
منى قالت:
— يعني حضرتك شايف إن في حاجة غلط؟
شريف بص حواليه قبل ما يرد.
— أنا شايف إنكم لازم تفضلوا صاحيين لحد آخر لحظة.
سلمى خدت جهاز اللاسلكي وحطته تحت الجاكت.
وبصت لأختها.
— خايفة؟
منى بلعت ريقها.
— جدًا.
سلمى ابتسمت ابتسامة بسيطة.
— كويس.
منى استغربت.
— كويس إزاي؟
— الخوف بيخلي الواحد مركز. بس أوعي الخوف يشلك.
بعد ساعة، سابوا العربية على بعد حوالي نص كيلو من المستشفى.
كانت الدنيا بتمطر مطرة خفيفة، والهواء بارد، والطريق كله طين.
مبنى المستشفى ظهر قدامهم في الضلمة زي شبح ضخم.
شبابيك مكسورة.
أبواب صدية.
وممرات غارقة في السواد.
لكن من الدور التالت كان فيه ضوء نار ضعيف بيتحرك على الحيطان.
منى قربت من أختها.
— هما هنا فعلًا.
سلمى ردت بهدوء:
— عارفة.
طلعوا السلم.
لكن قبل ما يوصلوا للدور التاني، ظهر قدامهم راجل ضخم ماسك بندقية.
— استنوا!
الاختين وقفوا.
بص لهم من فوق لتحت.
— إنتوا مين؟
سلمى بدأت ترتعش بإيديها.
— عربيتنا عطلت… إحنا تايهين ومش عارفين نروح فين.
الراجل ضحك بسخرية.
— تايهين؟
منى قالت بصوت ضعيف:
— أيوه… والنبي ساعدنا.
الراجل فتح الباب وأشار لهم.
— اطلعوا.
دخلوا.
كانوا عشرة رجال قاعدين حوالين برميل نار في وسط قاعة كبيرة.
أسلحة مرمية جنبهم.
وبعضهم كان بيشرب وبيتكلم بصوت عالي.
أول ما شافوا الأختين، الكلام كله سكت.
راجل ضخم كان قاعد في النص قام ببطء.
كان اسمه زكريا الجزار، واحد من أخطر المساجين الهاربين.
ابتسم وهو بيبص لهم.
— يا خبر!
ضحك.
— هو إحنا حظنا حلو كده؟
واحد من الرجالة قال:
— شكلهم ضايعين فعلًا.
زكريا قرب منهم.
— اتنين ستات يمشوا لوحدهم في الوقت ده وتدخلوا هنا برجليكم؟
منى فضلت باصة للأرض، لكن عينيها كانت بتتحرك بسرعة.
واحد… اتنين… تلاتة…
كانت بتعد الأسلحة.
باب على اليمين.
شباك مكسور في الخلف.
سلم يؤدي للدور اللي فوق.
وتلاتة رجالة واقفين قريب منهم.
سلمى كانت بتعمل نفس الحاجة.
لكن واحد من الموجودين لفت نظرها.
كان راجل نحيف، لابس نضارة مكسورة، وهادئ بشكل غريب.
ما كانش بيتفرج عليهم زي الباقيين.
كان بيراقبهم.
كأنه عارف إن في حاجة مش طبيعية.
أما الراجل التاني، فكان اسمه رجب الديب.
ضخم الجسم، قليل الكلام، وعينيه ما فارقتش الأختين لحظة.
وفجأة، ابتسامة زكريا اختفت.
قال:
— بس عندنا مشكلة صغيرة.
منى رفعت عينيها.
زكريا قرب خطوة.
— إنتوا شفتوا وشوشنا.
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— وإحنا مش محتاجين شهود.
تلاتة من الرجال وقفوا في نفس اللحظة.
منى بصت لأختها.
سلمى بصت لها.
ما اتكلموش.
لكن في ثانية واحدة، كانت كل واحدة فيهم فهمت رسالة التانية.
سلمى قربت إيدها من جنبها.
منى أخدت نفس طويل.
زكريا ابتسم.
— كنت فاكر إنكم اتنين ستات غلبانين دخلوا علينا بالغلط.
وبعدين أشار لواحد من رجاله.
— خدهم على—
قبل ما يكمل جملته، منى مدت إيدها بسرعة تحت الجاكت.
وسحبت المسدس اللي كانت مخبياه.
صوت سحب السلاح قطع سكون المكان.
كل العيون اتجهت ناحيتها.
منى ما صرختش.
ما انهارتش.
بصت لأختها بس.
وسلمى قالت بهدوء:
— دلوقتي.
وفي اللحظة اللي رجالة العصابة فهموا إن الستين اللي قدامهم مش ضحايا…
كان الوقت فات.
سبع دقايق بس كانت كفاية علشان نفس الرجال اللي كانوا بيضحكوا من شوية يتحولوا لرجالة مرعوبين، بيتوسلوا علشان يعيشوا.
لكنهم ما كانوش يعرفوا إن اللي حصل جوه المستشفى ما كانش مجرد كمين للشرطة.
كان فيه شخص تاني، أخطر منهم كلهم، هو اللي أصدر الأمر بقتل الأختين.
والأخطر من كده…
إن الشخص ده كان موجود في مكان قريب جدًا منهم، وكان بيتابع كل حاجة بتحصل من خلال جهاز لاسلكي.
حكايات شروق خالد
صوت أنفاس الرجالة بقى أعلى من صوت المطر اللي كان بيخبط على الشبابيك المكسورة.
منى كانت واقفة، المسدس في إيدها، وعينيها ثابتة على زكريا.
سلمى كانت وراها بخطوتين، ماسكة سلاحها هي كمان.
زكريا رفع إيده ببطء.
— بالراحة يا حضرة الضابطة.
الكلمة نزلت على المكان زي الصاعقة.
واحد من الرجالة بص للتاني.
— ضابطة؟!
منى ابتسمت ابتسامة باردة.
— أخيرًا فهمتوا.
رجب الديب كان لسه واقف مكانه، لكن عينيه اتحركت ناحية الباب.
سلمى لاحظت.
— متتحركش.
رجب وقف.
— أنا مش هتحرك.
— إيديك فوق راسك.
نفذ من غير جدال.
منى قالت:
— كل واحد يرمي سلاحه قدامه.
واحد من الرجال تردد.
منى وجهت المسدس ناحيته.
— قلت سلاحك.
رمى البندقية.
واحد ورا التاني بدأوا يرموا أسلحتهم على الأرض.
بعد أقل من دقيقة، بقى كل اللي في المكان إيديهم فوق راسهم.
لكن سلمى ما كانتش مطمنة.
بصت للراجل اللي لابس النضارة المكسورة.
كان الوحيد اللي ما بانش عليه الخوف.
قالت:
— إنت.
رفع عينيه.
— أنا؟
— اسمك إيه؟
سكت.
زكريا قال:
— ده اسمه عادل فوزي.
سلمى بصت له.
— وإنت عرفت اسمه؟
زكريا ضحك ضحكة قصيرة.
— لأنه مش واحد مننا.
منى قربت منه.
— يعني إيه مش واحد منكم؟
عادل فضل ساكت.
سلمى قربت أكتر.
— اتكلم.
عادل قال:
— أنا كنت محاسب في شركة مقاولات.
— وبتعمل إيه وسط عشرة مساجين هاربين؟
ما ردش.
زكريا قال:
— هو اللي كان بيدبر كل حاجة.
منى اتفاجئت.
— بيدبر إيه؟
زكريا بص لعادل بغضب.
— هو اللي عرفنا مكان العربيات، وهو اللي عرفنا مواعيد الحراسة، وهو اللي قال لنا نستخبى هنا.
سلمى بصت لعادل.
— مين اللي شغلك؟
عادل ابتسم لأول مرة.
— لو قلت لكم، مش هتخرجوا من هنا.
منى ردت:
— إنت مش في وضع يخليك تهدد حد.
عادل هز راسه.
— أنا مش بهددكم.
وسكت.
— أنا بحذركم.
في نفس اللحظة، صوت طلقة دوى من بعيد.
الطلقة دخلت من الشباك وضربت البرميل.
النار اتناثرت.
الكل انخفض على الأرض.
سلمى صرخت:
— الكل على الأرض!
طلقة تانية.
وبعدين تالتة.
منى بصت ناحية الشباك.
— قناصة!
سلمى سحبت زكريا بعيد عن الشباك.
— مين اللي بيضرب علينا؟
عادل قال بهدوء:
— الناس اللي جايين يخلصوا الشغل.
منى بصت له.
— شغل مين؟
عادل ضحك.
— نفس الشخص اللي بعتكم هنا.
سلمى تجمدت.
— العميد حمدي؟
عادل ما ردش.
لكن صمته كان كفاية.
منى حسّت إن كل حاجة بدأت تركب في دماغها.
الأمر.
المهمة.
فريق الدعم اللي على بعد مية متر.
الأختين اللي اتبعتوا لوحدهم.
والمعلومات اللي وصلت للمساجين.
كل ده كان مترتب.
سلمى قالت:
— هو عايز يقتلنا إحنا والمساجين في نفس الوقت.
عادل قال:
— بالضبط.
زكريا بص للأختين.
— يعني إنتوا كمان مطلوب دمكم؟
منى ردت:
— شكلنا كده.
رجب الديب قال فجأة:
— في ممر خلفي.
الكل بص له.
سلمى قالت:
— فين؟
— ورا المخزن القديم. بس الباب مقفول.
زكريا ضحك.
— والمفتاح معايا.
منى بصت له.
— طلعه.
زكريا أخرج مفتاح صغير من جيبه.
لكن قبل ما يسلمه، سمعوا صوت عربيات بتقف قدام المستشفى.
صوت أبواب بتتفتح.
وبعدين أصوات رجال.
— الشرطة! محدش يتحرك!
منى بصت لسلمى.
— فريق النقيب شريف وصل.
سلمى ما ردتش.
كانت بتفكر.
لأن لو فريق شريف وصل فعلًا، ليه القناصة لسه بيضربوا؟
وليه ما فيش أمر واضح بوقف النار؟
قربت من النافذة وبصت بحذر.
شافت عربيتين شرطة.
لكن مفيش أي حد لابس الزي اللي كانت عارفاه.
الرجالة اللي نزلوا كانوا مسلحين بالكامل.
والأخطر…
إن واحد منهم كان لابس بدلة مدنية.
منى همست:
— دول مش فريق شريف.
سلمى قالت:
— عارفة.
فجأة، جهاز اللاسلكي تحت جاكت سلمى اشتغل.
صوت النقيب شريف جاء مشوشًا:
— سلمى… متصدقوش أي حد بره… إحنا محاصرين من الناحية الشرقية… في خيانة داخل القوة…
سكت الصوت.
وبعدين رجع:
— متخرجوش… مهما حصل.
سلمى بصت لأختها.
— إحنا لو خرجنا هنموت.
منى شدّت قبضتها على السلاح.
— ولو فضلنا هنا، هنموت برضه.
رجب الديب قال:
— يبقى نعمل حاجة محدش متوقعها.
منى بصت له.
— وإيه هي؟
ابتسم.
— نهرب من تحت الأرض.
زكريا فتح عينيه.
— إنت عارف إن النفق لسه موجود؟
رجب رد:
— عارف.
سلمى قربت منه.
— وإنت عرفت منين؟
رجب سكت لحظات.
وبعدين قال:
— لأني كنت شغال هنا زمان.
منى سألت:
— شغال إيه؟
بص لهم.
— حارس.
سلمى فهمت فجأة.
المستشفى المهجور لم يكن مجرد مبنى قديم.
كان تحته نفق قديم متصل بمخازن المصنع.
نفق محدش من الشرطة كان يعرف عنه حاجة.
إلا شخص واحد.
العميد حمدي الشناوي.
لأن حمدي كان هو اللي أمر بإغلاقه من سنين.
سلمى قالت:
— افتح الباب.
زكريا جرى ناحية المخزن.
وفي نفس اللحظة، بدأت أصوات الرجال تقترب من السلم.
— اطلعوا! المبنى كله متحاصر!
منى وقفت عند السلم، وسلاحها موجه ناحية الباب.
سلمى قالت:
— منى!
— روحي.
— مش هسيبك.
منى ابتسمت.
— أنا أختك الكبيرة، ولازم أسمع كلامي مرة واحدة في حياتك.
سلمى مسكت إيدها.
— ولا مرة.
صوت خطوات الرجال قرب.
ثم طلقة اخترقت الباب.
منى ردت بإطلاق النار ناحية السقف، فاضطر الرجال يتراجعوا.
وفي اللحظة دي، صرخ زكريا:
— الباب اتفتح!
سلمى جرت ناحية النفق.
لكن قبل ما تنزل، سمعت صوتًا مألوفًا من فوق.
— سلمى!
وقفت.
كان صوت العميد حمدي.
جاي من السماعة اللي في جهاز اللاسلكي.
— عارفة إنك سامعاني.
سلمى رفعت الجهاز.
— إنت اللي عملت كل ده؟
ضحك.
— إنتِ وأختك كان لازم تموتوا من أول ساعة.
منى قربت من السماعة.
— ليه؟
سكت حمدي لحظة.
ثم قال:
— لأنكم شفتوا حاجة ما كانش لازم تشوفوها.
سلمى سألت:
— إيه؟
صوته اتغير.
— أخوكي المريض… مش مريض زي ما إنتِ فاكرة.
سلمى تجمدت.
— إنت بتتكلم عن إيه؟
— اسألي نفسك مين بيدفع مصاريف علاجه من سنة.
وشّ سلمى شحب.
— إنت كذاب.
— بعد ما تخرجي من المستشفى، لو خرجتي، هتعرفي الحقيقة.
وقبل ما يقفل، قال:
— وافتكري… أنا مش أخطر شخص في الموضوع.
انقطع الاتصال.
سلمى فضلت واقفة للحظة.
منى مسكت كتفها.
— سلمى…
لكن سلمى بصت لها بعينين مليانين صدمة.
— هو قال إن أخويا…
وفجأة سمعوا صوت انفجار ضخم فوقهم.
اهتزت الأرض تحت رجليهم.
صرخ زكريا:
— انزلوا! المبنى بيتفجر!
بدأت أجزاء من السقف تقع.
الأختين نزلوا النفق، وخلفهم زكريا ورجب وعادل.
وبينما باب النفق بيتقفل فوق رؤوسهم…
كان شخص آخر واقف في الدور الثالث، بيتابع انهيار المبنى من بعيد.
رفع جهاز اللاسلكي وقال:
— العميد حمدي فشل.
جاءه صوت من الطرف الآخر:
— يبقى نفذ الخطة التانية.
الرجل ابتسم.
— والخطة التانية؟
جاء الرد ببرود:
— خليهم يوصلوا للنهاية… وبعدها اقتلهم كلهم.
لكن اللي محدش كان يعرفه وقتها…
إن واحدة من الأختين كانت قد سجلت آخر مكالمة كاملة.
والتسجيل كان فيه اسم الشخص الحقيقي اللي أصدر أمر قتلهم.
حكايات شروق خالد
الظلمة جوه النفق كانت تقيلة، لدرجة إن سلمى ما كانتش شايفة إيدها قدام وشها.
المطر اللي فوقهم اختفى صوته تدريجيًا، لكن بدل ما يسمعوا صوت المطر، بدأوا يسمعوا صوت انهيارات وحجارة بتقع فوق المستشفى.
منى كانت ماسكة الكشاف الصغير اللي في إيدها.
— كله معايا؟
زكريا رد:
— أيوه.
رجب قال:
— أنا هنا.
عادل ما اتكلمش.
سلمى لفت له.
— وإنت؟
— موجود.
منى قربت منه.
— لو حاولت تعمل أي حركة غدر، هتكون أول واحد يقع.
عادل ابتسم.
— لو كنت عايز أقتلكم، كنت سيبتكم فوق.
زكريا قال:
— مش شرط. يمكن عايزنا نوصل لمكان معين.
عادل بص له.
— إنت أذكى مما شكلك.
زكريا ضحك.
— وأنا كنت فاكر إنك محاسب.
بدأوا يمشوا في النفق.
الأرض كانت مبلولة، والحيطان مليانة مواسير قديمة وأسلاك مقطوعة.
بعد حوالي خمس دقايق، وصلوا لباب حديد.
رجب طلع مفتاح من جيبه.
سلمى بصت له باستغراب.
— قلت إن المفتاح مع زكريا.
رجب رد:
— ده مفتاح تاني.
فتح الباب.
ورا الباب كان فيه ممر طويل جدًا.
منى قالت:
— النفق ده بيوصل لفين؟
رجب:
— للمخازن القديمة.
سلمى:
— مخازن إيه؟
رجب سكت.
زكريا رد بدلًا منه:
— مخازن المصنع.
سلمى بصت له.
— المصنع؟
زكريا هز راسه.
— أيوه.
عادل فجأة وقف.
— يبقى إحنا رايحين للمكان الصح.
منى بصت له.
— إنت تعرف إيه عن المخازن؟
عادل ما ردش.
سلمى قربت منه.
— اتكلم.
قال بهدوء:
— المكان اللي تحت المصنع كان زمان بيستخدم لتخزين مواد ممنوعة.
زكريا قال:
— ممنوعة إزاي؟
عادل رد:
— تهريب سلاح وفلوس.
سلمى شهقت.
— والشرطة كانت عارفة؟
عادل ابتسم.
— مش الشرطة كلها.
وبعدين بص لها مباشرة.
— العميد حمدي كان واحد من الناس اللي بيحموا المكان.
سلمى حسّت إن الصورة بدأت تكتمل.
قالت:
— عشان كده كان عايز يقتلنا.
عادل هز راسه.
— مش عشان شفتوا المساجين.
— أمال عشان إيه؟
— لأنك يا سلمى كنتِ بتسألي كتير عن قضية أخوكي.
سلمى اتجمدت.
— قضية أخويا؟
— أيوه.
منى بصت لأختها.
— إنتِ مخبية عني حاجة؟
سلمى ردت بسرعة:
— لا.
عادل قال:
— أخوكي ما دخلش المستشفى بالصدفة.
سلمى قربت منه.
— متتكلمش عن أخويا.
— كان شاهد على عملية تهريب كبيرة.
سلمى هزت راسها.
— مستحيل.
— واتصاب بعدها.
سلمى سكتت.
— مين قال لك الكلام ده؟
عادل أخرج ورقة صغيرة من جيبه.
— هو بنفسه.
مدها لها.
سلمى فتحت الورقة.
كانت مكتوبة بخط أخوها.




