
بس الحاجة الوحيدة اللي نسيتها…
إن لما أقدر أشيل حملي 9 شهور لوحدي، وأجهز لولادتي لوحدي، وأحمي حقي وحق ابني لوحدي…
أنا ساعتها مش هكون محتاجة وجود راجل في حياتي زيه أصلاً.
وبعدها بأيام قليلة، لما مية الولادة نزلت عليا فجأة…
برضه ما كلمتوش.
نزلت وأخدت عربية وطلعت على المستشفى لوحدي.
قبل ما أدخل العناية، الممرضة جابت أوراق الإقرار:
“في حالة الحاجة لعملية طارئة أو قرار طبي، مين من قرايبك له حق التوقيع؟”
طلعت الورق الرسمي اللي كنت مجهزاه من مكتب المحامي:
“ده توكيل رسمي وموافقة طبية.”
شاورت على الاسم المكتوب بوضوح:
“أمي هي الوكيل الوحيد، وهي بس اللي ليها حق التوقيع وإتخاذ القرار.”
وقفت لحظة وكملت:
“ومش موافقة إن أي حد تاني يدخل لي.”
بعد حوالي 3 ساعات، سيف ظهر في المستشفى.
كان بيلهث وجاي يجري، وكان هيتجنن وهو بيحاول يدخل، بس الممرضين وأمن الدور منعوه.
ولأول مرة، الراجل اللي كان فاكر إني “أقدر أتصرّف لوحدي” فقد أعصابه تماماً.
ضرب بقبضة إيده على الحيطة بصوت عالي وهو بيزعق:
“أنا جوزها! وأنا أب الواد اللي جوه ده!”
“بأي حق تمنعوني أدخل؟!”
صوته كان واصل لي لحد جوه، وكنت نايمة على السرير وجسمي مهدود تماماً من التعب.
بس أول ما سمعت كلامه ده، ابتسامة صغيرة اترسمت على وشي.
بأي حق؟
عشان قبل ما أدخل الأوضة دي بوقت طويل…
أنا بنفسي اللي مسحت اسم سيف من كل التواكيل، ووقعت أوراق خروجه من حياتي للأبد.
أول ما الممرضة فتحت باب الأوضة وبصت لي بقلة حيلة وهي بتقول: “يا مدام، الراجل بره عامل مشكلة وكبير الدكاترة نازل بنفسه يحل الموقف، إنتي متأكدة إنك مش عاوزة تشوفيه؟”
غمضت عيني لحظة واستجمعت الشوية المتبقين من صحتي، وقلت لها بصوت ثابت: “طلعيلوا التوكيل الرسمي اللي مع الأوراق.. خليه يقراه بنفسه.”
الهدوء جوة الأوضة كان عكس الفوضى اللي برة تماماً.
ثواني وصوت سيف اللي كان بيزعق بدأ يوطى تدريجياً، لحد ما سكت خالص.
السكوت ده أنا كنت فاهمة معناه كويس.. كان بيقرا البند الأولاني في التوكيل:
(إلغاء كافة الصلاحيات والتوكيلات السابقة للمدعو سيف… وتحديد السيدة/ فاطمة كوصي طبي أول والوحيد).
وبعديها البند التاني:
(إخطار رسمي باستلام دعوى الطلاق للضرر، وحظر التواجد في النطاق الطبي).
سمعت خطواته وهي بتقرب من الباب الخشب، خبطتين خفاف جداً.. مش نفس الخبطات القوية بتاعة واحد حاسس إنه صاحب حق، لا.. دي كانت خبطة واحد مذهول، مش مستوعب.
“أميرة؟”
صوته كان مهزوز، أول مرة في حياتي أسمع نبرة الخوف دي في صوته.
“أميرة افتحي.. إنتي بتعملي إيه؟ طلاق إيه وتوكيل إيه؟ إحنا بيننا ولد! أنا جوزك!”
ما رديتش.
أمي كانت قاعدة جنبي، ماسكة إيدي وبتبص لي بدموع وهي طبطبت عليا وقالت: “يا بنتي.. لو تعبانة ومش قادرة، أنا أطلع أخليه يمشي خالص.”
قلت لها: “سيبيه يا أمي.. خليه يفضل واقف برة، خليه يعيش إحساس إنه برة السور، زي ما أنا عشت 9 شهور كاملين برة حياته.”
الدكتورة دخلت الأوضة عشان تجهزني للعملية، وبصت في السونار الأخير وقالت: “الضغط مضبوط والجنين جاهز، على بركة الله ندخل الممشى للعمليات.”
وأنا متسحبة على السرير المتحرك وطالعة من الأوضة رايحة لغرفة العمليات، شفته.
كان واقف في الزاوية بتاعة الطرقة، الأمن مسكوه ومنعوه يربك الحركة.
وشه كان أصفر، هدومه مش متظبطة، ماسك إيصال المستشفى والورق اللي المحامي أداهوله في إيده، وإيده بتترعش.
أول ما شاف السرير طالع، حاول يتقدم خطوة وهو بينادي: “أميرة! أنا آسف.. والله العظيم كنت مشغول في صفقة جديدة عشان أؤمن مستقبل الولد! أنا أقسم لك ما كنت أقصد أهملك!”
بصيت له بمنتهى الهدوء.
الكلمات دي لو كانت اتقالت من 5 شهور، كان ممكن تحرك فيا حاجة.. بس النهارده؟ بقت مجرد ضوضاء.
قلت له بصوت هادي وقاطع سمعته الطرقة كلها:
“إنت ما أهملتنيش يا سيف.. إنت بس افتكرت إن السكوت معناه إني هفضل أستنى. إنت قلت لي أعتمد على نفسي.. وأنا اعتمدت، لدرجة إن وجودك بقى زيادة مالهاش قيمة.”
السرير كمل مشيه ودخل بي أفق عمليات الولادة، والباب المقفول الكبير اتسحب بيني وبينه.
بعد ساعة ونص..
صوت صريخ صغير ملأ الأوضة.
الممرضة رفعت الولد وحطته على صدري، وبصت لي وهي بتطمن عليا: “الف مبروك يا مدام أميرة، ولد زي الفل.. تسميه إيه؟”
دمعة واحدة نزلت من عيني، بس ما كانتش دمعة حزن.. كانت دمعة راحة وخلاص من كابوس طويل.
ابتسمت وسميت ابني بنفسي، وكتبت اسمه في شهادة الميلاد الصادرة من المستشفى بحضوري وحضور أمي بس.
خرجت من المستشفى بعد يومين، ما رجعتش على بيته.. طلعت على شقتي الجديدة اللي أأجرتها وجهزتها بالكامل في السر خلال الشهر الثامن.
وبعد أسبوعين، في يوم عيد ميلاده هو بالظبط..
استلم سيف إخطار رسمي على عنوان شركته، فيه صورة شهادة ميلاد ابنه، وجنبها قرار التنازل التام عن أي حقوق له في الإدارة الطبية أو الحضانة، مع محضر الجلسة الأولى لدعوى الطلاق.
في نفس اليوم، جالي منه أكتر من 50 مكالمة، وما رديتش على ولا واحدة.
بعت لي رسالة واحدة في الآخر كاتب فيها: “إنتي حطمتي كل حاجة في يوم عيد ميلادي.”
رديت عليه بمسج قصيرة جداً وواضحة:
“إنت اللي اخترت تكون غايب في أهم 9 شهور في حياتي.. وأنا بس كملت غيابك للنهاية. كل سنة وإنت طيب.”
وقفلت التليفون.. وأخدت ابني في حضني، ولأول مرة من سنة كاملة.. نمت وأنا حاسة بالأمان.
#حكايات_شروق_خالدالأيام مرت بسرعة، وسيف ما استسلمش.
كان كل يوم ييجي تحت العمارة الجديدة، يقف بالساعات في الحر أو في البرد، يفضل يبص لشبك الشقة فوق، مستني بس أي لمح لخيالي على الستارة.
أمي كانت ساعات تطل من البلكونة وتشوفه واقف شكله ينطس عليه، يرمي سجارة ورا التانية، ووشه باين عليه التعب والندم.
في يوم، نزلت أمي تشتري حاجات للبيت، فاعترض طريقها عند مدخل العمارة. مسك إيدها وباسها وهو بيبكي:
“يا طنط فاطمة، أبوس إيدك خلين أكلمها بس 5 دقائق! أنا أتعلمت الدرس، والله العظيم عملت كل حاجة عشان الشغل والمستقبل، ما كنتش فاهم إنها بتتألم للدرجادي! خليهاني أشوف ابني بس، ده ابني من دمكوا!”
أمي بصت له بحزن وقالت له بمنتهى القسوة الهادية:
“يا سيف يا بني، اللي بيضيع مراته وهي في أضعف لحظات حياتها وهيا شايلة ابنه، ما يستاهلش يرجع يلاقيها لما تبقى قوية. أميرة مش غضبانة منك عشان تصالحها.. أميرة استغنت عنك تماماً، والاستغناء مالهوش علاج.”
ورغم كده، سيف ما يئسش، وراح رفع دعوى رؤية ودعوى طاعة عشان يجبرني أرجع بيت الزوجية.
يوم الجلسة الأولى في المحكمة..
كانت القاعة زحمة والمحاميين وافقين، وسيف قاعد مع محاميه ووشه مشدود ومستني يدخل القاضي.
أنا دخلت القاعة ولابسة أسود، ماسكة إيد المحامي بتاعي، ووشي هادي ومرفوع، ما فيش في عيني أي أثر للخوف ولا حتى للغضب.
سيف أول ما شافني قام وقف حيلُه، وكان عاوز ييجي ناحيتي، بس أمن القاعة منعه.
لما القاضي فتح الملف وبدأ يقرأ الدعوى بتاعته: “طلب انقياد لبيت الزوجية ورؤية الصغير”، وقف محاميا وقال بصوت ثابت:
“سيادة القاضي، بنقدم لسيادتك ملف متابعة الحمل بالكامل المكون من 36 زيارة طبية على مدار 9 أشهر، خالية تماماً من توقيع أو حضور الزوج ولو لمرة واحدة.”
وسلم المحامي حافظة المستندات.
المحامي كمل: “ونقدم أيضاً إقرارات وتواكيل سحب الصلاحيات الموثقة رسمياً قبل الولادة، ورسائل نصية من الزوج يعترف فيها بعدم تفرغه ويرفض فيها التواجد مع زوجته أثناء الفحوصات الطبية الحرجة، معتبراً طلباتها ‘موجبة للنكد والضغط’.”
القاضي بص في الورق، ونظراته اتغيرت تماماً وهو بيبص لسيف.
سيف وقف ينادي بقلة حيلة: “يا سيادة القاضي! أنا كنت شغال! كنت بعمل مستقبل لبيتي وابني!”
القاضي هز رأسه وقال له جملة واحدة هزت القاعة كلها:
“المستقبل يا أستاذ بيتبنى بالمشاركة والوجود في الأوقات الصعبة، مش بالفلوس اللي بتتنعى بيها بعد ما كل حاجة تتهد. الزوجة اللي قدرت تشيل حملها وتولد وتدير حياتها وأوراقها القانونية لوحدها طول الفترة دي، أثبتت للمحكمة إن وجودك من عدمه واحد.”
الحكم صدر بالطلاق للضرر، مع إثبات الحضانة الكاملة ليا، وفرض نفقة محترمة للصغير، مع تحديد مكان عام لرؤية الولد مرة واحدة في الأسبوع.
خرجت من باب المحكمة، وسيف كان ورايا بيمشي بسرعة عشان يلحقني قبل ما أركب التاكسي.
“أميرة! استني أرجوكي!”
وقفت وبصيت له.
كان شكله اتغير تماماً عن الراجل المغرور اللي كان فاكر إن فلوسه وشركته أهم من أي حاجة في الدنيا.
“إنتي كده ارتحتي؟ خربتي البيوت وطردتيني من حياتك؟”
ابتسمت له ابتسامة هادية جداً، وقلت له:
“أنا ما خربتش حاجة يا سيف.. إنت اللي بنيت بيتك على الهوا فاكر إن السقف مش هيقع. إنت اخترت شغلك واجتماعاتك، وأنا اخترت نفسي وابني.”
“وهتقولي لابنك إيه لما يكبر؟ هتقوليله حرمتيني من أباك؟”
رديت عليه بوضوح:
“هقوله إن أبه كان مشغول جداً وهو بيتخلق، فربنا طرده من حياتنا عشان يعلمنا إن اللي ما بيحضرش في الوجع.. ما يستاهلش يحضر في الفرح.”
ركبت التاكسي وقفت الباب.
ومن شباك العربية، شفته واقف في نص الشارع لوحده، في نفس المكان واللحظة اللي اكتشف فيها إنه خسِر كل حاجة.. مش عشان حد أذاه، بس عشان هو ما كانش موجود أصلاً.
رجعت بيتي، شيلت ابني بين إيديا، وبصيت له وقلت له:
“خلاص يا حبيبي.. كبرنا، وبقينا سند لبعض.”
#حكايات_شروق_خالدعدت الأيام والشهور، وابني “ياسين” بدأ يكبر قدام عيني.
كل خطوة بيخطوها، كل سنة بتطلع له، وكل كلمة جديدة بينطقها، كانت بالنسبة لي انتصار صغير، أثبتّ بيه لنفسي قبل أي حد إني قدرت أكون له الأب والأم مع بعض، وبدون ما أحتاج لمنّة ولا وجود حد كان شايفنا عبء عليه.
سيف كان بيتلتزم بمواعيد الرؤية في النادي الاجتماعي كل يوم جمعة.
كان بييجي قبل الميعاد بساعة، يفضل قاعد على الكرسي عينيه متعلّقة بالبوابة مستنينا ندخل.
كان بيجيب معاه لعب وأدوات وهدايا بآلاف الجنيهات، يعبي بيها الطاولة، فاكر إن الفلوس واللعب ممكن تعوّض الغياب أو تبني مشاعر بينه وبين طفل ما يعرفش عن ملامحه حاجة.
ياسين في البداية كان بيخاف منه، يتدارى في ضهري ويمسك في طرف قطعتي كل ما سيف يقرب منه.
كان سيف يبص لي بكسرة وعينيه مليانة دموع ويقولي:
“شايفة؟ خلتيه يخاف مني.. خليتي ابني يشوفني غريب!”
كنت بقرّب من ياسين، وأقعد على ركبتي قدامه وأقوله بهدوء: “ده بابا يا ياسين.. روح العب معاه.”
كنت بعمل كده مش عشانه، لكن عشان ضميري قدام ربنا، وعشان ابني ينشأ متزن وما يحسش بأي عقدة. بس القلوب مش بإيد حد.. الأطفال بالذات بيحسوا بالأمان مع اللي بيشيلهم ويمسح دموعهم وبيكون جنبهم في الوجع، مش اللي بيشوفوه ساعة واحدة كل أسبوع.
مع الوقت، سيف بدأ يتغير بجد.. بس بعد إيه؟
ساب الشغل الكتير، وحاول يقلل من اجتماعاته، وبقى يحاول بكل الطرق يستعرض قدامي إنه اتغير، وإن الشغل ما بقاش أولويته زي زمان.
وفي يوم من أيام الرؤية، بعد ما ياسين جري يلعب مع الأطفال، سيف قعد قدامي على الطاولة وقال بصوت مكسور:
“أميرة.. أنا سبت الشركة.. بعت حصتي للشركاء وفتحت مكتب صغير عشان أفضى. أنا بجد اتغيرت، عرفت إن الفلوس والمركز ما يسووش حاجة وأنا راجع كل يوم لبيت فاضي ما فيهوش صدى صوتك ولا ضحكة ابني. اديني فرصة واحدة أثبتلك.. نرجع نبتدي من جديد، عشان خاطر ياسين.”
بصيت له طويلة.. شفت في عينيه ندق حقيقي ورجاء إنسان اتعلم الدرس بعد فوات الأوان.
بس القلب لما بيموت فيه الشعور ناحية شخص، ما بيرجعش تاني، حتى لو الشخص ده بقى ملاك.
رديت عليه بابتسامة هادية خالية من أي كره أو غضب:
“سيف.. إنت اتغيرت عشان نفسك وعشان حسيت بالخسارة، وده شيء كويس ليك ولحياتك الجاية. بس أنا اتغيرت برضه.. أنا بقيت واحدة تانية خالص، واحدة ما تقدرش توثق فيك تاني، ولا تقدر تحس بالأمان معاك. الأمان اللي اتكسر وأنا لوحدي في طرقة المستشفى وبطني قدامي مش عارفة مين هيسندني لو وقعت.. ما ينفعش يترمّم بكلام أو بتغيير جه متاخر.”
سيف نزّل رأسه وبكى بصوت مسموع لأول مرة: “يعني ما فيش أي أمل؟”
“الأمل الوحيد يا سيف.. إنك تكون أب كويس لياسين في الساعة دي، وتحترم إن كل واحد فينا كمل طريقه. أنا سامحتك على كل اللي فات، بس المسامحة مش معناها الرجوع.”
سِبت الكرسي وقُمت، ناديت على ياسين، أخدته في حضني، ومشينا.
واليوم.. بعد سنين، أنا عايشة في بيتي الهادي، شغلي بيكبر، وابني بيتربى في جو كله حب وأمان ورضا.
أتأكدت إن أوقات الصدمات واللحظات الصعبة مش بتيجي عشان تهدنا، دي بتيجي عشان تفوقنا، وتعرفنا قيمتنا الحقيقية، وتكشف لنا مين يستاهل يكمل معانا الرحلة.. ومين كان مجرد عابر طريق، لازم نسيب إيده ونعدي السكة لوحدنا.
#حكايات_شروق_خالد
شلت حملي لوحدي
حكايات شروق خالد



