
في الساعة 8:35 صباحًا، رفع الدكتور أحمد فانس ورقة الأدوية المكتوبة بخط إيد سلمى حسن قدام أربعة من الأطباء المقيمين. قال بحدة: “إنتِ فاهمة ليه إحنا عندنا نظام إلكتروني؟” كانت سلمى فاهمة كويس. وعارفة كمان إن النظام الإلكتروني كان لسه ماسح وحدات القياس من كذا أمر دوائي، وإن الرقم من غير وحدة ممكن يقتل مريض. كانت بالفعل طبعت الأوامر الأصلية، وراجعت كل جرعة، وسجلت عطل النظام، وكلمت الدعم الفني.
وكان بإمكانها تثبت كل ده.
لكنها بدل ما تتكلم، وطّت عينيها.
“أيوه يا دكتور.”
لأن كونها على حق مش هيجيب لها فلوس تدفع بيها مصاريف غسيل الكلى لأخوها اللي عنده ستاشر سنة.
يوسف كان بيعاني من فشل كلوي في مراحله الأخيرة. ثلاث جلسات غسيل كل أسبوع، وكل جلسة أربع ساعات. وفي درج مطبخهم كانت متراكمة ديون علاجية ضخمة، ووظيفة سلمى في المستشفى كانت الخيط الوحيد اللي لسه مخلي أخوها محتفظ بالتأمين الصحي.
كانت تقدر تستحمل الإهانة.
لكن ما تقدرش تتحمل إنها تخسر شغلها.
خبط الدكتور أحمد بإصبعه على الورقة.
“الناس بتموت بسبب إن حد يكون شبه صح، ويفتكر إن شبه الصح كفاية.”
وبعدين عينيه نزلت على جاكت البدلة الطبية بتاعة سلمى.
“وبعدين يا حسن؟ لما قسم المستلزمات يطلب مقاسات جديدة، جربي تاخدي مقاس أكبر. إنتِ بتتعاملّي مع المرضى، ولازم شكلك يكون مناسب.”
ساد الصمت في الغرفة.
حست سلمى بحرارة الإحراج بتطلع لوشها.
مع إن الجاكت كان مقاسها فعلًا.
لكنها ابتسمت رغم كده.
“حاضر يا دكتور.”
بعد دقائق، حطت صاحبتها كريمة كوب قهوة سودة جنبها.
وقالت: “إنتِ مش مضطرة تفضلي ساكتة وتسمحي لهم يعملوا فيكي كده.”
سلمى فضلت باصة للشاشة قدامها.
“لو خسرت الشغل، يوسف هيخسر التأمين.”
كريمة سكتت.
همست سلمى: “في حاجات كتير أنا ماقدرش أعتبرها رفاهية.”
سألتها كريمة: “زي إيه؟”
ردت سلمى بهدوء: “زي إني أزعل.”
قبل الساعة تسعة بخمس دقايق، اتفتحت أبواب مستشفى النيل التخصصي في القاهرة.
سلمى عرفت صوت الخطوات من غير حتى ما ترفع عينيها.
كان سيف المنصوري بييجي أول يوم تلات في كل شهر.
بقاله تلات سنين.
تلاتين وست زيارة.
دايمًا بيقعد على نفس الكرسي. دايمًا لابس نفس الساعة الجلد القديمة، اللي زجاجها متشقق. ودايمًا عينه بتراقب بابين الخروج بدل ما يبص في تليفونه.
بالنسبة لسلمى، كان مجرد راجل غريب وهادي بييجي غرفة رقم أربعة، وفحوصات قلبه عمرها ما أظهرت أي مشكلة حقيقية.
ماكانتش تعرف إن الاسم ده كان كفيل يخلي رجال أعمال كبار يسكتوا، وإن سيف المنصوري كان واحدًا من أخطر رجال الأعمال في القاهرة، والاسم اللي بيتقال في دوائر معينة بصوت واطي جدًا.
لكن في اليوم ده، ولأول مرة خلال ستة وتلاتين زيارة، سألها سيف عن اسمها.
“سلمى.”
كرر اسمها بصوت واطي، كأنه ناوي يحفظه.
وبعد ساعات، وتحديدًا الساعة 2:14 ظهرًا، لاحظت سلمى راجل لابس زي فني صيانة داخل من ناحية الاستقبال، لكنه كان ماشي في الاتجاه الغلط.
ماكانش معاه أي معدات.
وعينيه كانت مركزة على كاميرات المراقبة.
وبعدين على مخارج الطوارئ.
إيد سلمى وقفت فوق عربة الأدوية.
دخل بعدها أربعة رجالة تانيين من الباب الرئيسي.
ولا واحد فيهم سجل اسمه أو عمل إجراءات دخول.
غريزة سلمى القديمة في التعامل مع حالات الطوارئ صرخت جواها.
مدت إيدها ناحية زر الإنذار.
وفجأة دوّى أول صوت رصاصة في المكان.
اتكسر زجاج واجهة المستشفى، وتناثر في كل حتة، والناس وقعت واستخبت ورا الكراسي.
سلمى شافت سيف خارج من ممر غرف الكشف، وفي اللحظة نفسها واحد من المسلحين لف ناحيته.
كان سيف على بعد حوالي تلاتين متر من أقرب مكان آمن.
رفع المسلح سلاحه.
وشافت سلمى فوهة البندقية بتستقر ناحية صدره.
ومن غير ما تفكر في نفسها، سابت زر الإنذار واندفعت بكل قوتها ناحية سيف.
حكايات شروق خالد
اندفعت سلمى بكل قوتها.
“سيف!”
لف ناحيتها في اللحظة اللي وصلت فيها قدامه.
وفي ثانية واحدة، دوّى صوت الرصاص.
رصاصة اخترقت كتف سلمى.
والتانية أصابت جنبها.
والتالتة استقرت في أعلى ذراعها.
جسمها اتراجع للخلف، وعينيها اتسعت من الصدمة.
سيف مسكها قبل ما تقع.
“سلمى!”
كانت أول مرة يسمعها تناديه باسمه، وأول مرة صوته يخرج بالشكل ده.
مرعوب.
حط إيده على جنبها، ولما شاف الدم بين صوابعه، عينيه اتحولت لنظرة ما شافتهاش منه قبل كده.
غضب بارد.
رفع عينيه ناحية الرجال.
“اقفلوا المستشفى.”
أحد رجاله كان بالفعل دخل من الباب الخلفي ومعاه اتنين آخرين.
في ثواني، تحولت الفوضى إلى مطاردة.
المسلحين بدأوا يجروا ناحية مخارج الطوارئ، لكن رجال سيف كانوا أسرع.
أما سيف، فلم يهتم بأي شيء.
كان شايل سلمى بين ذراعيه.
قالت بصوت ضعيف: “سيبني… شوف الناس التانية.”
“اسكتي.”
“أنا ممرضة… لازم…”
“قلت اسكتي.”
بصت له، وحاولت تبتسم رغم الألم.
“إنت بتزعق ليه؟”
شدها أكتر لصدره.
“عشان إنتِ بتنزفي.”
حاولت تضحك، لكن الألم منعها.
“واضح.”
جري بيها ناحية قسم الطوارئ.
الدكاترة والممرضين اتجمعوا حولها.
الدكتور أحمد نفسه ظهر من وسط الزحام.
أول ما شافها، اتجمد مكانه.
“يا نهار أسود… سلمى؟”
صرخ أحد الأطباء: “ثلاث طلقات! محتاجة نقل دم فورًا وتجهيز عمليات!”
الدكتور أحمد قرب منها.
“حطيها على السرير.”
لكن سيف ما تحركش.
“هتتعالج هنا؟”
قال الدكتور أحمد: “دي مستشفى، مش ساحة حرب. طبعًا هتتعالج هنا.”
سيف قرب منه خطوة.
“لو حصل لها حاجة…”
قاطعه الدكتور أحمد: “لو عايزها تعيش، ابعد عن السرير وسيبنا نشتغل.”
لثوانٍ، فضل سيف واقف مكانه.
ثم نزل عينيه على سلمى.
كانت بدأت تفقد وعيها.
مدت إيدها بصعوبة، ومسكت طرف بدلته.
“سيف…”
انحنى عليها فورًا.
“أنا هنا.”
“يوسف…”
فهم فورًا.
“أخوكي؟”
هزت رأسها.
“ما تقولش له…”
ثم أغمضت عينيها.
سيف أمسك إيدها.
“ولا كلمة.”
دخلت سلمى غرفة العمليات.
وبقي سيف واقف قدام الباب.
مرت عشر دقائق.
ثم عشرين.
ثم ساعة.
رجاله كانوا بيبلغوه إن المسلحين اتقبض عليهم، وإن الهجوم كان مخططًا له من فترة، وإن الهدف الحقيقي كان هو.
لكن سيف لم يسمع نصف الكلام.
كان كل تفكيره في المرأة التي رمت نفسها أمام الرصاص عشان تنقذه.
بعد ثلاث ساعات، خرج الطبيب.
قام سيف فورًا.
“هي؟”
الدكتور خلع الكمامة.




