
على الغرف.
وأبويا معاه.
وأنا كنت في الصالة.
سمعت عماد بيقول
حضرتك متأكد إن كل الأوراق سليمة؟
أبويا قال
سليمة مية في المية.
عماد قال
أصل فيه حاجة ظهرت لي في الشهر العقاري.
أبويا اتوتر.
حاجة إيه؟
فيه استعلام قديم عن ملكية العقار.
أبويا قال
من مين؟
الاسم موجود.
أبويا طلب الورقة.
قراها.
وشه اتغير.
أنا قربت.
في إيه؟
مد لي الورقة.
قرأت الاسم.
ولاء إسلام رجب.
بصيت لها.
كانت واقفة في آخر الصالة.
وشها اتغير.
أنا؟
أبويا قال
إنتي عملتي استعلام عن البيت ده؟
ولاء هزت راسها.
لا.
متأكدة؟
والله ما عملت.
إسلام بص لها.
ولاء…
أنا ما عملتش!
عماد قال
الاستعلام متقدم من فترة، وفيه تفويض مرفق.
أبويا قال
وريني.
أخد الورقة.
قرأ التفويض.
وبعدين سكت.
قال
الإمضا مش إمضتها.
إسلام قال
يعني؟
أبويا بص لنا.
حد زور توقيعها.
ولاء قربت.
مين يعمل كده؟
أبويا ما ردش.
أنا افتكرت كلام شريف.
الحسابات.
العقود.
الاستعلامات.
حد كان بيدور على أملاك أبويا.
مش بس ولاء.
حد كان عارف إن فيه فلوس.
وعارف إن فيه شقق.
وعارف أسماءنا.
والأخطر…
إن حد قدر يستخدم اسم ولاء.
في الليلة دي، أبويا قفل باب الشقة وقعد معانا.
قال
أنا غلطت.
إسلام قال
في إيه؟
إني افتكرت إن المشكلة كلها ولاء.
ولاء بصت له.
وأنا غلطت فعلًا.
أبويا قال
آه.
وبعدين كمل
بس واضح إن حد استغل غلطك.
شريف اتصل بأبويا في نفس الليلة.
قال له
الحاج رجب، لازم أقول لك حاجة.
قول.
الشخص اللي ساعد في تغيير بيانات الحساب مش موظف البنك لوحده.
يعني؟
كان فيه حد بيديله المعلومات.
أبويا سكت.
مين؟
شريف قال
شخص قريب منكم.
قلبي دق.
قريب إزاي؟
كان عنده صور بطاقات، وأرقام تليفونات، وبيانات عن العقارات.
أبويا قال
عندك اسمه؟
عندي.
ابعته.
بعد ثواني، وصل اسم على موبايل أبويا.
بصيت لوشه.
كان مصډوم.
إسلام قال
مين؟
أبويا ما ردش.
قلت
بابا؟
رفع الموبايل.
والاسم ظهر قدامنا.
محمود.
أخو ولاء.
إسلام قال
أخوها؟
ولاء حطت إيدها على بوقها.
مستحيل.
أبويا قال
كل حاجة بدأت تفهم.
ولاء كانت بټعيط.
أنا أخويا؟
إسلام قال
هو كان عارف إنك بتاخدي فلوس؟
ولاء هزت راسها.
لا.
أبويا قال
يمكن هو اللي عرفها بمكان الحساب.
ولاء
مستحيل.
وإنتي كنتي بتقولي له إيه؟
حكيت له إن بابا عنده فلوس.
أبويا قال
وإيه تاني؟
سكتت.
ولاء؟
قالت
حكيت له عن الشقق.
أبويا قفل عينه لحظة.
كده فهمت.
تاني يوم، أبويا طلب من ولاء تكلم أخوها.
اتصلت.
ألو يا محمود؟
صوته جه طبيعي.
أيوه يا ولاء.
إنت فين؟
في الشغل.
محتاجاك تيجي.
ليه؟
عشان نتكلم.
سكت.
في إيه؟
قالت
تعالى.
بعد ساعتين، محمود وصل.
دخل البيت وهو مبتسم.
خير يا جماعة؟
أبويا كان قاعد.
بص له.
اقعد.
محمود قعد.
أبويا حط قدامه ورقة.
تعرف دي؟
محمود بص.
لأ.
استعلام عن عقار.
وماله؟
باسم مرات ابنك؟
محمود قال
ولاء؟
ولاء ردت
إنت اللي عملته؟
ضحك.
أنا؟ إنتي اټجننتي؟
أبويا قال
خد بالك من كلامك.
محمود سكت.
أبويا حط ورقة تانية.
ودي؟
محمود بص.
كانت صورة من طلب تغيير بيانات الحساب.
وشه اتغير.
أبويا قال
ولسه هتنكر؟
محمود قال
معرفش حاجة.
أبويا أشار لإسلام.
فلوس ابني راحت لمين؟
محمود قال
مش أنا.
شريف كان واقف عند الباب.
وقال
لأ، إنت.
محمود اتجمد.
شريف قال
أنا شوفتك.
محمود
إنت كداب.
وعندي رسائل منك.
محمود سكت.
أبويا قال
قول الحقيقة.
محمود بص لولاء.
هي اللي بدأت.
ولاء شهقت.
أنا؟!
إنتي اللي كنتي بتقولي لي إنهم مخبيين فلوس.
بس أنا ماطلبتش منك تسرق.
أنا ما سرقتش.
أبويا قال
أمال عملت إيه؟
محمود سكت.
شريف قال
هو كان بياخد نسبة من كل عملية.
أبويا فهم.
يعني إنت كنت بتساعدها وتسحب فلوس، وتاخد لنفسك جزء؟
محمود ما ردش.
ولاء بقت بټعيط.
ليه يا محمود؟
قال
كنت مديون.
وأنا وثقت فيك.
وإنتي اللي جيتي لي.
عشان أخويا.
محمود قال
وأنا ساعدتك.
إسلام وقف.
ساعدتها؟
أيوه.
عشانها؟
أيوه.
إسلام قال
لا.
وبص لأبويا.
هو مش ساعدها.
سكت.
هو استغلها.
أبويا هز راسه.
بالضبط.
الموضوع دخل بعد كده في إجراءات رسمية.
إسلام قرر
يسترد حقه بالكامل.
ولاء شهدت بالحقيقة.
ومحمود اضطر يواجه نتيجة اللي عمله.
وأبويا لأول مرة قال جملة ماكناش متوقعينها
أنا مش هنتقم من حد.
بص لإسلام.
أنا عايز حقي يرجع.
وبص لولاء.
وإنتي عايزة تصلحي بيتك.
وبص لمحمود.
وإنت تتحمل نتيجة أفعالك.
محمود حاول يطلب السماح.
أبويا قال
السماح حاجة، والحقوق حاجة تانية.
مرت شهور.
البيت اتغير.
مش بس في شكله.
في النفوس.
ولاء بقت أهدى.
إسلام رجع يتعامل معاها، لكن الثقة رجعت بالتدريج.
وأخويا أحمد بدأ يجهز شقته.
وأنا خلصت الماجستير.
وفي يوم من الأيام، رجعت البيت ومعايا الشهادة.
أبويا كان قاعد في البلكونة.
حطيت الشهادة قدامه.
خلصت.
بص لها.
وبعدين بص لي.
كنت عارف إنك هتخلصي.
بجد؟
طبعًا.
طب إيه الجاي؟
ابتسم.
شغل.
وإنت هتديني من الحساب؟
ضحك.
لأ.
ليه؟
عشان أنا صرفت عليك تعليم كفاية.
ضحكت.
يا بابا!
قال
الحساب موجود.
وبعدين سكت.
بس الفلوس اللي فيه مش عشان تفضلي قاعدة.
أمال؟
عشان تبدأي.
بصيت له.
تبدأ إيه؟
قال
حياتك.
في آخر يوم قبل ما إخواتي ينقلوا لشققهم، أمي عملت عزومة.
عملت رز وسمك وسلطات.
وبعدين حطت طبق جمبري كبير في النص.
ولاء أول ما شافته ضحكت.
لا يا ماما.
أمي قالت
مالك؟
أنا مش هتكلم.
ضحكنا كلنا.
أبويا بص لي.
شوفي بنتك پتخاف من الجمبري.
ولاء قالت
أنا بقى من النهارده كل ما أشوف جمبري هفتكر الحاج رجب.
أبويا قال
كويس.
إسلام ضحك.
بس أنا اللي هدفع تمنه.
أبويا رد
لأ.
إسلام
ليه؟
أمك هي اللي عزماكم.
أمي قالت
وأنا حرة في فلوسي.
أبويا ضحك.
أهو كده اتعلمتوا.
ضحكنا كلنا.
وبصراحة، المشهد ده كان أغرب حاجة حصلت لنا.
من كيلو جمبري بدأ أكبر خناقة في البيت.
وبنفس كيلو الجمبري تقريبًا انتهت أغلب الخناقة.
بعدها بأيام، بابا جمعنا مرة تانية.
وقال
أنا وأمكم قررنا حاجة.
أحمد قال
بيعنا البيت؟
لأ.
إسلام
طب إيه؟
أبويا قال
هنكتب كل حاجة رسمي.
أنا استغربت.
إزاي؟
كل واحد يعرف حقه.
أمي قالت
مش عايزين حد يفضل عايش على التخمين.
أبويا أخرج ملف جديد.
لكن المرة دي ماكانش بني.
كان أبيض.
وقال
دي الوصايا والعقود والإقرارات.
إسلام قال
بابا، بدري.
أبويا ضحك.
أنا مش بكتب وصية عشان أموت.
أنا بكتب عشان محدش يتخانق بعد عمري.
ولاء قالت
حضرتك عايز تكتب لي إيه؟
أبويا بص لها.
ولا جنيه من حق إسلام.
ولاء نزلت راسها.
عارف.
لكن في نفس الوقت، ولادك ليهم حق زي ولاد إخواتك.
رفعت عينيها.
وأنا مش همنعهم.
أبويا قال
عشان كده أنا هكتب لكل واحد حقه.
وبعدين بص لنا.
بس أهم حاجة.
سكتنا.
محدش يستعجل مۏت أبوه عشان ياخد نصيبه.
الكلمة كانت واضحة.
وكلنا فهمناها.
بعد سنة تقريبًا، كان البيت هادي بشكل غريب.
أحمد نقل لشقته.
إسلام وولاء نقلوا لشقتهم.
وأنا بدأت شغل بعد الماجستير.
وأبويا وأمي فضلوا في بيتهم.
بس علاقتنا ببعض بقت أحسن.
كنا بنتقابل كل جمعة.
وأمي كل مرة تعمل أكل كتير.
وفي مرة، وأنا داخلة، لقيت أبويا بيقول
ماجدة، عملتي جمبري؟
أمي ردت
أيوه.
ولاء دخلت بعدها بثواني.
بكام؟
كلنا انفجرنا في الضحك.
ولاء حطت إيدها على وشها.
خلاص بقى!
أبويا قال
أهو لسه الدرس شغال.
ضحكنا.
بس بعد الضحك، بصيت لأبويا.
لقيته ساكت.
سرحان.
قلت
مالك؟
قال
ولا حاجة.
متأكد؟
أيوه.
وبعدين بص لي.
أنا بس مبسوط.
ليه؟
عشان البيت لسه بيتجمع.
سكت.
حتى بعد ما كل واحد بقى في بيته.
في آخر الليل، بعد ما كلنا مشينا، أنا رجعت آخد حاجة نسيتها.
دخلت الصالة.
لقيت أبويا وأمي قاعدين لوحدهم.
أمي قالت
نسيتِ إيه؟
موبايلي.
وأنا باخده، سمعت أبويا بيقول لأمي
عارفة؟
إيه؟
لو رجع بيا الزمن، كنت هعمل نفس اللي عملته.
أمي قالت
حتى الدوسيه؟
ضحك.
حتى الدوسيه.
حتى ماجرتش عليهم كلهم؟
كان لازم.
أمي قالت
ولاء اتعلمت.
وإسلام اتعلم.
وإحنا؟
أبويا بص لها.
إحنا اتعلمنا إن السكوت ساعات بيعمل مشاكل.
أمي ابتسمت.
بس لو كنت قلت لهم من الأول…
قاطعها
كان كل واحد فيهم
مستني نصيبه.
وسكت.
أنا كنت عايزهم يعيشوا عمرهم كله وهم فاكرين إنهم لازم يعتمدوا على نفسهم.
أمي قالت
ونجحت.
أبويا بص للبيت.
الحمد لله.
وأنا واقفة عند باب الصالة، سمعت كل كلمة.
ومعرفتش ليه دموعي نزلت.
يمكن عشان فهمت حاجة متأخر.
أبويا عمره ما كان بخيل.
وأمي عمرها ما كانت بتفرتك الفلوس.
الفلوس اللي كنا بنشوفها قليلة، كانت وراها خطط.
والأكل اللي كنا بنحسب تمنه، كان وراه سنين تعب.
والبيوت اللي كنا فاكرينها مجرد أملاك، كانت في الحقيقة أمان لمستقبلنا.
لكن اللي حصل مع ولاء علمني حاجة أهم.
إن الطمع مش بيبدأ لما الواحد يسرق.
الطمع بيبدأ لما يبص لحاجة مش بتاعته، ويقول
هو عنده كتير… يعني مش هتفرق.
ولاء ما بدأتش حرامية.
بدأت پخوف.
وبعدين سؤال.
وبعدين فضول.
وبعدين مقارنة.
وبعدين استحقاق.
وبعدين خطوة صغيرة.
وبعدها خطوات.
لحد ما لقت نفسها واقفة في مكان عمرها ما تخيلت إنها توصله.
بس برضه اتعلمت إن الاعتراف بالغلط مش بيصلح كل حاجة فورًا.
لكنه أول خطوة.
وإسلام اتعلم إن الثقة مش كلمة.
وأحمد اتعلم إن الأهل ممكن يخبوا عنك حاجات مش عشان يحرموك منها، لكن عشان يحموك من إنك تبني حياتك عليها.
وأنا؟
أنا اتعلمت إن اللي بنشوفه بعيننا مش دايمًا الحقيقة كاملة.
قبل ما أمشي، أبويا ناداني.
كاريمان.
نعم؟
تعالي.
قربت.
مد إيده لي بمفتاح.
بصيت له.
ده إيه؟
مفتاح شقة.
شقة مين؟
ابتسم.
شقتك.
اتجمدت.
بتقول إيه؟
الشقة اللي كنتي فاكرة إنها مجرد شقة من بتوع العيلة.
بابا…
هتفضلي معانا لحد ما تجهزي نفسك.
وبعدين؟
وبعدين تبقى شقتك.
دموعي نزلت.
إنت كنت مخبي ده كمان؟
ضحك.
كان لازم.
ليه؟
قال
عشان لما تفتكري يومًا إن أهلك ماعملوش لك حاجة، تفتكري الدوسيه.
ضحكت وسط دموعي.
هفضل أفتكر الدوسيه طول عمري.
قال
كويس.
وبعدين ناداني قبل ما أمشي
كاريمان.
نعم؟
ومتقوليليش على الجمبري غالي.
ضحكت.
حاضر.
قال
عشان أمك من بكرة هتجيب اتنين كيلو.
أمي من جوه الصالة صړخت
اتنين كيلو إيه يا رجب؟!
أبويا بص لي وضحك.
شوفتِ؟
وضحتنا علت في البيت كله.
والبيت اللي كان من كام شهر ساكت من الخۏف والشك، رجع تاني يسمع صوتنا.
صوت أمي وهي بتزعق.
وصوت إسلام وهو بيهزر.
وصوت أحمد وهو پيتخانق على آخر قطعة جمبري.
وصوت ولاء وهي بتضحك.
وصوت أبويا…
اللي طول عمره كان شايل فوق كتفه أكتر مما إحنا متخيلين.
وفي اللحظة دي، افتكرت أول ليلة.
ليلة ما ساب المعلقة من إيده وقال
من بكره كل واحد يشيل شيلته ومسؤول عن بيته.
وقتها افتكرناه ڠضبان.
افتكرناه متعصب.
افتكرناه خد قرار كبير عشان كيلو جمبري.
لكن الحقيقة؟
الجمبري ماكانش السبب.
الجمبري كان مجرد اللحظة اللي خلت أبويا يبطل يسكت.
اللحظة اللي خلته يفتح الدوسيه.
والدوسيه كشف حسابات.
والحسابات كشفت أسرار.
والأسرار كشفت الطمع.
والطمع كشف ناس ماكنّاش شايفين حقيقتهم.
لكن في النهاية، الدوسيه ما كشفش فلوس وبس.
كشف لنا حقيقة أبويا وأمي.
إنهم كانوا بيحوشوا عمرهم كله…
مش عشان نفسهم.
عشاننا.
ويمكن دي كانت أغلى حاجة عرفتها في حياتي.
إن بعض الآباء والأمهات مش بيقولوا
أنا عملت عشانك.
لكنهم بيقعدوا ساكتين، ويحوشوا، ويتعبوا، ويحسبوا كل جنيه، ويضحوا براحتهم…
لحد ما ييجي يوم تكتشف فيه إن كل اللي كنت فاكره بخل…
كان حب متخبي.
وكل اللي كنت فاكره حرمان…
كان أمان.
وكل اللي كنت فاكره إنهم مش بيدوك…
كانوا في الحقيقة بيحطوه بعيد عن عينك، عشان يفضل موجود يوم ما تحتاجه.
أما ولاء؟
فبعد سنين، بقت كل ما تشوف طبق جمبري على السفرة تقول
والله أنا عمري ما هنسى الأكلة دي.
وأبويا يرد عليها
ولا أنا.
فتضحك وتقول
هي كانت أغلى كيلو جمبري في حياتي.
فيضحك أبويا
لأ يا بنتي.
أمال إيه؟
يبصلنا كلنا ويقول
دي كانت أرخص أكلة دفعتنا ثمن الحقيقة.
وساعتها كنا كلنا بنضحك.
لأننا بقينا فاهمين.
وفاهمين كويس جدًا…
إن أوقات كتير، اللي بيغيّر حياة البيت كله، مش کاړثة كبيرة.
ولا مصېبة ضخمة.
ولا



