
وهو عنده ستة وأربعين سنة، كان آدم المنصوري لسه راجل وسيم بالطريقة الغالية والمتعمدة اللي بتتميز بيها الرجالة اللي بيدفعوا لناس تانية عشان يخبوا نقاط ضعفهم.
شعره كان أسود، وفيه خيوط فضية مرتبة بعناية عند الصدغين.
فكه حاد.
وقمصانه متفصلة مخصوص في أرقى الأماكن.
الصحف كانت بتوصفه كرجل أعمال قوي، لكن ورا الأبواب المقفولة، كان آدم المنصوري معروف كواحد من أخطر زعماء المافيا.
كان مسيطر على نوادي ليلية، ومخازن، وشركات مقاولات، وشركات أمن خاصة، وعدد كافي من الشركات القانونية يخلي المحققين محتارين فين انتهت إمبراطوريته الشرعية وبدأت إمبراطوريته الإجرامية.
وكان عنده بيتين على البحيرة، وطائرة خاصة بالكاد بيستخدمها، وزوجة كان بيعتبر سكوتها دليل على ولائها.
ظهر على تليفونه إشعار برسالة من ليان الشناوي.
«لسه بفكر فيك. قول لسلمى إن عندك اجتماع طويل.»
مسح آدم الرسالة، وبعدها المحادثة، وبعدها سجل المكالمات.
فتح تطبيق مشفر متخفي في شكل تطبيق للطقس، ومسح صورتين كانت ليان بعتتهم له في نص الليل.
آدم اتعلم من سنين إن الرغبة ما بتبقاش خطيرة إلا لما تسيب وراها دليل.
طفّى العربية.
القصر ارتفع قدامه، حجر أبيض وحديد أسود وسط العاصفة، وكل الشبابيك مظلمة.
عادةً، كانت سلمى بتسيب أنوار الشرفة منورة.
لكن الليلة، القصر كان غارق في الظلام.
قطّب آدم جبينه.
أخذ حقيبته، وعدّى المدخل وسط المطر البارد، وفتح الباب الأمامي ببصمة إصبعه.
نظام الأمان قبله بصوت رنين خافت.
انفتح البهو قدامه.
— سلمى؟
ناداها.
مفيش رد.
لا صوت الموسيقى الهادية اللي عادةً كان بيسمعها من غرفة جلوسها.
ولا صوت فنجان الشاي.
ولا صوتها الهادي الصبور اللي كان بيطلع من مكان ما في البيت، حتى وهي بتحاول تمثل إنها مش مستنياه.
قفل آدم الباب وراه.
الصمت كان غريب.
مشى ناحية السلم الرئيسي.
وبعدين لاحظ درجة الحرارة.
البيت كان ساقع.
بص على شاشة الترموستات.
13 درجة.
وضع الغياب.
— إيه اللي بيحصل؟
لمس الشاشة.
ما استجابتش.
بدأ القلق يتسلل لصدره.
صعد السلم.
باب جناح النوم الرئيسي كان مفتوح.
ودي كانت أول علامة تحذير حقيقية.
دخل غرفة النوم.
السرير كان مترتب.
بشكل مثالي.
مخيف.
اللحاف مفرود.
الوسايد متحطوطة في مجموعتين متطابقتين.
مفيش كتاب على جانب سلمى.
ولا كوباية مية.
ولا شاحن تليفون.
ولا شبشبها.
فتح الحمام.
فاضي.
فتح الدولاب.
هدومها موجودة.
لكن المجوهرات اختفت.
والحقائب اللي كانت بتستخدمها في السفر اختفت.
والمستندات الشخصية اختفت.
رجع للمكتب الصغير.
وهناك شاف الظرف.
عليه اسمه.
آدم.
مد إيده.
وقبل ما يفتحه، سمع صوتها.
— اتأخرت.
استدار.
سلمى كانت واقفة عند الباب.
لابسة فستان أسود بسيط.
وشعرها مربوط للخلف.
في إيدها كوب شاي.
وشها هادي.
هادئ بشكل يخوف.
— إنتِ كنتِ فين؟
— في البيت.
— البيت فاضي.
— مش فاضي.
بص حوالين نفسه.
— فين حاجتك؟
— الحاجات اللي تخصني خدتها.
— خدتيها ليه؟
رفعت عينيها له.
— عشان خلاص مش محتاجاها هنا.
اقترب منها.
— إيه معنى الكلام ده؟
— معنى الكلام إني عرفت.
سكت.
— عرفت إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— ما تتعبش نفسك.
أشارت للظرف.
— افتحه.
فتح آدم الظرف.
أول ورقة كانت صورة.
ليان الشناوي.
وبجانبها آدم.
صورة من بعيد.
قلب الورقة.
صورة تانية.
وثالثة.
ورابعة.
كل واحدة بتاريخ مختلف.
آخر صورة كانت من الليلة نفسها.
آدم واقف قدام باب الشقة.
وليان بتودعه.
يده قبضت على الورقة.
— مين جابلك الصور دي؟
— مش مهم.
— مين؟
— الشخص اللي اشتغلت معاه عشان أعرف الحقيقة.
— إنتِ كنتِ بتراقبيني؟
— لأ.
هزت رأسها.
— كنت براقب حياتي.
آدم حاول يضحك.
— سلمى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
— أنا فاهمة أكتر مما تتخيل.
— ليان مجرد—
قاطعت كلامه:
— ما تقولش اسمها.
سكت.
— لأنك لو نطقت اسمها تاني، هتخليني أفتكر إنك لسه شايفني الست الغبية اللي قاعدة هنا مستنياك كل ليلة.
— أنا عمري ما شفتك غبية.
— لأ.
ابتسمت.
— إنت شفتني مضمونة.
الكلمة وقعت عليه أقوى من أي اتهام.
سلمى قربت من المكتب وطلعت ملف أسود.
حطته قدامه.
— افتحه.
فتح الملف.
كشف حسابات.
عقود.
تحويلات.
أسماء شركات.
وأسماء رجال.
آدم بدأ يقلب الصفحات بسرعة.
وبعدين توقف.
— إنتِ عملتي إيه؟
— الحاجة اللي إنت ما عملتهاش.
— إيه؟
— خططت.
فتحت صفحة.
— الشركة دي بتاعتك.
صفحة تانية.
— ودي كمان.
صفحة ثالثة.
— ودي واجهة للشحنات.
آدم رفع عينه.
— إنتِ عارفة إيه عن شغلي؟
— كل حاجة.
— مستحيل.
— عارف ليه؟
سكت.
— لأنك كنت فاكر إن الست الهادية ما بتسمعش.
وضعت إصبعها على صفحة.
— وكنت فاكر إني ما بفهمش لما تتكلم مع رجالتك في المكتب.
ثم على صفحة أخرى.
— وكنت فاكر إني ما لاحظتش إنك بتخرج من البيت الساعة تلاتة الصبح.
ثم رفعت عينيها.
— وكنت فاكر إن ريحة البرفان اللي كانت على قميصك الأسبوع اللي فات كانت صدفة.
آدم ضغط على فكه.
— إنتِ بتلعبي بالنار.
— لأ.
أغلقت الملف.
— أنا بطلت أخاف منها.
مد يده وأمسك ذراعها.
سلمى بصت لإيده.
ثم رفعت عينيها له.
— سيب إيدي.
— وإلا؟
سكتت ثانية.
— وإلا هتكتشف إنك مش أقوى واحد في البيت.
تركها.
ليس خوفًا.
لكن لأنه رأى في عينيها شيئًا لم يره طوال خمسة عشر عامًا من زواجهما.
اليقين.
سلمى فتحت درجًا آخر.
طلعت هاتفًا صغيرًا.
وضغطت زرًا.
خرج صوت آدم من السماعة.
كان بيتكلم عن شحنة.
عن حسابات.
عن رجل اسمه حازم.
عن مخزن في الميناء.
عن اختفاء شخص.
آدم شحب.
— ده تسجيل من ستة شهور.
ضغطت تسجيلًا ثانيًا.
صوته مرة أخرى.
ثم ثالثًا.
ثم رابعًا.
سلمى أوقفت الهاتف.
— كنت بتفتكر إني بقضي وقتي في المطبخ والحديقة؟
آدم حدق فيها.
— إنتِ مين؟
ابتسمت.
— مراتك.
ثم أضافت:
— بس الليلة دي، أنا مش مراتك.
اقترب منها.
— لو فاكرة إنك هتخرجي من هنا—
قاطعت كلامه.
— أنا خرجت بالفعل.
— إيه؟
— الأوراق اتبعت.
تجمد.
— لمين؟
— للناس اللي لازم تشوفها.
— مين؟
— محاميين. صحفيين. ومكتب المدعي العام.
ضحك آدم.
لكن ضحكته كانت خاوية.
— فاكرة إنهم هيصدقوكي؟
— مش محتاجين يصدقوني.
وضعت الهاتف أمامه.
— الأدلة هتتكلم.
رن هاتف آدم.
نظر للشاشة.
اسم أحد رجاله.
رد.


