عام

أنتِ لستِ مناسبة لعائلتي حكايات شروق خالد

“مع مين؟”

“مجموعة النيل للاستثمارات.”

آسر فتح الملف.

“مين الممثلة عن المجموعة؟”

والده قال الاسم.

“ملك حسن.”

تجمدت أصابعه.

رفع عينيه ببطء.

“قول الاسم تاني.”

“ملك حسن.”

سكت آسر.

“إيه؟”

والده استغرب.

“إنت تعرفها؟”

آسر قفل الملف.

“لا.”

لكن قلبه كان بيكذبه.

في اليوم التالي، دخل آسر قاعة الاجتماع.

كانت مليانة رجال أعمال، محامين، ومديرين تنفيذيين.

ثم فتح الباب.

ودخلت أنا.

آسر وقف من مكانه كأن الأرض اختفت من تحته.

أنا ما كنتش نفس البنت اللي خرجت من بيته بحقيبة واحدة.

كنت أقوى.

أهدى.

وأكثر ثقة.

لبست بدلة بسيطة، وشعري كان مربوطًا خلف ظهري.

لكن عينيّ كانت زي ما هي.

وقفت قدامه.

“صباح الخير.”

صوته خرج مبحوحًا.

“ملك؟”

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

“أيوه.”

كان واضحًا إنه مش قادر يستوعب.

“إنتِ… إزاي؟”

“إيه اللي إزاي؟”

“إنتِ رجعتي القاهرة؟”

“من سنتين.”

حدق في وجهي.

“أنا ما كنتش أعرف.”

“أنا ما حاولتش أخليك تعرف.”

الجملة نزلت عليه كضربة.

قبل ما يقدر يرد، دخلت مساعدة صغيرة تحمل حقيبة وردية.

“مدام ملك، البنات مستنيينك تحت.”

آسر التفت بسرعة.

“البنات؟”

أنا ما جاوبتش.

خرجت من القاعة.

لكنه لحق بي.

“ملك!”

وقفت.

“إيه؟”

كان وجهه شاحبًا.

“إنتِ عندك بنات؟”

“أيوه.”

“قد إيه؟”

نظرت له في عينيه.

“اتنين.”

ابتلع ريقه.

“توأم؟”

سكتُّ.

لكنه فهم.

“ملك…”

صوته بدأ يرتجف.

“هما… ولادي؟”

لم أجاوب.

فقال بصوت خافت:

“هما بناتي؟”

وقتها فقط رفعت عيني إليه.

“أيوه.”

آسر رجع خطوة للخلف.

كأنه تلقى ضربة في صدره.

“من إمتى؟”

ضحكت بمرارة.

“من قبل ما تعرف إنك فقدتني.”

“ليه ما قلتيليش؟”

“كنت هتعمل إيه؟”

سكت.

“هتروح تقول لوالدتك إنك اتعرفت على واحدة مش مناسبة لعيلتك؟”

“ملك، أنا…”

“لأ.”

قاطعتُه.

“إنت اخترت عيلتك وقتها.”

ثم اقتربت منه خطوة.

“وأنا اخترت بناتي.”

عينيه امتلأت بالدموع.

“أنا كنت غبي.”

“كنت قاسي.”

“أنا ندمت.”

“أنا اتألمت.”

“سامحيني.”

هززت رأسي.

“المسامحة حاجة.”

نظرت له مباشرة.

“والرجوع حاجة تانية.”

وفي اللحظة دي، سمعنا صوت طفلتين من آخر الممر.

“ماما!”

لف آسر.

وكانت ليان وجنى جايين ناحيتي.

توقف الزمن بالنسبة له.

طفلتان صغيرتان، بنفس الشعر البني، ونفس الملامح الرقيقة.

لكن عيونهما…

كانت عيناه.

اقتربت ليان مني وأمسكت يدي.

أما جنى فاختبأت خلفي.

آسر نزل على ركبته ببطء.

كان يبص لهم وكأنه بيشوف حياته كلها لأول مرة.

همس:

“يا إلهي…”

ثم رفع عينيه لي.

“أنا ضيعت سنتين.”

قلت بهدوء:

“أيوه.”

نظر إلى البنتين.

“ممكن ألمس إيدهم؟”

سكتُّ.

وبعد لحظات، قلت:

“اسألهم.”

آسر ابتسم وسط دموعه.

“ممكن أسلم عليكم؟”

ليان بصت له بفضول.

“إنت مين؟”

آسر فتح فمه، لكنه لم يعرف ماذا يقول.

نظر إليّ.

فقلت:

“ده آسر.”

جنى سألت:

“بابا؟”

آسر أغلق عينيه.

ونزلت دمعة على خده.

“أيوه.”

كانت أول مرة ينطق فيها الكلمة.

وأول مرة يسمعها من نفسه.

اقتربت ليان منه بحذر.

مدت يدها الصغيرة.

آسر أمسكها برفق، وكأنه يمسك أغلى شيء في حياته.

وبعد لحظات، مدت جنى يدها هي الأخرى.

احتضنهما آسر وهو يبكي.

وأنا وقفت بعيدًا.

ما كنتش عارفة إذا كنت أقدر أرجع أحبه.

لكنني عرفت شيئًا واحدًا.

الرجل الذي قال لي يومًا:

“إنتِ مش مناسبة ليا.”

كان الآن واقفًا أمامي، يحتضن ابنتيه، ويدرك متأخرًا أن المشكلة لم تكن يومًا في قيمتي.

المشكلة كانت أنه لم يكن قويًا بما يكفي ليختارني.

وبعد أشهر، لم أعد أحتاج إلى أن أكون زوجة آسر القناوي لأثبت لأي شخص أنني أستحق الحب.

لأنني كنت قد بنيت حياتي بنفسي.

أما آسر، فكان عليه أن يبدأ من الصفر.

لم أعد تلك الفتاة التي تنتظر منه أن يختارها.

كنت أمًا.

وسيدة ناجحة.

وامرأة عرفت قيمتها.

وفي النهاية، عندما طلب مني الزواج مرة أخرى، لم يقل:

“تعالي نبدأ من حيث انتهينا.”

بل قال:

“خلينا نبدأ من أول وجديد… المرة دي من غير ما أسمح لأي حد يختار عني.”

نظرت إلى ليان وجنى، ثم إليه.

وابتسمت.

“المرة دي… لو اخترتني، اختارني عشان أنا ملك.”

مد يده لي.

“أنا اخترتك من أول يوم.”

هززت رأسي.

“بس اتأخرت سنتين.”

ضحك وهو يمسح دموعه.

“هقضي باقي عمري أعوضهم.”

وأنا للمرة الأولى، صدقته.

لأن الحب الحقيقي مش وعد إنك ما هتغلطش.

الحب الحقيقي إنك لما تدرك قيمة الشخص، ما تسيبش كبرياءك يخليه يضيع منك مرة تانية.

النهاية.

: «أنتِ لستِ مناسبة لعائلتي

حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى