منوعات

حماتها حاولت وهي عاجزة داخل الجبيرة حكايات شروق خالد

كانت حماتها تضغط وسادة على وجهها بينما كانت ممددة، عاجزة عن الحركة داخل جبيرة تغطي  بالكامل، وتهمس لها بأنها كان يجب أن  في «الحادث».

كانت تعتقد أنها لا تستطيع الحركة، ولا الدفاع عن نفسها، ولا تملك أي دليل يثبت ما يحدث.

لكنها لم تكن تعرف أن ملك قضت الـ48 ساعة الماضية تنتظر منها أن تنطق بهذه الكلمات تحديدًا.

ظلت ملك عبد الرحمن ساكنة تمامًا داخل الدعامة الطبية الصلبة، بينما زادت الحاجة نوال الضغط بالوسادة.

همست لها:

«ابني يستحق فرصة يبدأ فيها حياته من جديد من غيرك.»

لم تستطع ملك الجلوس أو الالتفاف أو رفع ذراعيها. كانت قد أصيبت بسبع فقرات في العمود الفقري، وعدة كسور في الضلوع، وكسر في عظمة الترقوة، وكانت ساقاها مثبتتين بدعامات.

بالنسبة لأي شخص يدخل تلك الغرفة الخاصة في أحد مستشفيات القاهرة، كانت ملك امرأة عاجزة تمامًا عن الدفاع عن نفسها.

والحاجة نوال كانت تصدق ذلك أيضًا.

ولهذا استمرت في الضغط.

أغمضت ملك عينيها وبدأت تعد في عقلها.

واحد.

اثنان.

ثلاثة.

قبل 72 ساعة فقط، كان الأطباء وأفراد العائلة وضباط الشرطة جميعًا يقولون إنها محظوظة لأنها نجت.

ذكر التقرير الأولي أن ملك سقطت من شرفة الطابق الثاني في منزلها بمدينة السادس من أكتوبر أثناء مشاجرة مع زوجها أحمد السيوفي.

قال أحمد إنها كانت مجرد حادثة.

أما والدته، الحاجة نوال، فوصفتها بأنها مأساة.

وكانت الشرطة على وشك إغلاق القضية قبل أن تستعيد ملك وعيها، لكنها كانت تتذكر يدًا دفعتها من الخلف، ثم حاجز الشرفة، وبعدها الفراغ.

وكانت تتذكر أيضًا شيئًا حدث قبل السقوط بدقائق.

كانت قد اكتشفت رسائل مريبة بين أحمد وامرأة تُدعى داليا.

لم يمضِ على زواج ملك وأحمد سوى 18 شهرًا.

أمام الأصدقاء وشركاء العمل، كان أحمد يبدو زوجًا مثاليًا؛ مدير مبيعات في شركة عقارات، مهذبًا، لطيفًا، ودائمًا ما يتباهى بحبه الشديد لزوجته.

لكن في المنزل، لم يكن أي قرار مهم يُتخذ قبل أن يستشير والدته.

كانت الحاجة نوال تكره ملك منذ فترة الخطوبة.

قالت لها ذات مرة:

«الستات اللي زيك دايمًا يدوروا على راجل مقتدر، وبعدها يقولوا إنهم اتجوزوه عن حب.»

وكان أحمد يرد عليها دائمًا بنفس الطريقة:

«إنتِ عارفة أمي عاملة إزاي. ما تكبريش الموضوع وتعملي مشكلة من ولا حاجة.»

كان المفتاح الذي تحتفظ به الحاجة نوال للمنزل صغيرًا.

وبدا الأمر بسيطًا أيضًا عندما كانت تغيّر الزهور التي تزرعها ملك، وتقرر أين سيقضيان العيد، وتنتقد ملابسها، بل وتحدد متى يجب أن ينجبا الأطفال.

إلى أن جاءت تلك الليلة.

أخرجت ملك هاتفها وأرت أحمد الرسائل التي أرسلتها داليا.

ابتسم أحمد بتوتر.

وفي تلك اللحظة، سمعا صوت باب المنزل وهو يُفتح.

كانت الحاجة نوال تملك مفتاحًا.

تعالت الصرخات.

تحطم كوب زجاجي.

اتجهت ملك نحو الشرفة وهي تلهث بحثًا عن الهواء.

ثم شعرت بدفعة قوية من الخلف.

وعندما استيقظت في المستشفى، كانت بالكاد تستطيع الكلام.

وبدأت الحاجة نوال تزورها كل يوم بعد الظهر.

كانت تصلي أمام الممرضات، وتبدو وكأنها حماتها المكلومة التي لا تريد سوى الاطمئنان على زوجة ابنها.

لكن عندما تكونان وحدهما، كان صوتها يتغير تمامًا.

قالت لها:

«إنتِ كنتِ أصعب بكتير مما توقعت عشان أخرجك من العيلة دي.»

قالت ملك للمقدم ياسين كمال كل ما تتذكره.

لم يسخر منها.

ولم يعدها بأنه سيصدقها.

سألها سؤالًا واحدًا فقط:

«تفتكري الست دي ممكن ترجع وتحاول تكمّل اللي بدأته؟»

أجابته:

«أيوه.»

وخلال الـ48 ساعة التالية، جهزوا خطة بسيطة.

ثبتوا تحت يدها اليمنى زرًا صغيرًا صامتًا، متصلًا بهاتف ياسين وبضابطين موجودين في غرفة قريبة.

والآن كانت الحاجة نوال في المكان الذي توقعت ملك أن تكون فيه بالضبط.

ستة.

سبعة.

ثمانية.

ازداد ضغط الوسادة.

تسعة.

عشرة.

حركت ملك إبهامها بالكاد.

وفجأة، انفجر باب الغرفة.

صرخ أحد الضباط:

«شرطة! سيبي الوسادة فورًا!»

تجمدت الحاجة نوال في مكانها.

دخل ضابطان بسرعة، انتزع أحدهما الوسادة، بينما أمسك الآخر بالحاجة نوال وقيد يديها.

بدأت تصرخ بجنون:

«دي خدعة! الست دي مجنونة!»

شهقت ملك بصعوبة.

ولأول مرة منذ سقوطها، شعرت أن هذا الكابوس ربما انتهى أخيرًا.

لكن ياسين دخل الغرفة دون أن يبدو عليه أي احتفال.

كان يحمل ملفًا أصفر قديمًا.

اقترب من ملك ووضع الملف على السرير، أمام عينيها مباشرة.

وقال:

«ملك، قبل ما تسألي عن أحمد، في حاجة لازم تعرفيها.»

ثم فتح الملف.

كانت هناك صورة قديمة.

صورة.

حكايات شروق خالد

كانت الصورة بالأبيض والأسود، قديمة ومهترئة من الأطراف.

حدقت ملك فيها لثوانٍ، ثم اتسعت عيناها فجأة.

كانت الصورة لرجل يقف أمام منزل قديم، وبجواره الحاجة نوال وهي أصغر سنًا بكثير.

لكن الرجل لم يكن أحمد.

ولم يكن أحدًا تعرفه ملك.

قالت بصوت متقطع:

«مين ده؟»

رد ياسين بهدوء:

«ده والد أحمد.»

تجمدت ملامحها.

«بس… أنا شفت صور والد أحمد قبل كده. ده مش هو.»

هز ياسين رأسه.

«عارف.»

قلب الصفحة التالية.

كانت هناك صورة أخرى، وهذه المرة ظهر فيها الرجل نفسه وهو يحمل طفلًا صغيرًا.

والطفل كان أحمد.

قال ياسين:

«الراجل ده اسمه حسن السيوفي. كان متجوز نوال قبل ما تتجوز أبو أحمد اللي إنتِ تعرفيه.»

شعرت ملك ببرودة تسري في جسدها.

«يعني إيه؟»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى