
الجزء الثالث والأخير:
بعد ستة أشهر…
في إحدى المزارع الخاصة شديدة الحراسة على أطراف الإسكندرية، كان الهدوء يعم المكان، لكنه لم يكن هدوء المستشفيات المريب؛ بل كان هدوءاً يبعث على الأمان.
كانت أمل تقف أمام نافذة غرفة الرعاية المجهزة بأحدث الأجهزة الطبية في الفيلا. مر ستة أشهر منذ تلك الليلة المرعبة في مستشفى “دار الشفا”، ستة أشهر تغيرت فيها حياتها بالكامل. لم تعد تلك الممرضة الوحيدة التي تخشى فقدان وظيفتها أو تجد صعوبة في دفع إيجار شقتها؛ أصبحت المسؤولة الأولى والأخيرة عن الفريق الطبي المخصص لرعاية محمود الشاذلي، وبأجر لم تكن تحلم به، ولكن الأهم من المال… أنها وجدت أخيراً المكان الذي تنتمي إليه.
“لسه بتكتبي في الكشكول إياه؟”
لتفتت أمل لتجد حمزة الشاذلي واقفاً عند الباب، يرتدي بذلته الداكنة كالعادة، لكن ملامحه كانت أرق بكثير مما كانت عليه يوم التقيا أول مرة.
ابتسمت أمل ورفعت الكشكول المتهالك من على الطاولة: “ده السجل الوحيد اللي بيحكي الحقيقة يا حمزة بيه. أجهزة القياس بتقول أرقام، لكن الكشكول ده بيكتب المشاعر.”
قرب حمزة من سرير أخيه، وبص له بنظرة مليانة حب وامتنان: “الدكاترة الكبار اللي جبتهم من ألمانيا الأسبوع اللي فات قالوا إن التحسن اللي حصل في حالة محمود في الست شهور دول معجزة طبية… بس أنا عارف إن المعجزة دي مش أجهزة ولا أدوية. المعجزة كانت وجودك جنبه.”
أمل بصت لمحمود، اللي كان قاعد المرة دي على كرسي متحرك مخصص، وجهاز التنفس الصناعي اتعدل ليكون جهاز مساعد فقط بعد ما بدأ يتنفس لوحده لفترات طويلة.
“محمود كان محتاج حد يصدق إنه موجود بس… مش أكتر.” قالت أمل وهي بتقرب من محمود وبتعدل له غطاء الكتاف.
في اللحظة دي، حمزة حط إيده في جيبه وأخرج ملف أسود وحطه قدام أمل على الترابيزة.
أمل بصت للملف باستغراب: “إيه ده؟”
رد حمزة بنبرة هادية: “دي أوراق ملكية شقة باسمك في جاردن سيتي، وحساب بنكي متأمن تماماً يؤمن مستقبلك ومستقبل عيلتك للابد. ده مش أجر شغلك، ده مجرد رد جميل بسيط للكتف اللي شال أخويا في وقت الكل كان باعه فيه.”
أمل اتراجعت خطوة وهزت رأسها بالرفض: “أنا مش محتاجة كل ده يا حمزة بيه. أنا عملت واجبي، والراحة اللي شايفاها في عين محمود هي أكبر مكافأة لي.”
حمزة ابتسم وقال بجدية: “عيلة الشاذلي ما بتسيبش حد ينصرها ويخرج إيده فاضية يا أمل. وبعدين… مين قال إن دورك خلص؟ أنتِ خلاص بقيتي جزء من العيلة دي.”
وفجأة… وفي وسط الكلام، اتسمع صوت حركة خفيفة وخشبة من ناحية الكرسي المتحرك.
أمل وحمزة اتسكتوا فوراً وبصوا لنفس الناحية.
إيد محمود اليمين — الإيد اللي كانت مشلولة تماماً لمدة سنة ونص — بدأت تترعش ببطء. أمل جرت عليه وقعدت على ركبتها جنبه، وبصت لوشه.
محمود كان بيحاول يرفع صوابعه بجهد جبار، وعينيه كانت متثبتة على أمل. وببطء شديد، تحركت صوابعه الخمسة ولمست إيد أمل اللي كانت محطوطة على مسند الكرسي، ومسك في صوابعها بضغط خفيف لكنه كان واضح جداً ومقصود.
شفايف محمود تحركت ببطء شديد، ومن غير ما يخرج صوت كامل، خرج منه همس خفيف جداً، زفير بصوت مسموع:
دمعة نزلت من عين أمل، بس المرة دي ماكانتش دمعة حزن ولا خوف… كانت دمعة انتصار. مسحت دمعتها بإيدها التانية وابتسمت له وهي بتشد على إيده:
“أنا هنا يا محمود… مش هسيبك، ومش هروح في أي حتة.”
حمزة وقف وراهم، وبص للسقف وهو بياخد نفس عميق بيحاول يداري بيه دموعه اللي كانت هتنزل. عرف إن الليلة اللي اتفتحت فيها النيران في الأوضة 419 ماكانتش بداية النهاية… دي كانت بداية الحياة الجديدة لأخوه، وللممرضة اللي رفضت تتخلى عنه لما الدنيا كلها اتخلت عنه.
حكايات شروق خالد




