عام

الـ12 مليون دولار وسرّ عيلة المنصوري» حكايات شروق خالد

باك.

ملامحه اتغيرت.

“اتأخرنا.”

محمود سأله:

“مين؟”

فؤاد قال:

“رجالة سالم.”

محمود رفع حاجبه.

“رجالة أبويا؟”

“أيوه.”

ثم نظر لي.

“والمرة دي مش جايين عشان يحموا أبوك.”

“جايين عشان يحموا السر.”

في اللحظة نفسها، النور انطفى.

وصوت خطوات بدأ يطلع على السلم.

خطوة…

خطوة…

خطوة…

محمود مسك إيدي.

وقال:

“نادين، من دلوقتي هتسمعي كلامي.”

بصيت له.

“ليه؟”

قال:

“لأن لو فؤاد صادق…”

وسكت.

“يبقى أنا وإنتِ مش بس مرتبطين بسر واحد.”

شد إيدي.

“إحنا الاتنين أكبر تهديد في حياة أبويا.”

ومن بره الشقة، صوت رجل صاح:

“محمود المنصوري!”

ثم أضاف:

“سلّم البنت.”

محمود بص لي.

وابتسم ابتسامة باردة.

وقال:

“واضح إنهم لسه ما يعرفوش إن البنت دي بقت تحت حمايتي.”

فؤاد رد بسرعة:

“لأ يا محمود.”

محمود بص له.

فؤاد قال:

“إنت مش فاهم.”

“إيه؟”

فؤاد أشار للورقة الموجودة على السرير.

“الرسالة مش بتقول إنهم عايزين نادين.”

سكت.

ثم قال:

“الرسالة بتقول إن نادين هي مفتاح الخزنة.”

محمود بص للصندوق.

وبعدين لي.

“أي خزنة؟”

فؤاد قال:

“الخزنة اللي فيها 12 مليون دولار اللي كانوا على ترابيزة العشا الليلة.”

اتسعت عيني.

“إيه علاقة الفلوس بيا؟”

فؤاد ابتسم.

“الـ12 مليون مش ثمن صفقة.”

“دي كانت طُعم.”

محمود قال:

“طُعم لمين؟”

فؤاد رد:

“ليكم.”

وفي اللحظة نفسها، باب الشقة اتخلع من مكانه.

دخل أربعة رجال.

ومحمود دفعني خلفه.

لكن واحد منهم رفع سلاحه نحونا.

وقال:

“الحاج سالم بعت يقول…”

وسكت لما شاف فؤاد.

ثم قال:

“السر اتكشف.”

فؤاد بص لي.

وقال بهدوء:

“أيوه.”

“اتكشف.”

ثم أشار إلى محمود.

“وابنه عرف.”

وأشار إليّ.

“وبنته عرفت.”

ولأول مرة، سمعت محمود يقول كلمة واحدة بصوت جعلت كل الموجودين يتجمدوا:

“اقفلوا الباب.”

ثم رفع سلاحه.

“محدش هيخرج من هنا… قبل ما أعرف مين اللي خان أبويا.”

حكايات شروق خالد

ما إن قال محمود: «محدش هيخرج من هنا… قبل ما أعرف مين اللي خان أبويا»، حتى عمّ الصمت الشقة.

الرجال الأربعة رفعوا أسلحتهم، لكن محمود كان أسرع.

صرخ:

«حطوا السلاح على الأرض!»

ولا واحد اتحرك.

فؤاد قال بهدوء:

«اسمعوه. اللي هيضرب دلوقتي هيموت قبل ما يفهم هو بيضرب مين.»

واحد من الرجال ضحك باستهانة.

«إنت فاكر إنك لسه ليك كلمة يا فؤاد؟»

فؤاد ابتسم.

«أنا مش محتاج كلمة. أنا محتاج دقيقة واحدة بس.»

محمود بص له.

«اتكلم.»

فؤاد أشار للصندوق.

«افتحي الصندوق يا نادين.»

بصيت لمحمود.

هز راسه.

فتحت الصندوق مرة تانية، ورفعت المفتاح النحاسي.

فؤاد قال:

«المفتاح ده مش للخزنة.»

اتصدمت.

«أمال لإيه؟»

«لدرج صغير موجود في مكتب الحاج سالم.»

محمود بص له بحدة.

«إنت عرفت منين؟»

«لأني أنا اللي حطيته هناك.»

الرجالة الأربعة بدأوا يتبادلوا النظرات.

محمود فهم فورًا.

«يعني كل اللي حصل الليلة دي كان مترتب؟»

فؤاد قال:

«من تلاتين سنة.»

ثم بص لي.

«جدتك كانت عارفة إن سالم هيحاول يمحي كل أثر للحقيقة. عشان كده قسمت السر لثلاث أجزاء.»

«إيه الأجزاء؟»

«المفتاح عندها.»

«والدليل عند أبوكي.»

«والحقيقة… عند سالم.»

محمود سكت.

ثم قال:

«يبقى نروح له.»

واحد من الرجال اندفع ناحية الباب.

محمود رفع سلاحه.

«مكانك.»

الرجل وقف.

محمود بص للجميع.

«إنتوا مش فاهمين حاجة.»

وبص لي.

«الحقيقة مش هتفضل مستخبية تاني.»

بعد أقل من ساعة، كنا واقفين قدام القصر.

الحاج سالم كان مستنينا.

قاعد في الصالة الكبيرة، وعصاه بجانبه.

لما شافني، أغمض عينيه.

وقال:

«كنت عارف إن اليوم ده هييجي.»

محمود دخل قبلي.

«ليه كذبت عليا؟»

سالم ما ردش.

«ليه خليتني أصدق إن حازم هو اللي مات وهو بيحاول يحمينا؟»

سالم رفع عينيه.

«لأن الحقيقة كانت هتقتلك.»

محمود ضحك بمرارة.

«وأنا كنت عايش؟»

سكت.

محمود أشار لي.

«هي كمان بنتك؟»

الحاج سالم بص لي.

وفي عينيه ظهر شيء يشبه الندم.

«أيوه.»

أنا ما قدرتش أتكلم.

سألته:

«وأبويا؟»

قال:

«حازم كان أكتر راجل ندمت إني خسرته.»

«إنت قتلته؟»

هز راسه.

«لأ.»

سكت طويلًا.

«لكن أنا السبب.»

محمود قال:

«مين قتله؟»

الحاج سالم أغمض عينيه.

«أخويا.»

فؤاد قال:

«قول اسمه.»

سالم فتح عينه.

«رؤوف.»

محمود اتجمد.

«عمي؟»

«أيوه.»

«بس عمي مات من عشرين سنة.»

فؤاد رد:

«موته كان كذبة تانية.»

وفجأة سمعنا صوت خطوات من الممر.

رجل مسن ظهر من الظلام.

الشعر الأبيض.

الوجه القاسي.

والابتسامة الباردة.

الحاج سالم وقف.

«رؤوف.»

رؤوف قال:

«حازم اكتشف إن سالم مش أب محمود الوحيد.»

سالم صرخ:

«كفاية!»

رؤوف ضحك.

«لأ. لازم تعرف.»

بص لمحمود.

«أبوك الحقيقي كان سالم… لكن أمك كانت حياة.»

محمود اتجمد.

«حياة؟»

هز رأسه.

«أيوه.»

ثم بص لي.

«وده معناه إنك مش أخته من الأب والأم.»

توقفت أنفاسي.

«يعني إيه؟»

قال:

«أنتِ بنت سالم من امرأة أخرى.»

ثم ابتسم.

«لكن محمود ابن حياة.»

سقط الصمت.

أنا ومحمود بصينا لبعض.

لم نكن إخوة.

ولا حتى من نفس الأم.

الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

الحاج سالم قال بصوت مكسور:

«حياة كانت بتحب حازم.»

رؤوف قال:

«وحازم كان عارف إن سالم هيقتلها لو عرف إنها حامل.»

«عشان كده حازم أخد محمود ورباه بعيد.»

«وأنتِ يا نادين… اتخبّيتي عند أمك وجدتك.»

بصيت للحاج سالم.

«ليه؟»

قال:

«لأن رؤوف كان عايز يقتل كل طفل ممكن يرث الإمبراطورية.»

رؤوف ابتسم.

«وكنت هعملها.»

محمود رفع سلاحه.

لكن الحاج سالم وقف أمامه.

«لأ.»

محمود صرخ:

«إنت ضيعت حياتنا!»

سالم قال:

«عارف.»

«خليتني أعيش كذبة.»

«عارف.»

«وخليتها هي تعيش من غير أبوها.»

صمت سالم.

ثم قال:

«وده ذنبي اللي هفضل شايله لآخر يوم.»

رؤوف حاول يرفع سلاحه.

لكن فؤاد كان أسرع.

صوت طلقة واحدة دوّى في القصر.

رؤوف وقع على الأرض.

وانتهى كل شيء.

بعدها بأيام، اتكشفت حسابات وشركات سرية، وظهرت مستندات قديمة أثبتت إن جزء كبير من إمبراطورية المنصوري اتبنى على خيانة وقتل وابتزاز.

أما الـ12 مليون دولار، فتم تجميدها رسميًا.

لم آخذ منها جنيهًا واحدًا.

محمود كمان رفضها.

قال:

«الفلوس دي بدأت بلعنة. مش هخليها تكمل.»

الحاج سالم تنازل عن جزء كبير من ممتلكاته، وأغلق الشركات المرتبطة بأعماله القديمة.

أما أنا، فرجعت للمطعم.

ممدوح كان واقف عند الباب.

لما شافني، وشه اصفر.

قال:

«نادين… أنا كنت فاكر إن اللي حصل الليلة دي مجرد سوء تفاهم.»

بصيت له.

«لأ.»

«كان درس.»

سأل:

«هتكملي شغل هنا؟»

ابتسمت.

«لأ.»

وسبت المطعم.

بعد ست شهور، فتحت مطعم صغير في شبرا.

مطعم بسيط.

من غير بدلات فاخرة.

من غير ناس بتقيم بعض على شكلهم.

وكانت أول قاعدة حطيتها على الحائط:

«اللي يدخل من الباب، يدخل بكرامته.»

أما محمود، فاختفى عن عالم الجريمة تدريجيًا.

بدأ يبيع الشركات اللي ورثها، ويدخل في أعمال قانونية.

وفي يوم افتتاح المطعم، دخل وحده.

كان لابس قميص أبيض بسيط.

قعد على الترابيزة الأخيرة.

قربت منه.

قلت:

«هتطلب إيه؟»

ابتسم.

«أي حاجة من إيدك.»

ضحكت.

«لسه بتتكلم كده؟»

«لسه.»

حطيت قدامه القائمة.

قبل ما أمشي، قال:

«نادين.»

لفيت.

«نعم؟»

قال:

«جدتك كانت عندها حق.»

ابتسمت.

«في إيه؟»

قال:

«ما نترجيش الأغبياء يشوفوا قيمتنا.»

ضحكت.

وقبل ما أتحرك، أضاف:

«بس هي نسيت تقول حاجة.»

«إيه؟»

ابتسم.

«إن أحيانًا… الشخص اللي يشوف قيمتك من أول لحظة، هو اللي بيغير حياتك كلها.»

بصيت له للحظة.

وبعدين مشيت ناحية المطبخ.

وخلفي، كان الماضي كله بيقفل بابه للمرة الأخيرة.

لم أكن مجرد جرسونة اختبأت في المطبخ لأن مديرها لم يرَ فيها الأناقة.

ولم أكن مجرد حفيدة لست صعيدية غامضة.

كنت نادين.

البنت اللي اتسرق منها أبوها، واتسرقت منها الحقيقة، لكنها في النهاية استردت الاتنين.

أما عيلة المنصوري…

فأسرارها انتهت في الليلة التي قررت فيها فتاة بسيطة أن ترد على رجل غاضب بست كلمات فقط.

ست كلمات غيرت حياتها.

وغيّرت إمبراطورية كاملة.

تمت.

«الـ12 مليون دولار وسرّ عيلة المنصوري»
حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى