
تجمدت في مكاني. يوسف المنصوري كان واقف عند الباب، هادي بشكل يخوف. نفس ملامح آدم تقريبًا، لكن عينيه كان فيهم شيء مختلف. برود. كأنه داخل ياخد حاجة تخصه. آدم رفع . — يوسف. ابتسم يوسف. — وحشتني يا أخويا. — ابعد عنها. ضحك بهدوء. — لسه زي ما إنت. أول ما تلاقي حاجة تخصك، تعتبرها ملكك.
آدم شد قبضته.
— نادين مش ليك.
يوسف بص لي.
— مش دلوقتي.
وبعدين رجع يبص لآدم.
— لكن قريب.
كنت حاسة إن قلبي هيخرج من صدري.
قلت:
— إنت اللي قتلت أبويا؟
ابتسامته اختفت.
— أبوكي كان راجل شجاع.
— سألتك سؤال.
— أيوه.
الصمت نزل على المكان.
آدم بص له بغضب.
— ليه؟
يوسف رد:
— لأنه خان أبونا.
— هو حاول يمنعكم من قتل ناس أبرياء!
— وكان لازم يموت.
صرخت:
— وأنت قتلتني أنا كمان!
يوسف بص لي.
— لأ.
قرب خطوة.
— أنا حميتك.
ضحكت وأنا ببكي.
— حميتني؟
— أبوكي كان عارف إن بعد موته هييجوا وراكي.
— مين؟
— الناس اللي كان ماسك ضدهم الدليل.
آدم قاطعه:
— وإنت كنت واحد منهم.
يوسف هز رأسه.
— أنا كنت بحاول أخرج.
— كذاب.
— ولو كنت كذاب، ليه سلمى ساعدتني؟
سكت آدم.
أنا بصيت بينهم.
— سلمى كانت تعرف إنك عايش؟
يوسف ابتسم.
— سلمى كانت عارفة حاجات كتير.
— وهي اللي سممت نفسها؟
يوسف ما ردش.
آدم قال:
— اتكلم.
يوسف بص له.
— ما سممتهاش.
— يبقى مين؟
يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة.
— نفس الشخص اللي هي كانت خايفة منه.
— مين؟
يوسف نظر إلى القلادة اللي في رقبتي.
— صاحب المفتاح.
آدم بص لي بسرعة.
— نادين، اقلعي القلادة.
مديت إيدي عليها.
لكن يوسف قال:
— لو شلتيها، هيقتلوك.
إيدي تجمدت.
— ليه؟
— لأنها مش مجرد قلادة.
آدم قال:
— ما تسمعيش له.
يوسف ضحك.
— افتحها.
بصيت للقلادة.
كانت صغيرة وقديمة، على شكل دائرة فضية، وفي وسطها حجر أسود صغير.
فضلت لابساها من يوم ما كنت طفلة.
عمري ما حاولت أفتحها.
يوسف قال:
— اضغطي على الحجر.
عملت اللي قاله.
وفجأة، انفتح جزء صغير من القلادة.
ظهر بداخله تجويف دقيق.
وفيه شريحة ذاكرة صغيرة.
شهقت.
آدم قرب مني.
— أبوكي خبّاها هنا.
يوسف قال:
— ودي هي الحقيقة اللي كلنا بندور عليها.
آدم رفع سلاحه.
— ارمي سلاحك.
يوسف ابتسم.
— لو قتلتني، مش هتعرف مين قتل سلمى.
آدم تجمد.
أنا بصيت له.
— إنت عارف مين قتلها؟
— أيوه.
— مين؟
يوسف بص لي مباشرة.
— مريم.
اتسعت عيناي.
— مستحيل.
— صاحبتك كانت بتشتغل معايا.
هزيت رأسي.
— لأ.
— هي اللي بدلت كوباية سلمى.
— كذاب!
يوسف أخرج موبايله.
شغل فيديو.
ظهرت مريم داخل المطعم.
كانت واقفة بجانب سلمى.
وفي إيدها كوبايتين شمبانيا.
بدلت واحدة مكان التانية.
وبعدين سلمت الكوباية لرجل يرتدي بدلة رمادية.
أنا قربت من الشاشة.
— مريم…
صوتي خرج مكسور.
آدم قال:
— ليه؟
يوسف رد:
— لأنها كانت مديونة لي.
— وسممت سلمى؟
— لأ.
سكت.
— هي بدلت الكوباية بس.
آدم رفع حاجبه.
— يعني مين حط المادة؟
يوسف ابتسم.
— الشخص اللي مريم نفسها ما تعرفوش.
وفجأة، موبايل آدم رن.
نظر للشاشة.
رقم مجهول.
فتح الاتصال.
صوت امرأة جاء من الطرف الآخر.
صوت سلمى.
— آدم…
تجمد.
— سلمى؟
صوتها كان ضعيفًا.
— متصدقش يوسف.
يوسف اتغيرت ملامحه.
— سلمى؟
تابعت:
— نادين… اسمعيني.
قربت الموبايل من ودني.
— أنا سامعاكي.
— الشخص اللي قتل أبوكي…
سكتت، وكأنها بتحاول تجمع قوتها.
— مش أبو آدم.
بصيت لآدم.
— أمال مين؟
سمعتها تهمس:
— الشخص اللي قتل أبوكي…
شهقت.
— هو نفس الشخص اللي أنقذك من الموت وإنتِ طفلة.
الصمت ابتلع الغرفة.
يوسف بص لي.
آدم بص لي.
وأنا ما كنتش فاهمة.
ثم قالت سلمى:
— اسمه…
وفجأة انقطع الاتصال.
آدم حاول يعاود الاتصال.
لكن الخط كان اتقفل.
بصيت له.
— اسم مين؟
يوسف قال بصوت منخفض:
— عارف.
— مين؟
نظر إلى الباب.
ثم قال:
— الرجل اللي كان واقف جنب أبوكي في الصورة.
حسيت بقلبي يتوقف.
— أبوك وأبوي؟
هز رأسه.
— لأ.
— أمال مين؟
يوسف قال:
— الراجل اللي مات من سبعة عشر سنة…
ثم نظر إلى القلادة في إيدي.
— لكنه رجع من الموت الليلة دي.
وفي نفس اللحظة، وصلني إشعار على موبايلي.
رقم مجهول.
رسالة واحدة:
“لو عايزة تعرفي مين أبوكي الحقيقي… تعالي لوحدك.”
حكايات شروق خالد
فضلت باصة للرسالة كأن الكلمات نفسها بتتحرك قدامي.
— أبويا الحقيقي؟
آدم مد إيده.
— هاتي الموبايل.
ناولته له.
قرأ الرسالة، ووشه اتغير.
يوسف قرب.
— مين بعت؟
آدم ما ردش.
قلت:
— مكتوب أروح لوحدي.
يوسف ضحك.
— يبقى فخ.
— عارف.
— وهتروحي؟
بصيت له.
— لازم أعرف الحقيقة.
آدم قال بحسم:
— مش لوحدك.
— الرسالة قالت لوحدي.
— وأنا مش بهتم بالأوامر اللي بتوصل لأختي.
— أنا مش أختك.
— من اللحظة اللي دخلتي حياتي، بقيتي مسؤوليتي.
سكتُّ.
الجملة كان فيها شيء غريب.
مش حب.
مش ثقة.
لكن حماية.
يوسف بص بينا وابتسم.
— دي مشكلة آدم دايمًا.
— إيه؟
— بيتعلق بالناس اللي المفروض يبعد عنهم.
آدم وجه سلاحه ناحيته.
— اخرس.
يوسف رفع إيده.
— أنا مش عدوك الليلة.
— يبقى مين؟
ابتسامته اختفت.
— اللي بعت الرسالة.
في اللحظة دي، سمعنا صوت سيارة توقفت تحت العمارة.
يوسف بص من الشباك.
— وصلوا.
آدم سأله:
— مين؟
— رجال أبويا.
اتجمدت.
— بس أبوك مات.
يوسف قال:
— اللي مات كان الجسد.
بصيت له.
— يعني إيه؟
ما ردش.
وفجأة، ظهر صوت إطلاق نار من الشارع.
آدم سحبني بعيد عن الشباك.
— لازم نخرج.
— فين؟
— من السطح.
يوسف اتحرك معانا.
بصيت له باستغراب.
— إنت جاي معانا؟
— لو فضلت هنا، هم هيقتلوني.
— وأثق فيك ليه؟
— ما تثقيش.
قالها ببرود.
— بس امشي ورايا.
خرجنا من باب الشقة.
السلم كان ضلمة.
نزلنا خطوتين، وبعدين سمعنا أصوات رجال بيطلعوا من تحت.
آدم وقف.
— لفوق.
جرينا ناحية السطح.
المطر كان لسه نازل بقوة.
وصلنا فوق، وكان فيه مبنى ملاصق للعمارة، المسافة بينه وبيننا حوالي مترين.



