
“تعرفه؟”
أنطون ما ردش.
لأنه كان يعرفه.
وكان مستحيل يكون موجود في التسجيل.
الصوت كان صوت أخته نادية.
لكن نادية رحلت من ثلاث سنين.
على الأقل…
ده اللي أنطون كان فاكره.
وفجأة، رن موبايل مازن.
نظر للشاشة.
رقم مجهول.
رد بحذر.
“ألو؟”
مافيش رد.
بس صوت نفس هادي.
ثم همسة:
“ابعد أنطون عن ليلى وبنتها.”
مازن قرب الموبايل من أذنه.
“إنت مين؟”
الخط اتقفل.
أنطون أخد الموبايل منه.
وفي نفس اللحظة، سمعوا صوت باب القصر الرئيسي بيتفتح.
مازن بص له.
“حد دخل.”
أنطون خرج من الغرفة.
نزل السلم بسرعة.
لكن لما وصل للصالة، وقف.
كان فيه راجل واقف وسط البيت.
بدلة سوداء.
وشه هادي.
وفي إيده شيء أخفاه خلف ظهره.
أنطون رفع يده بحذر.
الراجل ابتسم.
“وحشتني يا أنطون.”
أنطون ثبت مكانه.
“إنت…”
مازن همس:
“مين ده؟”
أنطون ما رمش.
لأنه كان يعرفه.
وكان المفروض إنه رحل مع ابنه في نفس الحادث.
قال أنطون بصوت مخنوق:
“حسام…”
الرجل ابتسم أكتر.
“أخيرًا افتكرتني.”
ومن ورا باب المطبخ، خرجت مريم فجأة.
ليلى حاولت تمسكها، لكن الطفلة أفلتت منها.
جريت ناحية أنطون.
ورفعت سماعة الدكتور اللعبة.
بصت لحسام.
ثم قالت:
“مش هو اللي تسبب في رحيل الولد.”
أنطون رفع عينه.
حسام سكت.
مريم كملت:
“هو كان بيساعد الشخص التاني.”
أنطون بص لحسام.
“مين الشخص التاني؟”
مريم بصت له.
ثم أشارت إلى مازن.
الصمت نزل على المكان.
أنطون ببطء لف ناحية ابن عمه.
مازن كان واقف مكانه.
وشه أبيض.
وعينه اتسعت.
“مريم… إنتِ بتقولي إيه؟”
الطفلة قربت من أنطون وهمست:
“عمو…”
“نعم؟”
“هو اللي كان بيكلم الولد كل ليلة.”
أنطون بص لمازن.
مازن رجع خطوة.
“ما تسمعش لكلام طفلة.”
أنطون رفع يده ناحيته.
“أنا لسه ما قلتش اسمك.”
مازن سكت.
أنطون ابتسم ابتسامة باردة.
“بس إنت عرفت إن الكلام عليك.”
وفجأة…
انطفأت أنوار القصر كلها.
وفي الظلام…
اتسمع صوت قوي.
ثم صرخة ليلى:
“مريم!”
—
انطفأت أنوار القصر كلها.
أنطون تحرك غريزيًا ناحية الصوت، وسمع خطوات صغيرة بتجري.
“مريم!”
وفجأة اشتغل نور الطوارئ الأحمر.
المشهد ظهر قدامه في ثانية واحدة.
ليلى كانت واقفة عند باب المطبخ، وحاضنة مريم.
حسام كان واقعًا على الأرض، والشيء الذي كان يحمله بعيد عنه.
أما مازن…
فكان واقفًا في مواجهة أنطون.
أنطون بص له في صدمة.
“إنت؟”
مازن ابتسم ابتسامة مكسورة.
“كان لازم تعرف في يوم.”
“إنت السبب في رحيل آدم؟”
“أنا ما كنتش السبب.”
“بتكدب!”
“أنا كنت بحاول أحميك!”
“تحميني؟! من مين؟”
سكت مازن.
ثم قال:
“من الناس اللي كانوا حواليك.”
أنطون قرب خطوة.
“مين؟”
مازن بص لحسام.
حسام كان بيحاول يقوم.
“هو كان واحد منهم.”
ثم أشار إلى نفسه.
“وأنا كنت واحد منهم.”
أنطون حس بالغضب.
“وآدم؟”
مازن نزل عينه.
“آدم اكتشف إن فيه ناس بتستخدم شركاتك في معاملات مشبوهة. وكان ناوي يكشف الحقيقة.”
“وإنت منعته.”
“حاولت.”
“إنت السبب؟”
“لأ.”
حسام تحدث من الأرض.
“أنا اللي رتبت كل حاجة.”
أنطون وجه نظره ناحيته.
“ليه؟”
حسام سكت.
أنطون صرخ:
“مين أمرك؟!”
لكن صوتًا جاء من أعلى السلم.
“أنا.”
الجميع رفع عينه.
كانت امرأة واقفة في الظلام.
نادية.
أخت أنطون.
المرأة التي كان يعتقد أنها رحلت قبل ثلاث سنوات.
أنطون اتراجع خطوة.
“مستحيل…”
ابتسمت.
“كنت عارف إنك هتصدق إني اختفيت.”
أنطون بص لها وكأنه شايف شخصًا من الماضي.
“إنتِ… موجودة؟”
“من يوم حادث آدم.”
مازن قال:
“هي اللي كانت بتحرك كل حاجة.”
نادية نزلت السلم ببطء.
“آدم كان ذكي. اكتشف إن والدك مش متورط في أي حاجة، وإن مجموعة من الأشخاص كانت بتستخدم اسم شركاتك من غير ما تعرف.”
أنطون قال:
“وإنتِ؟”
“كنت معاهم.”
صمت ثقيل.
“ولما آدم عرف، حاولت أخليه يسكت.”
أنطون حس إن العالم بيلف بيه.
“إنتِ السبب في اللي حصل له.”
نادية هزت راسها.
“أنا طلبت منه يبعد. لكن الأمور خرجت عن السيطرة.”
حسام ضحك من مكانه.
“كان لازم يختفي من الصورة.”
في اللحظة دي، مريم خرجت من حضن أمها.
مشيت ناحية أنطون.
وأمسكت إيده.
أنطون بص لها.
قالت بهدوء:
“عمو… الولد مش زعلان منك.”
أنطون حس بعينيه بتدمع.
“إنتِ عرفتي منين؟”
ابتسمت.
“هو قال لي.”
“هو فين؟”
رفعت إيدها ناحية غرفة آدم.
“هناك.”
أنطون بص للغرفة.
ثم دخلها مرة تانية.
مريم مشيت وراه.
وقفت قدام الصورة القديمة.
وأشارت إليها.
“هو كان بيحبك.”
أنطون لمس الصورة.
وانهار لأول مرة.
جلس على الأرض، وضم الصورة لصدره.
“أنا آسف يا ابني.”
خمس سنين.
خمس سنين كان فاكر إنه لما قفل الغرفة بيهرب من الذكريات.
لكن الحقيقة إنه كان بيهرب من نفسه.
مريم قربت منه.
وحطت سماعة الدكتور اللعبة على صدره.
سمعت قلبه.
وبعدين ابتسمت.
“دلوقتي أحسن.”
أنطون ضحك وسط دموعه.
“بقيت كويس؟”
هزت راسها.
“آه.”
خارج الغرفة، وصلت الجهات المختصة.
مازن قرر يتعاون ويكشف كل المعلومات اللي يعرفها.
وحسام ونادية انتهى اختفاؤهما، وبدأت الجهات المختصة في مراجعة كل التفاصيل القديمة.
وبعد فترة، ظهرت الحقيقة كاملة.
حادث آدم لم يكن مجرد حادث عادي.
وكانت الأدلة التي خبأها آدم في الغرفة هي المفتاح الذي ساعد على كشف شبكة كاملة من الأسرار.
بعد شهور…
اتغير البيت.
الباب اللي كان ممنوع حد يقرب منه بقى مفتوح.
غرفة آدم بقت مكانًا مختلفًا.
أنطون احتفظ بكل حاجاته.
لكن لأول مرة، حط صورة ابنه في مكان مليان نور.
أما ليلى، ففضلت في البيت.
مش كعاملة.
أنطون عرض عليها شغل محترم، وساعدها تبدأ مشروع صغير باسمها.
ومريم؟
مريم بقت أكتر طفلة محبوبة في البيت.
وفي يوم من الأيام، كانت قاعدة جنب أنطون في الحديقة، وهي بتفحصه بسماعة الدكتور الحمرا والبيضا.
ضحك أنطون وقال:
“لسه بتلعبي دكتور؟”
مريم هزت راسها.
“لأ.”
“أمال بتعملي إيه؟”
قربت السماعة من قلبه.
وسمعت شوية.
ثم قالت:
“بتأكد.”
“من إيه؟”
ابتسمت.
“إن قلبك مبقاش حزين.”
أنطون سكت.
وبص للسماء.
ولأول مرة من خمس سنين، حس إنه يقدر يتنفس من غير ألم.
ثم سمع صوتًا صغيرًا بجانبه:
“عمو؟”
“نعم يا مريم؟”
“الولد قال لي حاجة أخيرة.”
أنطون قلبه وقف للحظة.
“قال إيه؟”
ابتسمت مريم وقالت:
“قال لي أقولك…”
سكتت ثواني.
ثم همست:
“إنه سامحك.”
أنطون غمض عينيه.
ونزلت دمعة واحدة على خده.
لكن المرة دي…
ما كانتش دمعة حزن.
كانت دمعة راحة.
رفع عينه للسماء وقال:
“وأنا كمان سامحت نفسي.”
وفي تلك اللحظة، هبت نسمة خفيفة بين الأشجار.
فضحكت مريم.
وأنطون ابتسم.
ومن يومها…
لم يعد أنطون يخاف من الليل.
لأن قلبه، الذي ظل حزينًا لخمس سنوات…
أخيرًا وجد طريقه للسلام.
#حكايات_شروق_خالد



