ومفيش حد هيشتغل أكتر من ٨ ساعات.. وأهم شرط عندي: أي حد معدي في الحارة دي جعان، ياكل أحسن أكل وببلاش من غير ما يطلب.”
وفي نفس اليوم بالليل.. الساعة جت تسعة.
ياسين كان واقف في نفس الزقاق ورا المطعم، لابس نفس البدلة، وباصص على الباب الوراني.
الباب اتفتح.. المرة دي مريم ما كانتش شايالة شنطة زبالة، كانت طالعة وفي إيديها صينية عليها سلطانيتين شوربة لسان عصفور بحتة فرخة وعيش ناشف.
قعدت على قفص الخشب القديم اللي كان لسه محتفظ بيه ياسين في الزقاق، وحطت السلطانية قدامه وقالت بابتسامة صافية: “يقولوا ملياردير، يقولوا رئيس مجلس إدارة.. أنت بالنسبة لي ياسين الواد الصغير بتاع ليلة الجمعة. يلا كُل قبل ما الشوربة تبرد.”
ياسين قعد قدامها على الأرض المبلولة من غير ما يبالي بالبدلة الغالية، ومسك المعلقة وبدأ ياكل، والدموع في عينيه.
اللمبة الأصفر المكسورة اللي فوق الباب كانت قايدة وبتنور الزقاق كله، والبرد اللي كان بيموت ياسين زمان.. اتلاشى تمامًا في دفء الجميل اللي اترد صاحبه.
بعد خمس سنين من اليوم ده..
المطعم بقى اسمه “مطعم مريم وياسين للخير”، وما بقاش مجرد مطعم عادي في الحارة، ده بقى أكبر مائدة إطعام مجانية في المنطقة كلها، شغال الصبح للمواطنين وبالليل بيوزع وجبات سخنة على كل محتاج وعابر سبيل.
حكايات شروق خالد
في ليلة شتا تانية، والمطر نازل بنغمة هادية على زجاج المحل، كانت مريم واقفة ورا الترابيزة الكبيرة بتراجع قائمة الوجبات اللي هتطلع للناس في الشارع. كبرت مريم بس وشها بقى ينور بدفء وراحة بال، ويديها اللي كانت متسلخة زمان بقت ناعمة ومليانة بركة.
فجأة، الباب الوراني بتاع المطبخ اتفتح بالراحة.
دخل منه ولد صغير، عنده حوالي تمان أو تسع سنين. هدومه مقطعة ومبلولة، رجليه حافية، وعينيه زايغة من الخوف والبرد. وقف عند العتبة ومتردد يدخل ولا
نزلت على ركبها بالراحة وقربت منه بخطوات هادية، ومسكت صينية عليها سلطانية شوربة سخنة لسه طالع منها البخار.
قعدت قدامه وقالتله بنفس النبرة الحنونة اللي قالتها لياسين زمان: “متخافش.. أنا جبتلك حاجة سخنة ترم عضمك. مش هقول لحد والله.. أنت جعان صح؟”
الولد هز رأسه وهو بيعيط من التعب والبرد.
في اللحظة دي، ياسين كان داخل من الباب القريب، وقف واستند على الحيطة وهو بيبص وابتسامة مالية وشها. طلع تليفونه وصور اللقطة بالراحة من غير ما يحسوا.
الولد أكل بلهفة، ومريم كانت قاعدة قدامه على نفس القفص الخشب القديم، حاطة دقنها على إيدها وبتتفرج عليه وهي طايرة من الفرحة.
لما الولد خلص، مسحت بوز وشها بمنديل وقالتله: “اسمك إيه يا شاطر؟”
قالها بصوت خافت: “علي.”
مريم ابتسمت وبصت لياسين اللي قرب منهم، وقالت للولد: “يا علي.. أنا عمة مريم، وده عمك ياسين. من النهاردة أنت مش هتبارك في الشارع تاني، وهتتعلم وهيبقى ليك بيت هنا معانا.”
علي بصلهم ومش مصدق، وياسين وطى عليه وشاله على كتفه ولف بيه وهو بيضحك.
طلعت مريم برة الباب الوراني، وبصت للـ لمبة الأصفر اللي فوق الباب.. كانت قايدة وبتنور الحارة كلها.
الخير اللي بتزرعه في القلوب المكسورة مش بيموت، بيفضل يكبر ويرجعلك في أوقات ما تتوقعهاش، عشان ينور عتمة الدنيا ويدفي أبرد الليالي.
نور في أخر الزقاق
حكايات شروق خالد



