عام

رجعت من السفر بعد 4 سنين حكايات شروق خالد

لأنهم ما كانوش عارفين إن مراتي كانت قاعدة في مكان آمن، ومعاها نسخة من كل المستندات.

قعدت قدامهم.

وقلت:

— أنا قررت أديكم الفلوس.

أختي فتحت عينيها.

— بجد؟

— أيوه.

أمي ابتسمت.

— كنت عارفة إنك ابن أصول.

بصيتلها وقلت:

— بس في شرط.

— إيه؟

حطيت ظرف على الترابيزة.

— تمضوا على الورقة دي.

أمي فتحت الظرف.

وأول ما قرأت أول سطر…

إيديها بدأت ترتعش.

الورقة كانت إقرار بكل الفلوس اللي استلموها مني خلال الأربع سنين.

وكل التحويلات اللي حصلت من حساباتهم.

أختي قامت فجأة.

— إنت بتعمل إيه؟

قلت:

— بديكم فرصة تعترفوا بنفسكم.

أمي بصتلي برعب.

— إنت عرفت إيه؟

ابتسمت لأول مرة.

— عرفت كل حاجة.

وفي اللحظة دي…

الباب اتفتح.

ودخل رجل مسن، شعره أبيض، ووشه مرهق.

أمي شهقت.

أختي وقعت الموبايل من إيدها.

أما أنا…

فوقفت مكاني.

لأني لأول مرة من عشر سنين…

شفت أبويا قدامي.

حي.

وبص لأمي وقال جملة واحدة:

— كفاية يا نادية… اللعبة انتهت.

فضلت باصص لأبويا، ومش قادر أصدق إن الراجل اللي قدامي هو نفس الراجل اللي عشت عشر سنين فاكر إنه مات.

أمي كانت واقفة قدامه، وشها شاحب، وشفايفها بتترعش.

قالت:

— إنت… عايش؟

أبويا رد بهدوء:

— أيوه يا نادية. عايش… وشوفت كل اللي عملتيه.

أختي بدأت تبكي.

— ماما، إحنا لازم نمشي.

أبويا بص لها وقال:

— لأ. محدش هيمشي قبل ما الحقيقة كلها تظهر.

في اللحظة دي دخل المحامي ومعاه رجال من الشرطة.

أمي حاولت تتكلم، لكن مفيش كلمة خرجت منها.

اتفتحت كل الملفات.

تحويلات الفلوس.

الحسابات السرية.

الأوراق اللي اتزورت.

والأهم… المستندات اللي أثبتت إن أمي كانت عارفة بمرض مراتي من البداية، وإنها أخفت عني التقارير الطبية عشان تستمر في الحصول على فلوسي.

لكن الصدمة الأكبر كانت إن أختي كانت مشاركة معاها.

الاتنين كانوا بيستخدموا فلوسي في حياتهم الفخمة، بينما مراتي كانت بتبيع شعرها عشان تدفع تمن التحاليل.

اتقبض عليهم، وبدأت التحقيقات.

وبعد أسابيع، رجعت كل الأموال اللي قدرت الجهات المختصة تثبت إنها اتاخدت بطريقة غير قانونية.

أما أنا، فأول حاجة عملتها كانت إني أخدت مراتي لأفضل مركز طبي.

الدكتور قال إن حالتها محتاجة علاج طويل، لكن لسه فيه أمل كبير.

بدأنا العلاج.

الأيام كانت صعبة.

كانت بتتعب، وتضعف، وساعات كانت تفقد الأمل.

لكن كل مرة كانت تبصلي وتقول:

— أنا خايفة.

كنت أمسك إيدها وأرد:

— وأنا مش هسيبك.

ومرت شهور.

وفي يوم، خرج الدكتور من غرفة الفحص وهو مبتسم.

— النتائج الجديدة كويسة جدًا. الورم استجاب للعلاج بشكل ممتاز.

مراتي انفجرت في البكاء.

وأنا لأول مرة من شهور حسيت إني أقدر أتنفس.

أبويا فضل جنبنا.

وحكى لي الحقيقة كاملة عن السنين اللي فاتت.

هو ما اختفاش لأنه ما كانش بيحبني.

اختفى لأنه كان خايف إن الناس اللي حاولت تقتله توصل لي.

لكنه اعترف إن أكبر غلطة عملها كانت إنه سابني أصدق إن أمي هي الشخص الوحيد اللي أقدر أثق فيه.

بعد سنة، وقفت مراتي قدام المراية.

كان شعرها بدأ يطلع من جديد.

لمست رأسها وضحكت.

— بص يا أحمد… رجعت.

ابتسمت وقلت:

— لأ.

بصتلي باستغراب.

قلت:

— إنتِ ما رجعتيش… إنتِ بدأتي حياة جديدة.

ضحكت وهي بتعيط.

حضنتها، وافتكرت اليوم اللي لقيتها فيه قاعدة ورا البيت، بتجمع قطع طبق مكسور من التراب.

في اليوم ده كنت فاكر إن حياتي كلها اتكسرت.

لكن الحقيقة إن اللي اتكسر كان الوهم.

وهم إن كل اللي بيقول إنه بيحبك فعلًا بيحبك.

تعلمت إن الدم مش دايمًا معناه أمان.

وإن أقرب الناس ممكن يكونوا أكتر ناس قادرين على وجعك.

لكن اتعلمت كمان إن الحب الحقيقي بيبان وقت الشدة.

مراتي ما طلبتش مني فلوس.

ما طلبتش مني شهرة ولا بيت كبير.

كل اللي كانت محتاجاه كان إني أصدقها.

وأنا للأسف صدقت الناس الغلط.

في النهاية، بعنا البيت اللي اتبنى بفلوسي، وبدأنا حياة جديدة بعيد عن كل الذكريات السيئة.

جزء من الأموال رجع ليا، وجزء اتصرف في علاج مراتي.

أما أبويا، فاختار يعيش قريب منا.

وفي أول عيد ميلاد لمراتي بعد شفائها، فاجأتها بهدية صغيرة.

علبة فيها خصلة من شعرها القديم، اللي كانت محتفظة بيه قبل ما تبيعه.

بصتلي بدهشة.

قلت لها:

— عارفة ليه احتفظت بيه؟

هزت رأسها.

قلت:

— عشان أفكرك إن الست اللي اضطرت تبيع شعرها عشان تعيش… هي نفسها الست اللي هزمت المرض والخيانة والخوف.

حضنتني وهي بتبكي.

وفي اللحظة دي فهمت حاجة عمري ما هنساها:

أنا كنت فاكر إني رجعت من الغربة عشان أنقذ مراتي.

لكن الحقيقة…

هي اللي أنقذتني.

أنقذتني من عيلة كنت فاكر إنها سندي، ومن ثقة عمياء كانت ممكن تضيع حياتي.

ومن يومها، بقيت عارف إن أغلى حاجة في الدنيا مش الفلوس اللي كنت ببعتها كل شهر…

أغلى حاجة كانت الست اللي استنتني أربع سنين، رغم إنها كانت بتواجه أصعب أيام حياتها لوحدها.

وأنا وعدتها بحاجة واحدة:

— المرة دي… مش هسيبك أبدًا.

رجعت من السفر بعد 4 سنين

حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى