
— أيوه.
الصوت على الطرف الآخر كان مرتبكًا.
— باشا… في مشكلة.
— إيه؟
— الحسابات اتجمدت.
سكت آدم.
— أي حسابات؟
— كلها تقريبًا.
أغلق المكالمة.
قبل ما يستوعب، رن الهاتف مرة ثانية.
هذه المرة رجل آخر.
— باشا، في عربيات شرطة عند المخازن.
آدم وقف.
— مين بلغهم؟
— مش عارف.
ثم سمع صوتًا آخر في الخلفية.
— باشا… في حد بيسأل على ملفات شركة النور.
أغلق آدم الهاتف.
بص لسلمى.
— إنتِ.
— أيوه.
— إنتِ عملتي كل ده؟
— لأ.
هزت رأسها.
— أنا بس فتحت الباب.
— لمين؟
ابتسمت بحزن.
— للناس اللي أنت قضيت عمرك تقفل الأبواب في وشهم.
ساد الصمت.
ثم قال آدم:
— ليه؟
كان السؤال حقيقيًا.
ولأول مرة، سلمى شافت الرجل اللي تحت القناع.
مش زعيم المافيا.
مش رجل الأعمال.
مش الزوج الخائن.
مجرد آدم.
الرجل اللي اتجوزته وهي في الرابعة والعشرين.
الرجل اللي وعدها إنه عمره ما هيخليها تخاف.
قالت:
— عشان أنا تعبت.
— من إيه؟
— من إني أعيش مع راجل ما يعرفش يحب غير نفسه.
ثم اقتربت منه.
— أنا استنيت سنين.
— وكنتِ ناوية تعملي إيه؟
— أسيبك.
— وتبلغي عني؟
— لأ.
سكتت.
— كنت ناوية أهرب بس.
ضحك بمرارة.
— وبعدين؟
— وبعدين أنت اللي خليتني أغير رأيي.
— إزاي؟
— لما عرفت إنك ناوي تخليني أمضي على التنازل عن كل أملاكي.
آدم سكت.
كان صحيحًا.
منذ أسبوعين، كان محاميه جهز أوراقًا تحمي ثروته في حالة الطلاق.
سلمى عرفت.
ومن اللحظة دي، قررت إن الطلاق مش كفاية.
قالت:
— كنت عايز تخرجني من حياتك بإيدي أنا.
— وكنتِ عايزة تنتقمي.
— لأ.
هزت رأسها.
— كنت عايزة أعيش.
اقترب آدم من الشباك.
في الخارج، ظهرت أضواء سيارات.
أضواء كثيرة.
قال بهدوء:
— الشرطة وصلت.
— عارفة.
— وهتندمي.
— ممكن.
ثم ابتسمت.
— بس على الأقل الندم ده هيكون بتاعي.
أمسك آدم سترته.
— إنتِ مش فاهمة.
— فاهمة.
— الناس اللي أنا شغال معاهم مش هيسيبوني.
— عشان كده ما ينفعش تفضل هنا.
— وإنتِ؟
— أنا خلاص خارجة.
توقف.
— سلمى.
نظرت إليه.
— إيه؟
لأول مرة، صوته انكسر.
— كنتِ بتحبيني؟
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
— جدًا.
نظر لها.
— لحد إمتى؟
— لحد ما فهمت إن الحب لوحده مش كفاية عشان ينقذ حد مش عايز ينقذ نفسه.
نزلت الدموع على خدها.
لكنها لم تمسحها.
— أنا حبيتك يا آدم.
— وأنا…
توقف.
الكلمة ما خرجتش.
لأنه لأول مرة، اكتشف إنه لا يعرف كيف يقولها.
سلمى فهمت.
ابتسمت بحزن.
— عارفة.
ثم أخذت حقيبتها.
خرجت من الغرفة.
بعد دقائق، كان آدم في البهو.
رجاله لم يستطيعوا الوصول إليه.
الأبواب الخارجية كانت محاصرة.
صوت مكبرات الشرطة ارتفع في الخارج.
— آدم المنصوري! اخرج ويديك مرفوعتين!
وقف آدم أمام الباب.
ثم نظر خلفه.
القصر الذي بناه.
اللوحات.
الدرج.
الأرضيات.
كل شيء.
وفجأة بدا له المكان أصغر من أي وقت مضى.
كان يملك مدينة.
ثم خسر بيتًا.
ثم خسر امرأة.
ثم اكتشف أن كل ما يملكه كان قائمًا على خوف الناس منه.
فتح الباب.
رفع يديه.
وفي الجهة الأخرى من الشارع، كانت سيارة سلمى تتحرك ببطء.
شاهدته من النافذة.
ولم تلتفت.
—
مرّت ثلاثة أشهر.
قضية آدم المنصوري هزت شيكاغو.
الصحف تحدثت عن رجل الأعمال الناجح الذي أخفى شبكة إجرامية لسنوات.
الشركات اتجمدت.
المخازن اتقفلت.
رجاله بدأوا يتكلمون.
وبعد أن بدأ أول واحد منهم يتكلم، الباقي سقطوا واحدًا وراء الآخر.
أما ليان الشناوي، فاختفت من المدينة.
لم تذكر سلمى اسمها أمام أي شخص.
ولم تكن تريد الانتقام منها.
كانت تريد فقط نهاية آدم.
وفي صباح شتوي هادئ، وقفت سلمى أمام مكتب صغير جديد وسط المدينة.
لم يكن قصرًا.
ولا فيه رخام.
ولا بوابات حديد.
كان مجرد مكتب دافئ له نافذة كبيرة ونباتات كثيرة.
على الباب لوحة صغيرة:
سلمى المنصوري — استشارات مالية.
دخلت.
وضعت حقيبتها.
ابتسمت.
لأول مرة منذ سنوات، كانت الساعة 8:15 صباحًا، وهي لم تكن تنتظر شخصًا.
رن هاتفها.
رقم مجهول.
ترددت.
ثم أجابت.
— ألو؟
جاء صوت آدم.
كان أضعف.
أهدأ.
— سلمى.
أغمضت عينيها.
— عايز إيه؟
— بس كنت عايز أقول لك حاجة.
— قول.
صمت طويل.
ثم قال:
— كنتِ أحسن حاجة حصلت لي.
أجابت بهدوء:
— وأنا كنت فاكرة إنك هتكتشف ده قبل ما تخسرني.
— ممكن تسامحيني؟
سكتت.
ثم قالت:
— أنا سامحتك من زمان.
تنفس آدم ببطء.
— بجد؟
— أيوه.
— يبقى ليه ما ترجعيش؟
فتحت سلمى النافذة.
دخل هواء الشتاء البارد.
وقالت:
— لأن المسامحة مش معناها الرجوع.
صمت.
— آدم…
— أيوه؟
— أتمنى تتغير.
— عشانك؟
— لأ.
نظرت إلى الشارع.
— عشان نفسك.
ثم أغلقت الهاتف.
وقفت لحظة.
وبعدها ابتسمت.
كانت لا تزال تحمل اسم المنصوري.
لكن للمرة الأولى، لم يكن الاسم هو الذي يحددها.
—
بعد عام، خرج آدم المنصوري من السجن.
لم يعد ملكًا.
لم يعد حوله عشرات الرجال.
لم يعد هناك قصر.
ولا سيارات.
ولا شركات.
ولا ليان.
وقف أمام مبنى صغير في وسط المدينة.
رفع عينيه.
كانت سلمى تخرج منه.
توقفت عندما رأته.
اقترب منها.
لكن هذه المرة، لم يمد يده.
قال:
— شكلك مبسوطة.
ابتسمت.
— جدًا.
— كويس.
سكتا.
ثم قال:
— كنت عايز أقول لك إنك كنتِ على حق.
ضحكت بهدوء.
— في إيه؟
— في كل حاجة.
ثم نظر للأرض.
— وأنا ضيعت عمري عشان أبقى أقوى راجل في المكان.
رفع عينيه لها.
— واكتشفت إني كنت أضعفهم كلهم.
لم تجبه.
أخرج من جيبه علبة صغيرة.
مدها لها.
— دي ليكي.
فتحتها.
كان فيها خاتم ألماسي قديم.
نظرت إليه.
— ده كان بتاعي.
— عارف.
— ليه رجعته؟
— عشان أنتِ اللي اشتريتيه.
ابتسمت.
— لأ.
هز رأسه.
— خلي الماس يا سلمى.
رفعت عينيها إليه.
ابتسم لأول مرة بدون غرور.
— أنا مش محتاجه.
أغلقت العلبة.
ثم أعادتها إليه.
— خليه.
— ليه؟
— عشان تفتكر.
— أفتكر إيه؟
نظرت في عينيه.
— إن أغلى حاجة خسرتها ما كانتش الماس.
ثم تركته وذهبت.
آدم وقف مكانه.
راقبها وهي تمشي.
هذه المرة، لم يحاول إيقافها.
لأنه فهم أخيرًا أن بعض الأبواب لا تُغلق علينا.
نحن من نغلقها خلفنا.
وسلمى…
كانت قد أغلقت الباب منذ وقت طويل.
لكنها، للمرة الأولى في حياتها، لم تكن خائفة مما يوجد خلفه.
كانت تنظر فقط إلى الطريق الذي أمامها.
وطريقها كان ملكها وحدها.
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




