
«يعني إن أحمد مش ابن الراجل اللي مكتوب اسمه في شهادة الميلاد.»
ساد الصمت.
حتى الحاجة نوال، التي كانت مقيدة بالقرب من الباب، توقفت عن الصراخ.
نظر ياسين إليها.
«وعشان كده كانت عايزة تسكتك.»
صرخت نوال:
«كفاية! إنت ما عندكش حق!»
لكن ياسين لم يلتفت إليها.
قال لملك:
«إنتِ لما اكتشفتي رسائل أحمد وداليا، ما كنتيش اكتشفتي الخيانة بس.»
وضع ورقة أمامها.
«إنتِ اكتشفتي تحويلات مالية قديمة من حسابات شركة أحمد لحساب باسم حسن السيوفي.»
حدقت ملك في الورقة.
ثم تذكرت شيئًا.
قبل الحادث بيوم، كان أحمد قد أغلق اللابتوب بسرعة عندما دخلت عليه.
وقتها ظنت أنه يخفي خيانته.
لكن الحقيقة كانت أكبر بكثير.
قال ياسين:
«أحمد كان بيدور على أبوه الحقيقي من فترة. ولما وصل له، اكتشف إن الراجل عايش في الصعيد.»
رفعت ملك عينيها إليه.
«وإيه علاقة أمه؟»
«الحاجة نوال كانت خايفة إن الحقيقة تظهر.»
ضحكت نوال فجأة، ضحكة عصبية مليئة بالغضب.
«أنت فاكر إنك فاهم كل حاجة؟»
اقترب منها ياسين.
«لأ. عشان كده إحنا لسه بنحقق.»
ثم أشار لأحد الضباط.
«هات أحمد.»
بعد دقائق، فُتح باب الغرفة.
دخل أحمد مكبل اليدين.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه تتحركان بين أمه وملك.
اقترب من السرير.
«ملك…»
صرخت فيه:
«ما تقربليش!»
تراجع خطوة.
«أنا ما كنتش عايز ده يحصل.»
قالت ملك:
«إنت كنت عايز إيه؟»
لم يرد.
«كنت عايز تطلقني؟ كنت عايز تتجوز داليا؟ ولا كنت عايز أختفي عشان سر أمك ما يطلعش؟»
أغمض أحمد عينيه.
«أمي قالتلي إنك لو عرفتي الحقيقة هتدمري حياتنا.»
ضحكت ملك بألم.
«حياتكم؟ دي كانت حياتي أنا كمان.»
رفع أحمد رأسه.
«أنا ما دفعتكيش.»
تدخل ياسين فورًا:
«بس كنت موجود.»
سكت أحمد.
«وكنت عارف إن أمك هتروح لك بعد ما اكتشفتِ الرسائل.»
ظل صامتًا.
قال ياسين:
«والكاميرا اللي في البيت سجلت كل حاجة.»
شهقت ملك.
«الكاميرا؟»
أومأ ياسين.
«كانت كاميرا قديمة في الشرفة. محدش كان عارف إنها لسه شغالة.»
نظر أحمد إلى أمه.
ولأول مرة، ظهر الخوف الحقيقي على وجه الحاجة نوال.
قالت:
«أحمد… ما تسمعش كلامهم.»
لكن أحمد لم ينظر إليها.
قال بصوت منخفض:
«أنا شفت التسجيل.»
ساد الصمت.
ثم تابع:
«شوفت أمي وهي بتدفع ملك.»
شهقت ملك.
لم تكن تتوقع أن يسمعها منه.
أكمل أحمد:
«ولما وقعت… أمي قالتلي إن لو اتصلت بالشرطة، هتقول إني أنا اللي عملت كده.»
حدقت ملك فيه غير مصدقة.
«وسكت؟»
خفض رأسه.
«أيوه.»
قالت وهي تكافح دموعها:
«يبقى إنت مش بريء.»
اقترب ياسين من أحمد.
«إنت مش متهم بالاعتداء بس. إنت متهم بالتستر والتلاعب بالأدلة.»
رفع أحمد يديه المقيدتين.
«أنا مستعد أقول كل حاجة.»
صرخت نوال:
«خاين!»
نظر إليها أحمد طويلًا.
ثم قال:
«لا يا أمي… أنا خفت منك طول عمري.»
خرج الضباط بأحمد ونوال.
وبقيت ملك وحدها مع ياسين.
قالت بصوت ضعيف:
«يعني خلاص؟»
ابتسم ياسين للمرة الأولى.
«لسه.»
نظرت إليه باستغراب.
أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
«في حد تاني لازم تعرفيه.»
فتح الظرف وأخرج ورقة.
كانت نتيجة تحليل DNA.
قرأتها ملك، ثم رفعت عينيها إليه.
قال ياسين:
«الراجل اللي في الصورة… هو فعلًا والد أحمد.»
سكت لحظة.
ثم أضاف:
«لكن التحليل كشف حاجة أخطر.»
ارتجفت يد ملك.
«إيه؟»
نظر إليها مباشرة.
«حسن السيوفي مش بس والد أحمد… هو كمان كان يعرف والدك.»
توقفت أنفاسها.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف ياسين.
نظر إلى الشاشة، وتغير وجهه.
«مين؟»
لم يجب.
ثم قال:
«ملك… والدك مش مات زي ما عيلتك قالت لك.»
رفعت رأسها بسرعة.
«إيه؟»
قال ياسين:
«والدك عايش… وطلب يقابلك النهارده.»
حكايات شروق خالد
لم تستوعب ملك الكلام.
فضلت تبص لياسين كأنها مستنية منه يقول إنه كان بيهزر.
«بابا… عايش؟»
هز ياسين رأسه.
«أيوه.»
«بس أنا حضرت جنازته وأنا عندي عشر سنين.»
«عارف.»
«وأمي قالت إنه مات في حادثة على طريق السويس.»
«وده اللي مكتوب في الأوراق.»
سكت لحظة، ثم قال:
«لكن الحقيقة مختلفة.»
حاولت ملك تتحرك، فصرخت من الألم.
«أنا لازم أشوفه.»
«مش دلوقتي. جسمك لسه مصاب.»
«ياسين، ده أبويا! أنا استنيت اللحظة دي أكتر من عشرين سنة.»
نظر إليها بحزن.
«عشان كده هو اللي هييجي لك.»
بعد حوالي ساعتين، دخل رجل مسن إلى الغرفة.
كان يمشي ببطء، مستندًا إلى عصا.
توقفت ملك عن التنفس.
رغم الشعر الأبيض والتجاعيد التي ملأت وجهه، عرفته.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
نفس الندبة الصغيرة فوق حاجبه.
همست:
«بابا؟»
توقّف الرجل مكانه.
امتلأت عيناه بالدموع.
«ملك.»
انهارت دموعها فورًا.
«إنت عايش؟»
اقترب منها، لكنه لم يلمسها خوفًا من إصابتها.
«أنا آسف.»
صرخت:
«ليه؟ ليه سبتني؟»
خفض رأسه.
«ما سبتكيش بإرادتي.»
جلس بجوارها وبدأ يحكي.
قبل عشرين سنة، كان والدها يعمل محاسبًا في شركة عقارات يملكها رجل يدعى حسن السيوفي.
اكتشف وقتها اختلاسات ضخمة وتحويلات مالية غير قانونية.
وحين حاول فضحهم، تلقى تهديدًا مباشرًا.
وفي الليلة التي قيل فيها إنه مات، تم اختطافه وإجباره على ترك القاهرة.
«كنت فاكر إني لو اختفيت، هيبقى أسهل عليهم يسيبوكي.»
بكت ملك.




